على طريقة فيلم "الأرض".. تم سحل مواطن في العقد الثالث من عمره فى المجاورة 31 بمدينة العاشر من رمضان بتهمة التحرش بأنثى. السحل لم يكن العقاب الوحيد الذى تلقاه المتحرش، بل الضرب والإجبار على خلع ملابسه وتصوير ذلك عبر الفيديوهات ونشرها عبر موقع اليوتيوب. ورغم بشاعة كلتا الجريمتين، سواء التحرش الجنسي بالفتاة أو السحل وضرب مواطن على أيدي الأهالي، يبقى السؤال: هل يولد الكبت الانفجار بهذه الطريقة الهمجية؟ هل فقد المواطن إيمانه بالقانون الرادع لحوادث التحرش، فقرر أن يرد بيده؟ تقول زينب ثابت – المديرة التنفيذية لمؤسسة كرامة بلا حدود – إنها ترفض ردود فعل الأهالي واستخدامهم للعنف مع المتحرش؛ لأن العنف يولد مزيدًا من العنف، وهذا المتحرش الذي تم الاعتداء عليه وسحله قد يمارس في المستقبل مزيدًا من السلوكيات الانتقامية تكون أشد شراسة وعنفًا تجاه السيدات، وهو ما يحول المجتمع إلى غابة يأخذ فيها كل مواطن حقه بيده. وأضافت ثابت أنها تفسر اندفاع الأهالي بهذه الطريقة العنيفة تجاه المتحرش لفقدان المواطنين الأمل في أن الدولة تقوم بأي دور واقعي وفعال تجاه ردع المتحرشين، مشيرة إلى أن الدولة اكتفت بسن قانون لمكافحة التحرش الجنسي، أصدره المستشار عدلي منصور قبل رحيله، ولكن لم يتم تطبيقه بشكل فعال. وأكدت أن قانون مكافحة التحرش الجنسي قاصر، ويحتاج إلى تعديلات كثيرة؛ لتبث الطمأنينة في نفوس المواطنين، وتكسب ثقتهم بفاعليته؛ حتى لا يتصرفوا بهذا الأسلوب من سحل وضرب المتحرشين مرة أخرى، مضيفة أن القانون غابت عنه آليات التفعيل من تجهيز أقسام الشرطة لتلقي بلاغات الفتيات وتحرير المحاضر ضد المتحرشين، بل غاب عنه تمكين الناجية من حقها في القبض على المتحرش وبدلاً من أن ينص القانون على ضبط الشرطة للمتحرش، ألزم الفتاة بإحضاره للقسم!! وأشارت ثابت إلى أن أقسام الشرطة تحتاج إلى إعادة تأهيل لأفرادها وضباطها، حيث يمارسون التحرش الجنسي، حتي ولو كان لفظيًّا بالناجيات أثناء تحريرهن لمحاضر أو لمجرد دخولهن الأقسام لإنجاز بعض الأوراق، فضلاً عن العراقيل الأخرى التي نص عليها قانون مكافحة التحرش الجنسي، وهو إلزام الفتاة الناجية بإحضار شهود عن الواقعة، بشرط ألا يكونوا من أقاربها، أي لو أن فتاة تسير مع صديقتها وتعرضت إحداهما للتحرش، لا تستطيع الصديقة الإدلاء بالشهادة، فضلاً عن وجود إشكالية أخرى، وهي أن القانون لم يراعِ الحالة النفسية السيئة للمرأة جراء تعرضها لحادثة عنف جنسي كالتحرش على سبيل المثال. واتفقت منة الله موسي – مؤسسة مبادرة " ذات " – معها في رفض العنف الأهلي تجاه المتحرش، معربة عن أنه كان من الأفضل مساعدة الأهالي للفتاة في تحريرها محضرًا بقسم الشرطة وعدم استخدامهم هذا العنف من الضرب أو السحل؛ فهي سلوكيات غير مقبولة لمجتمع يفترض أن جميع أفراده يعيشون تحت سطوة القانون. وأضافت موسى أن التحرش الجنسي جريمة بكل المقاييس، ولكن إلقاء الضوء عليها وتناولها في الإعلام بشكل موسمي يفقد المجتمع التوعية المستمرة حول التصرف إزاء وقائع التحرش الجنسي، فالإعلام يتناول التحرش بضجة كبيرة عندما تقع حوادث ميدان التحرير، ولكن لا يستمر في تبني خطاب يحث المجتمع على رفض الظاهرة والحث على اللجوء للقانون. وأكدت موسى أنها تلقت شكوى خلال مبادرتها من تعرض إحدى الفتيات للتحرش الجنسي من مجموعة شباب، معربة عن أن قسم الشرطة يمثل أحد العراقيل لتطبيق وتفعيل قانون مكافحة التحرش الجنسي، حيث رفض أفراد الأمن المتواجدون بالقسم في مدينة المحلة من تحرير محضر يقر واقعة التحرش الجنسي، مشيرة إلى أن الضابط كان يرد على الفتاة قائلاً "ما فيش حاجة اسمها تحرش جنسي في محضر"، بل كان يشجع المعتدين على الفتاه قائلاً "من حقهم يبصوا في أي حتة"، رغم أن الفتاة أدلت بالتعليقات الجنسية التي وجهها لها الشباب. وشددت موسى على أهمية تأهيل كوادر الشرطة بأفراد أمن جديدة لديها معرفة حقيقية بقضايا العنف الجنسي وكيفية الدعم النفسي للناجية أثناء تحريرها محضرًا بالقسم، وضخ أفراد من الشرطة النسائية بهذه الأقسام؛ لتلقي البلاغات والشكاوى بطريقة أكثر مرونة من الذكور، خاصة في مثل هذه النوعية من القضايا. وتساءلت نعمة جمال – مؤسسة مبادرة "أنا مش هسكت على التحرش" – عن غياب الدوريات الأمنية المكثفة لشرطة متابعة جرائم العنف ضد المرأة التي أعلنت عنها وزارة الداخلية، مشيرة إلى أنه إذا كانت هذه الدوريات موجودة في الميادين والشوارع بأحياء القاهرة وضواحيها، لما احتاج أهالي العاشر من رمضان من ضربهم للمتحرش وسحلهم له بهذه الطريقة الوحشية. وأضافت جمال أنها تعتقد أن الأهالي اتخذوا من العنف وسيلة للدفاع عن الفتاة نظرًا ليأسهم أو عدم ثقتهم في وجود قانون يرد حق الناجيات، مشيرة إلى أنه قد يسمع المواطنون عن تحرير بلاغات وسن تشريعات، ولكن لا وجود لأحكام قضائية بشأن متحرشين، بل لا يهتم الإعلام بالتركيز على الأحكام القضائية ومتابعة قضايا التحرش الجنسي سوى فقط في فضح الناجية أو رواية الوقائع المثيرة، مؤكدة أن الإعلام والصحف لو ركزا في تناولهما على العقاب الذي يحصل عليه التحرش، سيكون هذا إيجابيًّا ورادعًا للآخرين في عدم تبني هذا السلوك. وأشارت مؤسسة مبادرة "أنا مش هسكت على التحرش" إلى أن سن قانون مكافحة التحرش الجنسي خطوة إيجابية على الطريق، وبعد مرور عام على تطبيقه يحتاج إلى مزيد من الخطوات؛ ليكون أكثر فاعلية في الحد من جريمة التحرش الجنسي، فضلاً عن تفعيل الخطوط الساخنة التابعة لإدارة مكافحة جرائم العنف ضد المرأة التابعة لقطاع حقوق الإنسان بوزارة الداخلية، وسرعة إنقاذ الفتيات عند الإبلاغ عن واقعة التحرش الجنسي. وأكدت عبير البربري – عضو الجمعية العمومية لنساء مصر – أن العنف مثلما هو مرفوض تجاه المرأة فهو مرفوض تجاه الرجل، حتى ولو كان متحرشًا، فالقانون هو الفيصل بين المواطنين، ولا يصح أن يترك تنفيذه للأهالي، مشيرة إلى أن التحرش الجنسي ظاهرة اجتماعية لن تختفي بين يوم وليلة، فهو يحتاج إلى تكاتف كافة الجهود من توعية وخطاب ديني يحترم النساء وحقوقهن وتغيير مجتمعي شامل في نظرته تجاه النساء، وأن الفتاة التي تتعرض للتحرش لا لوم عليها، فهي ضحية جريمة وأذى من رجل ليس له علاقة بملابسها أو سيرها. وأضافت أنها كانت تتمنى أن تطالب الفتاة التي تعرضت للتحرش بالعاشر من رمضان بتحرير محضر للجاني بدلاً من ضربه؛ ليكون عبرة لغيره وتطبيق الغرامة والحبس له، مشيرة إلى أن نساء مصر اللاتي بهرن العالم في ثورة يونيو والنزول بالملايين في الاستفتاء والانتخابات قادرات على ترويض شلة المتحرشين وضبط سلوكياتهن.