قل ما تشاء فى الفتى المصرى.. سليل الصعايدة.. الذى يحمل إسم "جمال عبد الناصر حسين". وأياً كان موقعك فى موازين الدرس والبحث والأحكام والتقييم.. فلاشك أن أى موقف موضوعى، لانقول محايداً بل نقول شريفاً ومنصفاً – مثل هذا الموقف كفيل بأن يصل بك إلى أن "عبدالناصر" هذا كان بمثابة "شهاب" ضاء وهْنا.. وخَمَد فى أجواز الفضاء المصرى- العربى- على حد ما عبّرت عنه كلمات "حافظ إبراهيم" فى رثائه البليغ للزعيم "محمد فريد" الذى رحل عن الدنيا فى منفاه "بألمانيا" عام 1919، وبعدها رثاه شاعر النيل بقصيدته الشهيرة التى جاء فى مطلعها: يا غريب الدار والأهل، ويا سلوة النيل إذا ما الخطب جدْ وحساماً فلّ حّديه الردى وشهاباً ضاء وهْنا.. وخَمَدْ "الشهاب الناصرى" ضاء على مدار 16 عاماً أو نحوها.. وهى قوام الفترة الفاصلة بين عام 1954 الذى تعرض فى خريفه، إلى محاولة إغتياله على يد عناصر "الإخوان" – ولا نقول أبداً المسلمين. وبعدها أتاحت له موجة التعاطف الشعبى، فضلاً عن إنجاز إتفاقية جلاء الإحتلال الإنجليزى، ومن قبلها إنجاز الإصلاح الزراعى ومنع الفصل التعسفى للعمال، أن يمسك بمقاليد "الرئاسة"، ومن ثم "الزعامة" إلى أواخر سبتمبر الخريف من 1970 – أيلول الأسود كما أصبح معروفاً فى حوليات السياسة العربية المعاصرة.. على مدار هذه الأعوام الستة عشرة عاش الفتى المصراوى إبن العم "عبد الناصر حسين": عمل وأنجز.. أصاب وأخطأ.. لكنه كان فى سياق هذا كله إنساناً مجتهداً يمتلك رؤية (Vision) تحلم بوطن ترفرف على ربوعه أعلام الإستقلال السياسى ورايات العدل الإجتماعى والتطور الإقتصادى.. وفعالية الدور وارتفاع المكانة سواء على مستوى الإقليم فى تعريفه العروبى والأفريقى أو على مستوى كيان إستطاع "الشاطر جمال" أن يؤسسه مع رفيقيه الهندى "نهرو" واليوغوسلافى "تيتو" ولايزال يُعرف باسم "العالم الثالث – عالم الحياد الإيجابى وعدم الإنحياز". ويقولون أن المشاهد السوبر- تراجيدية التى جسدت جنازته شبه الأسطورية فى أيام سبتمبر الأخيرة عام 1970 إنما تجلت بفعل الشحن الإعلامى، وربما تحت وهج صاعقة الرحيل الدرامى المفاجئ ، وهو ما رصدته مجامع الإعلام والسياسة فى كل أنحاء الدنيا. ولم يكن مصادفة إذن أن تعمد مدرسة "علم النفس" الكندية أيامها إلى إدخال منهج دراسى فى بحوثها تحت عنوان "ظاهرة الحزن الجماعى عند الشعوب". وكل هذا صحيح. لكن الأصح هو ما أكدته فى الأيام القليلة الماضية من تجليات عبرت عنها سلوكيات ومشاعر الملايين الغفيرة التى رفعت صور "عبد الناصر" فى ميادين التحرير منذ إنتفاضة 25 ينياير 2011.. فما بال سيادتك بهذا الدفق الجماهيرى الذى عايشناه، ومازلنا نعايشه، خلال الأيام القليلة الماضية من أواخر سبتمبر 2013.. حين إستدعت جماهير الشعوب العربية ذكريات ومآثر ومنجزات وتصاوير وأهازيج "جمال عبد الناصر".. لا من باب الإحتفاء بذكرى الرحيل فقط.. ولكن من منطلق إستدعاء ذكريات حقبة انطلقت من رؤى الحلم الوطنى المصرى – القومى العربى.. وجهدت فى ترجمة هذه الرؤى.. بالعمل والجهد والإجتهاد إلى واقع حى إيجابى وملموس. وكان واقعاً "بشرياً" بالدرجة الأولى بمعنى أن كان عرضة للخطأ والصواب.. وهو ما عبر عنه شاعر العروبة العراقى الكبير "محمد الجواهرى"، ولم يكن من المفتونين بزعامة "عبد الناصر".. ولكنه أرسل قصيدته الهمزية الشهيرة فى يوم رحيله قائلاً: أكبرتُ يومك أن يكون رثاء الخالدون عهدتهم أحياء ثم قال: لا يعصم المجد الرجال وإنما كان الرجال المجد.. والأخطاءَ وكم توالت على سيرة "عبد الناصر"، وعلى أعماله وإجتهاداته وكفاحاته، سحابات من التشويه وغيوم من التشكيك، بل ونذالات عمدوا خلالها إلى أسلوب الشيطنة المعروف للرجل وسيرته وحقبته وجماهير محبيه ومؤيديه فى طول الدنيا وعرضها. لكن هاهى صورته وقد عادت تطل على دنيا القرن الواحد والعشرين.. وهاهى نبرات صوته الوئيد المميز تصافح أسماع أجيال رأت النور بعد رحيله الجليل.. وهاهى أفكاره وطروحاته وإجتهاداته عن الكرامة والعدل والدور العربى- الأفريقى وقد عاودت إزدهارها واستردت نضارتها وتجددت فتّوتها رغم كل ما حاولته جرذان السياسة وخفافيش الظلام.. إبتداء من حكاية: "الله يرحمه.. لم يترك لى سوى الحقد" (السادات).. وليس إنتهاء بحكاية "كانت مصر كبيرة عليه" (عصام العريان) ناهيك بمعزوفة "وما أدراك ما الستينات" (محمد مرسى). عاد "عبد الناصر" من رحلته الأبدية: فكأنه سافر ولم يسافر على نحو ما رثاه الشعراء. سافر "عبد الناصر" إلى رحمة مولاه مثل كل إنسان. لكنه لم يفارق الأرض التى نشأ فوق أديمها.. ولا الناس الذين عاش من أجلهم وهو ما أكدته حقائق أيام سبتمبر الماضى وكأنها تؤكد كلمات "نزار قبانى" : فأنت فى رائحة الأرض وفى تفّتح الأزاهر فى كتب الأطفال.. فى الحروف، فى الدفاتر فى صدر كل مؤمن.. وسيف كل ثائر