مدن مستثناة من تطبيق قرار الغلق في التاسعة مساءً| خاص    «القاهرة الإخبارية» ترصد آخر تطورات مشاورات التهدئة بين طهران وواشنطن    الإمارات: إصابة 5 من منتسبي وزارة الدفاع في الاعتداء الإيراني على البحرين    تصفيات شمال أفريقيا| منتخب الناشئين يتابع مباراة تونس والمغرب من الملعب    «الأعلى للإعلام» يحفظ شكوى النادي الأهلي ضد شادي عيسى    رفع درجة الاستعداد بالإسماعيلية لمواجهة سوء أحوال الطقس    محافظ الغربية: سمنود تمتلك مقومات سياحية وأثرية متميزة يجب الاستفادة منها    نقيب السينمائيين ينعى المخرج والناقد أحمد عاطف بكلمات مؤثرة    أطباء بالإسماعيلية ينجحون في إعادة يد لمريض بعد بترها    رئيس جامعة المنصورة يستعرض تقريرًا شاملًا حول أداء المستشفيات الجامعية خلال إجازة عيد الفطر    النيابة تطلب التقارير الطبية والفنية لحادث إصابة 14 شخصا في مفارق العجمي بالإسكندرية    أول تعليق للمتهم في واقعة "فتاة الأتوبيس" بعد براءته: هقاضي رضوى الشربيني وكل من شهر بيا    تجديد حبس المتهم بقتل والدته وأشقائه ال5 بالإسكندرية.. ودفاعه يطلب عرضه على الطب النفسي    رئيس الوزراء الهندي: الحرب على إيران هزت الاقتصاد العالمي    عابدين وكباكا وعبدالله.. أول العائدين للأهلي    رئيس القومي لحقوق الإنسان ووزير الخارجية يبحثان تعزيز التكامل لتطوير المنظومة الوطنية    محافظ القاهرة يرفع درجة الاستعداد القصوى لمواجهة احتمالات سقوط الأمطار    5 أنواع من الأعشاب والتوابل تحسن عملية الهضم    جامعة العريش تعزز جسور التعاون مع محافظة شمال سيناء    أستاذ علاقات دولية: الصواريخ الإيرانية بدأت تلحق الأضرار بإسرائيل    تفاصيل خريطة حفلات فريق كاريوكي في أوروبا    ما حقيقة كراهة الزواج في شهر شوال؟.. الإفتاء توضح    رفع 80 طنا من القمامة والمخلفات الصلبة ب 3 قرى بمركز سوهاج    تعاون مصرى يابانى لتطوير برامج «الكوزن» وإدخال تخصصات تكنولوجية متقدمة    البنك المركزي: 25.6 مليار دولار حصيلة تحويلات المصريين العاملين بالخارج    المجلس البلدى بمصراتة الليبية يدين حادث تفجير زاوية لتحفيظ القرآن الكريم    انفراجة للمدارس السودانية.. لقاء وزيري التعليم المصري والسوداني يفتح الباب لحل المشكلات.. لجنة مشتركة لوضع آليات تنهي أزمات الطلاب السودانيين.. والقاهرة تقدم خبراتها الفنية    عاجل- وزير المالية: استمرار التسهيلات الضريبية والجمركية والعقارية لتخفيف الأعباء عن المواطنين    تعليم الدقهلية تبحث إعادة الانضباط المدرسي بعد إجازة عيد الفطر    تعرف على مزايا قناة النيابة الإدارية على تطبيق تليجرام    القومي للأمومة يحبط محاولة زواج طفلة بمحافظة سوهاج    عصمت يجتمع بالنائب الأول لمدير المؤسسة الحكومية الروسية للطاقة الذرية "روسآتوم"    كرة السلة، الأهلي يواجه الاتصالات في أولى جولات نصف نهائي دوري السوبر    روديجير: لم أكن أستطيع اللعب دون المسكنات.. وتعافيت بشكل كامل حاليا    فيلم "برشامة" يتصدر شباك التذاكر بإيرادات تجاوزت 17 مليون جنيه    وزارة التعليم تعلن انطلاق فرع جديد لمبادرة المدارس المصرية الألمانية    سبتنى ليه يا ابنى.. كيف ودع موسيقار الأجيال صديقه عبد الحليم حافظ    وزير الخارجية يستقبل رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان    مباحثات قطرية فرنسية حول التعاون الدفاعي وتطورات المنطقة    تصنيف أفريقيا الأسبوعى.. الزمالك يصعد للوصافة وخروج الأهلى وبيراميدز    قضية جرينلاند تتصدر حملة الانتخابات المبكرة فى الدنمارك    حسن غانم رئيسا تنفيذيا لبنك التعمير والإسكان لدورة جديدة تنتهي في مارس 2029    نقيب التمريض تشكر الأطقم التمريضية على جهودهما خلال عيد الفطر    نظام استثنائي لثمن نهائي دوري أبطال آسيا    بوميل: واجهنا الأهلي بطريقتنا.. وأشعلت حماس اللاعبين بين شوطي المباراة    ضبط 93 سلاحا ناريا و640 كيلو مخدرات خلال حملات أمنية    بيع عقود نفط ضخمة قبل تغريدة مفاوضات ترامب وإيران بدقائق    «صحة القاهرة» تكثف المرور على أقسام الطوارئ والرعايات بالمستشفيات    هل يجوز الجمع بين صيام السِّت من شوال وصيام القضاء الواجب؟ الأزهر يُجيب    يوم كشفي لمجموعة "العجائبي" بطموه لتعزيز روح الخدمة والانتماء    البترول: كشف جديد لأباتشي يضيف 26 مليون قدم مكعب غاز و2700 برميل متكثفات يوميا    انفجار مصفاة نفط فى ولاية تكساس الأمريكية    تفاصيل إصابة سالم الدوسري ومدة غيابه: ضربة موجعة للأخضر    زفة شعبية مهيبة ل300 حافظ للقرآن الكريم فى قرية سقارة بالجيزة.. فيديو    قرية سقارة تكافئ أوائل حفظة القرآن الكريم ب15 رحلة عمرة.. صور    مقتل 8 أشخاص على الأقل في تحطم طائرة عسكرية كولومبية    طارق الدسوقي: أعتذر للجمهور عن أي تقصير في «علي كلاي» .. وبذلنا قصارى جهدنا لإسعادكم    اليوم، استئناف الدراسة بالجامعات بعد انتهاء إجازة عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العالم الإسلامي والغرب (1)
نشر في البديل يوم 12 - 09 - 2012

العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب بدأت مع ولادة الإسلام، ومطالعة الآيات الأولى من سورة الروم توضّح أنّ المسلمين رغم قلة الاتصالات آنذاك كانوا يراقبون الحوادث العالمية بكل قلق. وعلى الطرف الآخر كان المشركون أيضاً يراقبون. ولم تكن مسألة انتصار الفرس على الروم كما يبدو مسألة يمرُّ بها المسلمون والمشركون بشكل عادي، فيفرح هذا ويحزن ذاك، وإنّما كان انتصار أي طرف يعني رجحان كفة الإيمان أو الشرك مما يكشف عن تصور الصراع على مستوى أوسع من الجغرافيا بلاريب. وهنا يبدأ التحدّي والرهان على ما تقوله بعض الروايات،ويتجلّى صدق الوحي بأنّ الروم وكانوا في معسكر الإيمان؛ لأنّهم من أهل الكتاب بعد أن غلبهم الفرس المشركون سينتصرون في بضع سنين، وهذا ما حدث بإرادة الله تعالى.
ولكن لا الروم ولا الفرس كانوا ليشعرون بما يخبىء لهم القدر من كيان سينطلق من رحم الصحراء ويكبر بعين الله وينقذ الأرض من وهدة الضياع. وربما سمعوا بذلك ولم يكترثوا حتى جاءتهم الأنباء بكبر هذا الوليد الصحراوي، ثم جاءتهم كتب الرسول الأكرم(ص) تطلب منهم الإسلام حتى يسلموا.
فهذا كتاب إلى كسرى ملك الفرس يقول فيه': ادعوك بدعاية الله فإنّي أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيّاً ويحقّ القول على الكافرين. أسلم تسلم. فإن أبيت فعليك لعنة المجوس وهناك نصوص أخرى.
وراحت الكتب تترى إلى عمّال كسرى.
وهذا كتاب إلى قيصر عظيم الروم جاء فيه: "أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنّما عليك إثم الاريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ تعبدوا إلاّ الله ولا تشركوا به شيئاً ولايتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون".
وكذلك توالت الكتب على عمّاله.
واختلفت ردود الفعل، وكان رد الفعل المسيحي أكثر تعقلاً من رد الفعل المشرك، ثم كانت المناوشات وانتهى الأمر كما نعلم إلى هزيمة الامبراطوريتين أمام هذا الكيان خلال فترة وجيزة من الزمان. وكان المدّ الإسلامي الأول سريعاً وكاسحاً أذهل الطرفين، فانهار أحدهما وانحسر الآخر إلى عمقه الاوروبي تاركاً الشام ومصر والمغرب بعد أن حكمها قرابة ألف عام تقريباً ومنذ غزو الاسكندر لها.
وكان التقدُّم هذا مثار إعجاب المؤرخين الكبار من أمثال ثوراستروب وغوستاف لوبون وتوينبي وتوماس ارنولد.
وكانت مقاومة الفرس والروم عنيفة، ولكن الإسلام كان بعث في العرب المسلمين ثورة لا تقاوم. واستمرّ التفوّق الإسلامي تاركاً أثره في الغرب. وإن كان الاوروبيون قد سعوا لانكار ذلك والتأكيد على ان اجتياح الشعوب الجرمانية حدود الرومان هي نقطة التحول في التاريخ الاوروبي وليس الإسلام.
يقول الاستاذ أنور الجندي:
"ظلت الدولة الرومانية قائمة وظلت حضارتها باقية بعد أن اجتاز الجرمان حدودها واستقروا في نواحيها. وكان ما حدث أن انتقل مركزها من روما إلى بيزنطة وأصاب حالتها المادية والعقلية شيء من الركود والفساد.
ولكن لم تهبّ ثورة الإسلام وتسير كتائبه إلى أراضي الرومان حتى تلاشى كلّ ما كان لها من معالم وآثار وكأنها كانت رماداً ذرته الرياح. وقامت دولة جديدة، وظهرت حضارة جديدة حاصرت اوروبا من الشرق والجنوب، فلولا ظهور الإسلام لظلت الامبراطورية الرومانية قائمة... ولما قامت الثورات القومية التي خلقت دول اوروبا الحديثة".
ورغم أنّ بعض المؤرخين الاوروبيين يمجدون معركة "بواتيه" التي قادها شارل مارتل وأوقف زحف المسلمين عام 732م (114ه ) ويعتبرونها نصراً لاوروبا إلاّ أنّ الآخرين منهم يعتبرونها من أشأم الفواجع في القرون الوسطى كما يقول كلود فاير حيث تقهقرت اوروبا ثمانية قرون.
وبعد عشر سنوات من سقوط طليطلة (1058م) شنت الحروب الصليبية لمدة قرنين (1099م – 1295م) فدمّرت الأخضر واليابس، ولكن اوروبا اكتسبت الكثير من هذا التلاحم ممّا شكل سر بدء نهضتها في القرن الخامس عشر (أي بعد 3 قرون).
والطريف أن نجد من الكتّاب الاوروبيين المحدثين من يعترف بأنّ الإسلام شكل العامل الخارجي للنهضة الاوروبية في القرن الخامس عشر الميلادي، فليكن الغرب اليوم العامل الخارجي لنهضة العالم الإسلامي في القرن الخامس عشر الهجري!.
وبينما كانت أوروبا تمرُّ بظلمات القرون الوسطى (من القرن الخامس حتى القرن الخامس عشر) كانت الارض الاخرى مشرقة بالإسلام، في الشرق بل في جزء من اوروبا، أي الأندلس.
وفي عام 1099 بدأت الحروب الصليبية وبتحريك من الكنيسة، وجرت فجائع يندى لها جبين الإنسانية. وهي وإن عبّرت عن حقد وتعصّب، ولكنها تعبّر عن تسرّب الخوف الكبير للغرب من الإسلام الحضاري الزاحف، فليس صحيحاً ما تقوله السيدة هانتر من أنّ الغرب بدأ يشعر بذلك منذ سقوط (غاليبولي) بيد الأتراك عام 1359م، بل سبق هذا الخوف الحروب الصليبية نفسها.
وكان دخول الإسلام إلى الأندلس في عام 92–95ه (711–714م) بدء الإشراقة في اوروبا لا في الأندلس فقط، ودام ثمانية قرون (حتى سقوط غرناطة عام 1492) لتبدأ معه النهضة الاوروبية، ورغم أنّ الإسلام خسر الأندلس فإنّه اقام في افريقيا امبراطورية مالي وامبراطورية كادا في نفس القرن.
وهكذا تداول الغرب والإسلام القوة والغلبة.
ويعتبر الاستاذ سمير سليمان أنّ الهجوم الغربي الثاني بدأ عام 1792م عند نزول نابليون الاسكندرية وتوالت الحملات وأهمها:
عام 1800 سيطرة الهولنديين على اندونيسيا.
1830 سيطرة فرنسا على الجزائر.
أواخر القرن التاسع عشر: سقوط القوقاز وتركستان على يد الروس.
1857 سيطرة بريطانيا على الهند.
1869 افتتحت قناة السويس.
1882 احتلال الانجليز لمصر.
1892 احتلال الانجليز للسودان.
1917 دخول الحلفاء بيت المقدس وبدء سقوط العثمانيين.
1918 تحقق السيطرة شبه التامة للانجليز والفرنسيين على العالم الإسلامي.
1924 سقوط الدولة العثمانية.
1948 انشاء اسرائيل.
هذا الهجوم الكاسح أغرق العالم الإسلامي في حالة من الذهول ولكن بدأت ردود الفعل القوية، وهكذا لاحظنا ردود الفعل التالية:
عام 1830 بدء ثورة الجزائر .
(1839 1897) حركة الإصلاح التي قادها الأسدآبادي (الافغاني) وعبده والكواكبي.
1831 الحركة السنوسية في ليبيا.
1857 ثورة المسلمين في الهند.
1881 الثورة العرابية في مصر.
1889 الثورة السودانية.
1895 ثورة المشروطة الايرانية.
1919 الثورة المصرية.
1920 ثورة العشرين في العراق.
1924 الثورة السورية والسودانية.
1924 الثورة الخطابية ثورة الريف.
1930 ثورة عمر المختار في ليبيا.
الثورة الإسلامية في الهند الشرقية وتركستان والقوقاز (ثورة الشيخ شامل) والعمانيين والسواحليين.
ثورات المقاومة الايرانية ضد المحتلين والعملاء في مطلع القرن العشرين من قبيل: ثورة تنجستان في الجنوب وثورة الغابة في الشمال.
1935 الثورة الفلسطينية.
إلى جانب ردود الفعل هذه وكانت تختلف أحيانا في الأهداف والمناهج نجد أنّ الغرب الذي استطاع أن يقضي على الوجود الإسلامي السياسي بسقوط الدولة العثمانية الذي نعده الكارثة الكبرى عام 1924 نجد الهجوم الثقافي الغربي يتعاظم، والتصريحات الصليبية الجديدة تطرح بوضوح ضد الإسلام (ولعلها لم تنقطع لحد الآن وإن اختفت أحيانا) وكان كتاب اللورد كرومر المنتشر عام 1908 الوجه الصارخ لهذا الهجوم، حيث زعم فيه أنّ الإسلام قد مات، أو أنّه على أبواب الموت ولا يمكن أن تعيد إحياءه الاصلاحات؛ لأنّ الموت كامن في جوهره الذي يركّز على تخلّف المرأة وجمود الشريعة فينبغي للعالم الإسلامي كي يساير التطور أن يقبل التحديث بدون الإسلام، وهي نظرة تمثل نظرة المستشرقين الجدد كما تسميهم هانتر وترى أنّهم يتّفقون على أنّ الإسلام بطبيعته لاينسجم مع الحداثة وبالطبع مع التغريب، وتصفهم بأنّهم "جبريون ثقافيون يعتقدون أنّ المسلمين يفكرون ويتصرفون وفق طرائق معينة لأنّهم مسلمون.. وأنّ الطريقة الوحيدة التي يسع الغرب التعامل بها مع الظاهرة الإسلامية هي المقاومة والقمع والاحتواء وينصحون بمساعدة الغرب لتلك الحكومات المسلمة التي تقاوم إسلامييها حتى يزالوا أو يخضعوا كلياً".
وبدأ التراجع الفكري الإسلامي بإبداء محمد عبده روحاً مهادنة تجاه كرومر، وقد تلقف هذه المهادنة الفرع العلماني من مدرسته كلطفي السيد وسعد زغلول وطه حسين واسماعيل مظهر وبالتالي وصل إلى ما يقرب من نظرة كرومر. ولا نعدم في أنحاء العالم الإسلامي عناصر من قبيلهم عاصرتهم وطرحت أفكارهم، وقد ساعدتها في ما بعد المدرستان القومية والماركسية اللتان نشطتا في المنطقة الإسلامية في أواسط القرن العشرين.
وإلى جانب هذه النظرة العدائية المعادية من قبل الغربيين للصحوة الإسلامية كانت هناك نظرة استشراقية أخرى تطلق عليها هانتر اسم (العالم ثالثيين الجدد) وتؤمن بأنّ الحاكم في العالم الإسلامي هو (القيم والمصالح معا) وبالتالي فمن الممكن تصور تصالح بين العالمين الإسلامي والغربي وهي تؤيد هذه النظرة.
والحقيقة أنّ القيم الإسلامية إنّما ترفض الجانب المعادي للانسانية في الغرب كالتحلل الجنسي، واستغلال الشعوب، ورفض الحياة الخلقية، والكيل بمكيالين، والعمل على محو الثقافات الاخرى، والاستعمار بشتّى ألوانه، وأمثال ذلك، وفيما عدا ذلك فإنّ هناك نقاط التقاء كثيرة ونقاط تقبل الحوار.
ثم أنّ المصالح لاتشكّل مساحة ترفضها القيم، فالقيم في الواقع إنّما تعمل على تحقيق المصالح الإنسانية السامية.
وعلى أي حال، فقد سعى الغرب بشتّى الوسائل لقهر وجود الامة عبر هجومه العسكري والثقافي والتسللي من خلال عملائه أو المنبهرين بحضارته لضرب القوة الإسلامية بعد قضائه على الدولة العثمانية، ولما لم يجده الاستعمار المباشر لكل المنطقة الإسلامية تقريبا راح يجرّب فكرة إعطاء الاستقلال الشكلي مع العمل على مسك زمام الامور بيده، وهنا شهدنا مولد الدول أو المجموعات المحدودة والتي تعتمد فكرة الأساس الجغرافي ممزّقاً بها جسد الامة الإسلامية الواحدة، ومحققاً هدف الاستعمار.
ولكن هذه الحالة سرعان ما أثبتت أنّها لاتحقق للغرب هدفه، ولم تلبث إلاّ قليلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى رحنا نشهد تنامي الحس الشمولي الإسلامي وقيام المؤسسات الإسلامية الشمولية، وخصوصاً عند المنعطفات الحساسة من قبيل احراق المسجد الأقصى الذي أدّى إلى إشتعال الغضب الإسلامي، ونجاح الثورة الإسلامية في ايران في القضاء على النظام الرجعي العميل للغرب، وانتصار المجاهدين الافغان على القوة الروسية العظمى، وأخيرا انهيار القوة الإلحادية الكبرى وانعتاق الشعوب الإسلامية المحتلة، ممّا أوجد فكرة إسلامية شمولية ضخمة اضطرّ الغرب معها إلى تغيير استراتيجياته.
وقد فوجئ الغرب بهذه الظاهرة العارمة ظاهرة الصحوة الإسلامية وراح يحللها بوسائله وتصوراته ليكتشف نقاط القوة والضعف فيها، ومن ثم يعمل على مواجهتها إذن من المهم أن تحدد الأسباب الأساسية للظاهرة الإسلامية وأبعادها المعادية للغرب وأن تقوم في شكل صحيح وأن يتم تبنّي السياسات الملائمة للتعامل معها، وسوف نركّز على نموذج من الرؤى الغربية فيما يلي:
مع كتاب (مستقبل الإسلام والغرب) لشيرين هانتر
لكي نقف ولو بشكل سريع على هذا الكتاب علينا أن نعطي لمحات عن مسيرة البحث فيه على النحو التالي:
1 تبدأ الكاتبة بالحديث عن رواية ضابط بريطاني ألفها عام 1916 على فرضية قيام ثورة إسلامية، من شأنها - اذا ما اندلعت - أن تقلب مجرى الحرب العالمية الاولى وهو يعلن: أنّ الشرق في انتظار إشارة إلهية.
ثم تذكر أنّ (كراوثمر) عبّر بعد 75 عاماً عن مخاوفه من أنّ اميركا تواجه الخطر الاصولي الإسلامي.
2 وتقرّر أنّ اوروبا كانت تواجه همّ الخطر الإسلامي منذ سنة 1359 بسقوط غاليبولي بيد الاتراك وتعرج على الخوف الذي استولى عليه بظهور الامام الخميني(رحمه‌ الله).
3 وتتحدّث عن الصراع القائم في الغرب بين الدين والعلمانية، وتعلن أنّ الفصل بين الثقافة والايديولوجيا هو فصل زائف.
4 ثم تذكر أنّ ميزات الإسلام تجعله خصماً حضارياً باستمرار للغرب.
5 وتركّز على دور النفط في إذكاء الصراع، الأمر الذي لايتصور عند الاصوليين الهنود، ولذا فلا يقلق الغرب كثيراً لنموّ هذه الاصولية.
6 وتؤكد على كون الإسلام لايمكن أن يهزم كما هزمت الاشتراكية والنازية.
7 ثم تميز بين الإسلام (الشخصي) فهو جيد والإسلام (الحضاري) فهو سيّئ، وترى أنّ الخطر كله آتٍ من الإسلام المقاتل.
8 ثم تعلن أنّ كلّ الجهود يجب أن تصرف لعلمنة المجتمع الإسلامي وفيها يكمن التطور.
9 وتؤكّد كون الحل الوسط يكمن في قبول الغرب بدور الدين في الحياة وقبول العالم الإسلامي بالعلمنة.
10 ثم تقول: إنّ السبب الحقيقي في الصراع هو توازن القوى، فالمسلمون ينكرون السيطرة الغربية على مقدّراتهم، والغرب ينكر عليهم تحدّيهم لتفوّقه.
11 ثم تتحدّث عن دور الايديولوجيا في المجتمع باعتبارها تخدم القوة وأنّ التضحيات الكبرى تحتاج لمبرر ايديولوجي، وترى أنّ القيم الغربية لايؤبه بها إذا لم تخدم المصالح.
12 وتعود فتؤكّد أنّ النظام السياسي الإسلامي غير واضح في الكتاب والسنّة. كما تؤكّد وحدة الدين والسياسة ومفهوم الامة عند المسيحية واليهودية سعياً منها لتحقيق التقارب باعتبار أنّ المجتمع الإسلامي يقبل العلمنة (وإن كانت تعترف بكون النظام الإلهي والعلمنة لايجتمعان) وحينئذ لاحتمية للصراع.
13 وتؤكّد أنّه لاتوجد نظرية متكاملة للعلاقات الدولية في الإسلام. ولكنها تنتقد من يسطّح موقف الإسلام، ثم تعود لتؤكد أنّ الإسلام توسّعي معاد للآخرين باعتباره يريد أن يحكم العالم، ساخرة من هانتينغتون الذي يرى أنّ المسلمين لايعرفون منطق المساواة.
14 ثم تركّز على حكم (الجهاد) فترى أنّه يتنافى مع مبدأ (لا اكراه في الدين) ولكنها تخفّف منه؛ لأنّه مبدأ دفاعي، وتقترح على المسلمين أن يرجئوا الهدف العالمي.
15 وتنتقد التصوّر الغربي للإسلام ورؤيته للعالم، وتؤكّد أن المسلمين يتعاملون ككتلة واحدة فيجب التعامل معهم كذلك.
16 وبعد أن تتحدّث عن مهارة الرسول' في التعامل مع أعدائه تتّهم المسلمين في صدر الإسلام بأنّ دوافع اندفاعهم لم تكن عقائدية فقط، تماماً كما هو الحال في الحروب الصليبية.
17 وتؤكد أنّ التمزّق الذي يعيشه المسلمون حوّل مفهوم دار الإسلام من مفهوم سياسي إلى مجرد مفهوم ديني، وأنّ الدعوات إلى الوحدة الإسلامية لاتجد لها صدىً اليوم.
18 كما تذكر كون ممارسات المسلمين ضد حقوق الانسان لاعلاقة لها بالإسلام.
19 وتعتبر حركة الإحياء الإسلامي هي المسبِّبة لصراع الحضارات. وترى أنّها بدورها معلولة لخصائص الإسلام.
20 وتتعرّض إلى فكرتي علاقة الدين بالسياسة، وكيان الامة الإسلامية، فتعتبرهما اسطورتين، وترى أنّ الامة الإسلامية لم تقم لها قائمة منذ وفاة النبي'، إلاّ أنّها تؤكد كون هاتين الفكرتين ساهمتا في وجود حركة الصحوة (كتعبير عن دور عنصر القيمة) إلى جانب عوامل أخرى كانقسام المجتمعات، وتهميش العناصر الإسلامية، وجهود التقليديين لتغيير معادلة القوة (كتعبير عن عنصر المصلحة).
21 ومن هنا فالصراع مع الغرب ليس حتمياً؛ لأنّه لايعتمد على العنصر القيمي فقط كما يقول (الاستشراقيون الجدد) الذين يدعون نتيجة دعواهم هذه إلى قمع العالم الإسلامي، وهؤلاء من أمثال (كرامر) الذي يوجّه نقداً لاذعاً للرئيس كارتر؛ لأنّه سمح لظهور ظاهرة (آيات الله)، ومثله برلمونز. ويقف في قبال هذا التفسير من تسميهم ب (العالم ثالثيين الجدد) من أمثال (بورغات) الذين يقبلون وجود العنصرين (القيمة والمصلحة) في مجال تنظيم العلاقة ومن هنا فهم يدعون للتصالح، وهي تؤيدهم في ذلك.
22 وترى أنّ عوامل النهضة الإسلامية تتمثّل في:
تمزّق عوامل النسيج الاجتماعي القائم في القرن الثامن عشر وبالتالي تحوّل العلاقة من علاقة ندَّين إلى علاقة مسيطر ومسيطَر عليه. ممّا خلق اتجاهين متخالفين، اتجاه العودة للإسلام اما بشكل حرفي كالاتجاه السلفي أو بشكل مرن كمدرسة إقبال وسير سيد أحمد خان والمرجاني وغيرهم.
23 وفي صدر تقييمها للأفغاني وعبده وهل هما إصلاحيان أو منافقان تعمل على ترجيح الجانب السلبي استناداً للجواب الفاتر للأفغاني على هجوم (رينان) على الإسلام باعتباره خرّب الحضارتين السابقتين عليه، وترى أنّه أي الأفغاني استخدم (التقية) في ذلك.
24 وتذكر أنّه على الصعيد السياسي بدأ الزعماء من منتصف القرن التاسع عشر بالتحديث: أمير كبير في ايران، العثمانيون في تركيا، محمد علي في مصر، الثورة الدستورية في ايران 1905م، ثم ثورة التحديث التركية، وتعقّب بأنّ الاصلاحيين المسلمين واجهوا العلمانيين والتقليديين معاً.
25 وانتصر العلمانيون انتصاراً زائفاً في الفترة ما بين 1920 و1970، حيث فرضت العلمانية فرضاً على المسلمين، وحدث التشظّي الثقافي والصراع التحالفي فتارة يتحالف القوميون مع الإسلاميين ضد اليساريين، واخرى يتحالف اليسار والإسلاميون ضد التقليدين، وثالثة يثور النزاع بين خريجي الجامعات الغربية ودارسي اللغة العربية، ولكن التحديث فشل في مسعاه، وعاد التمسك بالإسلام باعتباره هو الحل.
26 وترى أنّ الثورة الإسلامية استفادت من خصائص الدين لتحريك الجماهير ولكنّها لم تحقق الطموحات فعادت تواجه حقيقة مهمة هي انفصال الدين عن السياسة.
27 وبعد أن تتعرض لآراء الدكتور سروش في النسبية وتشبهها بآراء سير سيد أحمد تقول: إنّ هذا يعني كون الإسلام يقبل الاصلاح.
28 ثم تتحدّث عن العوامل الخارجية للصحوة من قبيل: قيام اسرائيل، هزيمة 67، الثروة النفطية، هزيمة السوفيت في افغانستان، نجاح الثورة الإسلامية في ايران، ولكنها تقول: إنّ قبولها بوقف الحرب عام 1988م أحبط الآمال.
29 ثم تعود فتقول: إنّ الغرب يعادي الصحوة؛ لأنّها تكتنز عداء له، نتيجة سياساته هو لا نتيجة أنّ الإسلام بخصائصه يعادي الغرب.
وتذكر أنّ أمثال برنارد لويس ودانيال بايبس من المستشرقين الجدد يرجعون عداء الصحوة الإسلامية للغرب إلى الخوف والحسد، وتنتقد هذا الرأي وإن كان فيه شيء من الواقعية تماما كما يحسد الغرب اليابان والصين، في حين رأى آخرون أنّ الحقد الإسلامي ناتج من سياسات الغرب، ولذلك يشارك العلمانيون المسلمين في هذا الرأي.
30 وتقول بعد ذلك في صفحة 148: أظهر هذا النقاش بوضوح أنّ نشوء الظاهرة الإسلامية كان إلى حد كبير جزءاً لايتجزأ من تطور التجربة الإسلامية في سياقاتها الزمانية والمكانية المتنوعة. فهي شأنها شأن الأوجه الأخرى للتجربة الإسلامية أتت مرتبطة بالتطور والتحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي للمجتمعات الإسلامية، وديناميات مجابهتها للعالم غير الإسلامي وللقوى والافكار الصادرة عنه.
إنّ المرحلة التالية قد تكون بالفعل علمنة أكبر المجتمعات الإسلامية وحركة باتجاه توليفة بين التعاليم الإسلامية والمفاهيم الغربية.
31 وتدخل بعد هذا في السياسة الخارجية لبعض البلدان الإسلامية لتثبت أنّ الإسلام ليس وحده الدخيل في تنظيمها،ولتستنتج النقاط التالية باختصار :
أ) سيبقى تأثير الإسلام قليلاً في سلوك الدول الإسلامية ويستبعد أن يكون للمسلمين كيان موحد.
ب) ستختلف علاقات هذه الدول مع الغرب من متوترة إلى ودية.
ج ) لن تحل علمنة العالم الإسلامي كلّ المشاكل، وإن كان لها التأثير الكبير، ما دامت هناك مصادر أخرى للخلاف؛ كسعي البلدان الإسلامية في إصلاح التوازن السلبي للقوة في مواجهة الغرب.
د) ستتوازن العلاقة مع الغرب مع مستوى تعاطفه مع القضايا الإسلامية ولكن المصالح الدنيوية لكل دولة أيضاً ستؤثر على علاقاتها .
ه ) وستبقى المنافسة بين الدول الغربية نفسها في مجال بسط النفوذ .
و) أنّ احتمال تكوّن قدرة منافسة للغرب سوف يزيد من تحديات المسلمين، في حين أنّ فقدان احتمال تكوّن هذه القدرة ربما ينتج موقفاً أكثر تساهلاً.
هذه خلاصة لبعض الافكار الواردة في هذا الكتاب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.