تخوفات وتوترات ظهرت على الساحة الأوروبية في الأيام القليلة الماضية، لاسيما بعد هجوم برلين الإرهابي الذي راح ضحيته عدد كبير من الأشخاص، الذي كشف عن سهوله تحرك الإرهابيين داخل الحدود الأوروبية من دولة إلى أخرى دون مراقبة أمنية، حيث أثارت حادثة تنقل أنيس العامري، المتهم في هجوم برلين، من ألمانيالإيطاليا العديد من التساؤلات حول فاعلية التنسيق الأمني بين دول الاتحاد ومدى قدرته على الوقوف في وجه الشبكات الإرهابية النشطة في الفترة الأخيرة بالقارة العجوز. وأعلنت السلطات الإيطالية عن مقتل العامري الذي يشتبه في أنه منفذ اعتداء برلين بشاحنة دهست حشدًا في سوق للميلاد، خلال عملية تفتيش روتينية للشرطة بعد الحادث بيومين في ميلانو بعد وصوله إلى إيطاليا قادمًا من برلين عبر حدود ثلاثة دول أوروبية بسهولة ودون معوقات. يقول رئيس الوزراء الإيطالي باولو جينتيلوني: «أعتقد أن ما حدث في سيستو سان جيوفاني في ميلانو يشير بشكل واضح إلى أهمية زيادة الرقابة على أراضينا، والتعاون بين قوى الأمن والقوات المسلحة، وأهمية التركيز على التعاون على المستوى الدولي». تصريحات رئيس الوزراء الايطالي جاءت بعدما قطع منفذ عملية برلين رحلة طويلة من ألمانيا عبر فرانكفورت وباريس وشامبرلي وتورينو وصولًا إلى ميلانو، مما يعني أن الحدود الأوروبية سهلة الاختراق إلى حد يمكن أن يتنقل عبرها أي شخص من دولة إلى أخرى دون حسيب أو رقيب، لكن الخبراء الذين يدعمون فكره بقاء الاتحاد الأوربي يرون أن وصول المشتبه به إلى ميلانو لم يكن خارج المراقبة، لكنه لم يتم ضبطه قبل ذلك لأسباب أمنية، مستندين إلى أن الرقابة في أوروبا تتم لكن دون المساس بحرية المواطن. في المقابل يدعم الجانب الآخر فكرة تفكيك الاتحاد الأوروبي للقدرة على السيطرة الأمنية الحدودية، حيث اعتبر هؤلاء أن سهولة انتقال العامري من ألمانيا ودخوله إلى فرنسا ثم إيطاليا دليل على أن المنظومة الأمنية الأوروبية لا تعمل بشكل جيد، وأنها لم تجد آلية فعالة للإرهاب الذي يأخذ طابع الذئاب المنفردة، وأشار المتابعون إلى أن ضعف التنسيق وصعوبة التفاعل الآني مع المعلومات الأمنية كانا وراء فشل فرنسا في تجنب هجمات باريس في نوفمبر 2015. واستغلت التيارات السياسية المناهضة لأوربا التي تطالب بمراقبة الحدود وإلغاء اتفاقية الشنجن الفشل الاستخباراتي في منع انتقال العامري بين البلدان الأوروبية الثلاثة، حيث سارع اليمين المتطرف إلى استغلال هذا الحادث الإرهابي، فأكد زعيمان مناهضان للاتحاد الأوروبي في بريطانياوفرنسا أن سياسة الحدود المفتوحة في أوروبا سمحت لمنفذ هجوم برلين بالسفر إلى فرنسا ثم إلى إيطاليا قبل قتله، وتؤكد فشل المنظومة الأمنية الأوروبية، وقالت مارين لوبان، زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني المناهض للهجرة في فرنسا: الفرار المتهور في بلدين أو ثلاثة أحد أعراض الكارثة الأمنية المسماة باتفاق شنجن. وقال السياسي البريطاني المناهض للاتحاد الأوروبي نايجل فاراج، على حسابه الرسمي على تويتر: «إذا كان الرجل الذي قتل بالرصاص في ميلانو هو قاتل برلين فهذا يثبت أن منطقة شنغن تشكل خطرًا على الأمن العام.. يجب أن تلغى»، فيما حث المراقبون على توسيع دائرة التنسيق الأمني داخل أوروبا وخارجها لوضع بنك معلومات كامل حول المشتبه بهم، وخاصة التنسيق مع الدول التي ينتمي إليها أغلب المتهمين بتنفيذ العمليات الإرهابية مثل دول المغرب العربي. وأعلن تنظيم داعش الإرهابي أن القتيل الذي تم القضاء عليه في ايطاليا هو منفذ اعتداء برلين، كما ذكرت وكالة أعماق المرتبطة ب«التنظيم المتطرف» أن «منفذ هجوم برلين كاد أن ينفذ هجومًا جديدًا على دورية للشرطة الإيطالية بمدينة ميلانو، لكنه قتل خلال تبادل إطلاق النار» في إشارة إلى منفذ العملية الذي يدعي العامري. من جهتها تناولت صحيفة اسوشيتد برس الأمريكية الأمر بأن حدود أوروبا المفتوحة ترمز للحرية والتفكير المتقدم، لكنها تبدو على نحو متزايد قارة مهددة، مما دفع البعض للتساؤل: هل يغلق الأمن حدود أوروبا؟ وقالت الوكالة: المشتبه الأول في هجمات برلين عبر اثنين على الأقل من الحدود الأوربية خلال أسبوع، رغم أنه ملاحق دوليًّا، مطاردة برلين الفاشلة لأنيس العمري مجرد مثال على الإخفاقات الأمنية الأوروبية، التي زادت من رغبة القوميين بترك الوحدة الأوروبية. وطالب المدافعون عن إنشاء منطقة خالية من الحدود في الاتحاد الأوروبي، رغم الإخفاقات الأمنية، بمزيد من التعاون بين الحكومات الأوروبية، وحتى جيوش مشتركة، وتغيير طريقة تفكير الاستخبارات التي أصبحت متجمدة، مؤكدين أن تلك هي المشكلة. حرية السفر تشكل معضلة بالنسبة لمحبي الاتحاد الأوروبي مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تواجه معركة إعادة انتخابها العام المقبل، فدفاعها عن الاتحاد الأوروبي، وفتح الحدود أمام اللاجئين السوريين اعتبرت في الماضي من علامات السلطة الأخلاقية، لكنها اليوم مع تصاعد المشاعر المعادية للمهاجرين، أصبحت تهدد ترشحها لمرة مقبلة.