نحن نعيش علي ما يجتهد فيه الغرب من علوم وتقنيات رغم ما نحمله من رصيد كبير من العلم والعلماء علي مر العصور. كان العالم غابة.. وللأسف مازال - ويقال إن حلقات التاريخ متشابهة متكررة.. وهي في الظاهر متكررة.. أما جوهر كل منها فله طبيعة. وله ضحاياه وله أيضاً مكاسب إن وجدت.. وإن ظلت الخسائر أكبر. تحمل تفاصيل مضللة.. تجعلها تتشابه. أما الثوابت في كل عصر أن كل القوي الكبري أو الامبراطوريات.. فهي أنها تدعي لنفسها دائماً شعارات أو ما تسميه مبادئ وتخفي بها وحشيتها تجاه الآخرين وبالذات ضعاف الناس من الشعوب.. وهي لا تخدعهم بذلك هم فقط إنماً تتخفي أمام شعوبها أيضاً. جاء (الاسلام) ليشكل بداية مختلفة في تلك السلسلة - إذ هي تفصل ما بين عالمين لتقيم عالماً جديداً يلغي العالم القديم بأمبراطورياته المتوحشة ومبادئه الزائفة - الفرس والرومان وقتها. وكانا يحكمان العالم ويجعلان من استعباد الشعوب هدفاً ومحوراً للصراع بينهما. كانت دولة الإسلام الوليدة تحمل في بدايتها - قيماً مختلفة أطاحت بالوحوش القديمة وفتحت طريقاً نحو عالم مختلف وقيم جديدة أمام شعوب الارض ولولا أن (بني أمية) حين امتلكوا زمام هذه الدولة، وتحولت الخلافة والشوري الحقيقية إلي (ملك عضود) يورث الحكم بالسيف والدينار.. لولا هذا التحول لكان لدولة الإسلام والعالم شأن آخر. كانت آخر معارك الفرس هزيمة الروم. وزحف الفرس حتي وصلوا إلي الشام ومصر وكانت مصر بالغة الثراء وقد أقامت علاقات تجارية واسعة مع القسطنطينية باعتبارها مستعمرة رومانية رغم أنها لو أراد الشعب أكثر من ند للامبراطورية الرومانية المسيحية بدليل ما أمدت به القدس حين دخلها الفرس.. ثم جاءت النبوءة الإلهية »غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَي الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ» . التي تحققت.. ولكن الاسلام جاء بعدها ليطيح بالفرس والروم معاً - املاً في عالم جديد.. لولا ما أشرت إليه من فعل بني أمية مع القيم العليا التي زكاها حكم أبي بكر وعمر.. ثم تحول الأمر إلي ملك يورث بكل ما يحمله ذلك من ترف مفسد وقيم بالية مع الاعتراف بازدهار جاءت به وساعدت عليه فتوحات كثيرة وأيضاً أدت الرفاهية الي ازدهار الشعر والأدب بإضافات هامة وسرعان ما دب الضعف في الدولة الأموية مع أبناء (هشام بن عبد الملك) وسقطت دولة بني أمية وقامت دولة العباسيين ولكن علي نفس النهج المخالف لما قامت عليه دولة الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين فهي »ملك يورث» وبيعة شكلية بالسيف والدينار.. والحق أن الدولة العباسية عمرها كان أطول وازدهار الفنون والأدب أكثر عمقاً وأوسع.. ولكن بني أمية وجدوا امتداداً لدولتهم في الاندلس مع من فر من مذبحة بني العباس.. حيث قامت دولة للأمويين في الأندلس لتكون أكثر ازدهاراً وفي نفس الوقت نقطة نهاية هي والخلافة العثمانية التي أرعبت دول الغرب التي كانت لاتزال خاضعة للكنيسة مع نهايات العصور الوسطي - فكلاهما .. الاندلس والعثمانيون ساهم كل باسلوبه في استيقاظ دول الغرب التي كانت لفترة طويلة غارقة في الجهل والتخلف حتي استيقظت بفضل ما نقلته من الاندلس.. وإن كان العثمانيون قد ايقظتهم علي طريقة آل عثمان في زمن قوتهم حين ألحقوا بهم هزائم٬ بالغة واتسعت فتوحات الدولة العثمانية في أقصي قوتها مع (سليمان القانوني) حتي ابتلعت أكثر من ثلاثة أرباع أوروبا ثم جاءت النهاية كالتالي: الأندلس والتمزق مع ملوك الطوائف.. رغم محاولات البعض تدارك ذلك مثل يوسف بن تاشفين.. حتي جاء سقوط غرناطة والدولة العثمانية في قرنها الثامن - عاشت ثمانية قرون - حيث ضعفت وتآمر عليها الكثيرون من الغرب ومن داخلها اليهود في تحالفهم مع (الماسونية) وبعض العاملين بالجيش العثماني الطامعين إزاء ضعف الدولة وفساد الولايات واستعدادها للتمرد كمصر وما جري فيها - هذا في وقت بدأ الغرب ينفض عنه النعاس الطويل ويستعد لهجمة شرسة علي الإسلام والعرب متخذاً مبررا لم يحد عنه وهو (فرق تسد) وإلي جانب تشويه متعمد ينال دائماً من الحقيقة لصالحه ولإشاعة التشكيك والأكاذيب بيننا ومثالنا علي ذلك ما قيل منهم عند موت الطاغية (الحجاج بن يوسف الثقافي ) فبقدر ما فرح المسلمون وتنفسوا الصعداء كما يذكر الدكتور (علي ابراهيم حسن) حين يصف مدي قبحه شكلاً وسلوكاً. بقدر ما أفاض المؤرخون الغربيون في كيل الثناء والمديح له فيقول عنه (ول ديورانت) أنه جفف المستنقعات واصلح الأراضي وأعاد فتح ما طمر من قنوات الري وأصلحها. ولكن رغم صحة هذه الأقوال بخلاف قضائه علي فتنة الخوارج إلا أنه لم يذكر أنه طغي وبغي وقمع الناس وبطش بهم بطشاً غير مسبوق. - لقد أعلن الغرب الحرب علينا منذ اشتد ساعده بما نقله عنا وعن اليونان حين قمنا بترجمة أمهات كتبهم ونسب الغرب ذلك إليهم في بعض الأقوال. كان ثأرا خسيساً ممن تعلموا علي أيديهم كي يخرجوا من ظلمات العصور الوسطي، وحين بدأ في إرسال البعثة تلو الأخري إلي الاندلس الناهضة.. وأيضاً حين كانت الدولة العباسية في أوج ازدهارها. وقد نقلوا عن علومها وعلمائها حتي جاءت هجمة التتار والقضاء علي الخلافة العباسية في بغداد، ويقال أنه كان بين الفرنجة والتتار مكاتبات في هذا الشأن ومعها بدأت الحملات التي تحمل شعار الصليب - وهو منهم براء - وأكذوبة تحرير القدس! التي شهدت علي ايديهم مذابح مرعبة يبرأ منها المسيح والصليب! حتي تمكن صلاح الدين من تحرير القدس منهم رافعاً قيما مختلفة تعود بنا إلي القيم السامية الأولي ولكن سرعان ما عادوا بعد أن انفرط عقد الأيوبيين بموت صلاح الدين! ظل الغرب علي وعده لنفسه من إنه يطالب بالثأر من المسلمين والعرب.. ليس لذنب ارتكبوه.. بقدر ما هو غل وعقاب علي تقدمهم.. حيث كان الغرب يرفل في التخلف والظلام ووصلوا في عدائهم وهيمنتهم إلي أننا موصومون بالتخلف وأنهم - شأن كل الهجمات الاستعمارية للهيمنة علي الشعوب التي ادعت أنها تبغي محو التخلف عنها وإعمار الأرض - ومن هنا كانت لفظة الاستعمار المضللة - رغم اختلاف المعني عند إبن خلدون والآن يكون السؤال هل نحن حقا كما يقولون متخلفون! نعم.. نحن نعيش علي ما يجتهد فيه الغرب من علوم وتقنيات ورغم ما نحمله من رصيد كبير من العلم والعلماء علي مر العصور من هذا الرصيد ما كان سنداً لهم في تطوير تقدمهم أو الأخذ به. وهم في الغرب يريدون ذلك وأن تظل الهوة تتسع بيننا وبينهم.. وويل لمن يحاول تجاوز ذلك. لماذا نحن كعرب متخلفون ؟!! هذا هو السؤال الحقيقي؟ قد يقال هذا أمر يتعلق بالاقتصاد والتعامل معه وقد يقال هذا أمر يتعلق بالسياسة وما يريده الغرب لنا متوسلاً بوسائل شتي وبلاوي تملأ كتب التاريخ الحديث والمعاصر. لكن الحقيقة في رأيي غير ذلك! أنها قصة قديمة بدأت مع الدولة الأموية وامتدت حتي الآن!! لقد بدأ الأمر مع الأمويين بعد فترة زاهية من حكم الخلفاء الراشدين.. وكانت الشوري حقيقة لا ادعاء أو تزييفاً وكانت القيم العليا التي بنيت عليها الدولة الإسلامية حقيقية لازيف فيها ولا إدعاء حتي جاءت الدولة الأموية لتحول الشوري إلي مبايعة شكلية يحكمها السيف والدينار! وتتحول الخلافة الحقيقية إلي ملك عضود.. يرثه الأبناء.. ويتوالي نظام الملك المتوارث حتي الآن تلك نقطة البداية لانعدام (الديمقراطية)! وحرص بني أمية ومن جاء بعدهم علي ذلك - استمر الحرص علي ذلك من حكام المسلمين أو من ينصبه الاستعمار. استمر ذلك وطال حتي صار مساراً طبيعياً يتأبي علي أي محاولة لايقاظ الوعي. إذن يمكن القول أن علة الأمر هي انعدام فكرة الديمقراطية.. واختفاء علوم السياسة - كما ذكر الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الهام (الإسلام وأصول الحكم) والذي جلب عليه متاعب جمة.. إذ رأي أن علماء العرب منذ القديم حتي في فترات الإزدهار لا يقتربون من علوم السياسة.. ورغم انهم اهتموا بكل ما عداها مما نقلوه عن اليونان وكان (المعلم الأول أرسطو)! له مكانة كبيرة لديهم واهتموا بكل ما كتب إلا كتابه عن السياسة لان الحكام كانوا حريصين علي ذلك إذ ادركوا ووجدوا من ينبههم.. إلي أن السياسة هي الباب الذهبي لايقاظ العقل العربي علي أهمية الديمقراطية في استواء الحياة وتقدمها وامتلاك مفاتيح العصر الذي يجري أمامهم دون أن يتمكنوا من اللحاق به ابداً. وبالنظر إلي العصر الحديث والمعاصر فنجد حرصاً من القوي الكبري علي منع وتدمير أي محاولة جدية للخروج من ذلك في ليبيا وفي الجزائر وفي غيرهما وعلي العرب أن يصدعوا بما يؤمرون وحسب. إن تجربة (محمد علي) في مصر والملقب بباني مصر الحديثة.. مثال واضح علي تنبه الغرب لخطورة ذلك علي مصالحهم. ولذا فقد اجتمعوا عليه وهُزم وجهضت المحاولة بهزيمته تلك ثم موته مجنوناً ثم جاءت محاولة (جمال عبدالناصر) حين قاد ثورة 23 يوليو بعد (محمد نجيب) فتربصوا به مع محاولات عديدة لاحتوائه. حتي تمكنوا منه ومنا في 67. ولكن عاد الشعب وأقامه من عثرته.. وتحقق نصر (73) وهذا له دلالة هامة جداً في السؤال! من سبب التخلف.. هم.. أم نحن؟! والإجابة بالقطع (نحن).. العرب وشعوبهم هم القادرون.. حين يستعينون بالديمقراطية فتسقط كل العوائق وينطلقون في سباق العصر.