ليس معني هذا اختفاء المواهب التي تملك القدرة والحلم.. ولكن ماذا هي فاعلة إن لم تجد قيادات تشاركها أحلامها رغم أن التحولات الشيطانية طالت الكثير من مكاسب ثورة 23 يوليو..والتي بدأ تأثيرها في كل شيء منذ النصف الثاني للسبعينيات والتفافا علي نتائج حرب 73 العظيمة ليبدأ الأفول مبكرا-أقول برغم ذلك- فإن القفزة الكبيرة للإعلام المرئي التي بدأ كبيرا طموحا رغم تواضع الإمكانيات -احتفظ الي حد كبير بامتدادات إيجابية حتي التسعينيات فإن كان الأفول قد بدأ علي المستوي السياسي والاقتصادي - إلا أننا كنا ما نزال في موقع متقدم في مجال الدراما والبرامج.. إذ كان هناك حينها كتيبة كبيرة من الكتاب والمخرجين والقيادات أبناء الاربعينيات والخمسينيات تعمل وكأن ثورة 23 يوليو لم يخبُ أوارها. فقدمت هذه الكتيبة ومن سبق من رواد أعمالا رائدة بعضها إنجاز غير مسبوق - بمقاييس هذا الزمن وربما الآن!.. وهذا يعني أن طموح هؤلاء مازال قائما يحركهم. ومازالوا يتصورون أن أحلام الإبداع مازالت ممكنة. - لم يدركوا إلا متأخرا أن الزمن استدار دورة كاملة طالت الإبداع وموقعنا الرائد فيه - حيث ظللنا روادا في مجالات عدة وسط المنطقة حتي في ظل الاحتلال -! وأفاق المبدعون الحقيقون علي أن ما أصاب الإبداع أتي علي صلاحياتهم الفنية والمهنية التي ما كان لأحد أن يتجرأ علي الاعتداء عليها وأن إنتاج الاعمال الفنية صار يخضع لشروط أخري هي شروط السوق الجديدة. هل هناك أمثلة توضع ما أقول؟ كل ما في السوق تقريبا. وسأعود الي واحدة منها بعد أن تتعرف علي الزمن المضيء وكيف كان. كيف كنا نحلم كان هناك حلم ظل مختبئا بين جوانحنا حتي ينضج.. المخرج الكبير (إسماعيل عبدالحافظ) وأنا.. كان محور هذا الحلم هو معالجة واقعة تاريخية مدهشة هي ما حدث في زفتي خلال ثورة 1949م.. بإعلانهم عن (جمهورية زفتي) منفصلة عن سلطة الاحتلال والحكومة الخاضعة لها.. وكان الأكثر إدهاشا تشكيلهم حكومة ديمقراطية تدير شئون البلدة بمجموعة تمثل كل الطوائف فيها دون تمييز.. وكان هذا أهم ما شغلني في تجسيد هذا الحلم. الذي شاركت به زفتي وأهلها في ثورة 1919م إثر نفي (سعد زغلول)ومن معه فهب الشعب المصري كان رافضا للاحتلال ومرغما له علي الإفراج عن سعد وصحبه.. وإن كانت زفتي قد سبقت الزمن بما قدمت عن أحلام للأمة عن التحرر والديمقراطية -قلت إن البلدة شكلت مجموعة تمثل كل الفئات.. كانت ترجمة لحلم كامن لدي الشعب المصري ترجمة دون تنظير لفكرة الديمقراطية وإن تصدي لها طليعة مثقفة في مقدمتهم (يوسف الجندي) المحامي كانت الرؤية الفنية قد اختمرت وتمت كتابة الحلقات في شهور. كانت تلك المعالجة تفترض إنتاجا كبيرا متطورا بل افتراضات صعبة التحقيق.. لم يعترض عليها إسماعيل بل أضاف إلي الشكل ما جعل الأمر أكثر صعوبة وخاصة بعد زيارة قام بها إلي زفتي ومعه مهندس الديكور الموهوب (سيد أنور) وأنا. كانت زفتي محتفظة بما كانت عليه عند إعلان الجمهورية.. مما دفع بفكرة تصوير المسلسل داخل زفتي ثم استبعد الفكرة بعد مناقشتها. ولكن الزيارة أكدت ضرورة أن يصور المسلسل كأنه بناء كامل يسمح بالتصوير الخارجي متداخلا مع الداخلي في نسيج واحد. وكذلك تصوير الداخلي مستحضراً في نفس الوقت كل ما يمكن حدوثه بالخارج وفقا لهذا رفض إسماعيل دخول استوديو وكان هذا يفترض انتظاراً حتي يخلو أحدها وتعطل بذلك تنفيذ المسلسل لفترة هنا نأتي إلي دور القيادة حين تكون ذات طموح وخيال. كان رئيس شركة صوت القاهرة في البداية المهندس »عبدالرحمن حافظ» أطال الله في عمره ثم صار رئيسا للاتحاد ثم رئيسا لمدينة الإنتاج الإعلامي.. عندها التقي به إسماعيل وعرض فكرة فتح المدينة للإنتاج وعرض بناء أجزاء من البلدة بها لم تكن المدينة قد سمحت بتصوير أعمال داخلها.. كانت موقعا محرماً وبالتالي لم يكن لدينا أمل في الوصول إلي أي نتيجة. وإذ بالمهندس عبدالرحمن هو من يطرح بناء مدينة كاملة مطابقة لزفتي بكل ما فيها.. قسم الشرطة كاملا منزل عائلة الجندي القديم.. ومقهي الخواجة مستوكلي حيث كانت تجتمع مجموعة إدارة المدينة.. بل وصل الأمر إلي طرح فكرة بناء بيت الأمة بكل تفاصيله التي درسها بدقة سيد أنور وعاينها. كانت نتيجة تصوير العمل بهذا الشكل الجديد تأثيرا مبهرا.. له صداه حتي الآن في ذاكرة الجماعة ها هو حلم يتجسد.. ولكنه يبدو للبعض نوع من الجنون والسفه. كم يتكلف من مال ووقت؟! هنا يتكشف وجه آخر لهذه القيادة. إذ نكتشف أن المهندس عبدالرحمن حافظ قد سوق العمل للعديد من المحطات العربية قبل أن يبدأ تصويره. كان قد عقد عدة اتفاقات طويلة الأجل مع معظم المحطات العربية الكبيرة استنادا إلي سمعة الأعمال المصرية وقتها.. وجاذبية اللهجة المصرية العامية لدي الجماهير العربية التي مازالت تذكر ريادتنا في التعليم والصحافة والسينما وغيرها. والجدير بالذكر أن هذه الاتفاقات طويلة الأجل جاءت تأكيدا للانتشار المصري والتسويق ثم تطورت حيث دخل في حساباتها »الإعلانات» علي أن تكون خاضعة للدراما وجودتها وليست الدراما هي التابعة لحساباتها كما يحدث الآن!.. بما ساعد علي انقلاب هرم الإنتاج بكل ما نراه الآن من دحر لأي قيمة إعلاء للكسب السريع علي حساب كل ما عداه. كان هذا المسلسل وعدد آخر من المجتهدين شبابا وشيبة.. شاركوا في ميلاد مدينة الإنتاج الإعلامي لتصبح قوة ضاربة مع قطاع الإنتاج قبل ظهور المنتج المنفذ اتسع محيط العمل بها وتعددت مناطق التصوير وفق أعمال طموحة منها الحي الإسلامي والشعبي والمحكمة وجاردن سيتي والربع وما حوله والقصر الذي أبدعه سيد أنور ليغنينا عن تأجير قصور قد لا تطابق ما يريده العمل.. وغير ذلك كثير. كانت موطنا للإبداع المصري في ازدهاره فصارت موطنا للقنوات الخاصة التي استوطنتها فصار ما نراه منها.. أقرب إلي أطلال فاقدة الروح.. قد يسمح في بعض الأحيان بتصوير بعض المشاهد للقطاع الخاص أو الأجنبي.. وما عدا ذلك إداريات عقيمة مع أن المسئول عنها الآن وزير إعلام سابق وإعلامي مخضرم.. وشاب ! وأدعوه أن ينظر في شأن تحول المدينة إلي مقبرة للإبداع المصري.. قبرت بداخلها أعمال مهمة وإمكانيات واسعة تملك الكثير أكثر مما كانت تخدم الإنتاج الوطني علي أرض فضاء في مولدها. كان هذا المسلسل أول من دخل المدينة المحرمة باعتبارها خدمية قبل ذلك!! وإذ بها بعد فترة من الإنتاج الرقيع تصبح قوة ضاربة اتسع محيط العمل بها وتعددت أشكال مبانيها مثل الحي الإسلامي والحي الشعبي وامتداد له الربع وما حوله وقصر كامل جاء ليغنينا عن استئجار قصور قد لا تطابق ماهو مطلوب، لكن سيد أنور أقامه ليكون قابلا لإعادة التشكيل وكان هذا شأن مبني بيت الأمة ومباني جاردن سيتي وزفتي وغيرها حيث يتم استغلالها الآن عشوائيا. الأحلام المجهضة ليس معني هذا اختفاء المواهب التي تملك القدرة والحلم.. ولكن ماذا هي فاعلة إن لم تجد قيادات تشاركها أحلامها. وقد صارت المدينة بكل إمكاناتها الهائلة أقرب إلي مقبرة حتي إنك لو طرحت الأمر للفحص ستجد أعمالا مهمة.. وربما نادرة تم دفنها حتي الآن تحت مزاعم للإداريين المتحكمين في هذا الخراب ولمصالحهم الضيقة مع تشغيل المدينة للخدمات! وقد يصل الأمر الي التلاعب بالقانون ولهذا قصة. فمدينة الإنتاج التي فتحت أبوابها لأول مرة مع المخرج الكبير (إسماعيل عبدالحافظ) كما حكينا.. تجدها قبل شهور من رحيله.. تغلق أبوابها دونه. ودون حلم آخر كان يجمعني به وكنا نحلم به لسنوات حيث كتبت الجزء الأول منه وهو مسلسل (همس الجذور).. وهو من نوعية مسلسلات الاجيال يتناول حكاية الفلاح المصري مع الأرض والأنظمة التي ترسم تلك العلاقة بينهما من خلال أسرتين من الفلاحين.. أسرة تصعد مع المتغيرات وأسرة تبقي في القاع منذ نظام الالتزام دون ان نخوض في التاريخ نفسه وتتم الموافقة عليه ويستعد سيد أنور لبناء أول ديكور يتسلم بموجبه استوديو إلا ان إدارة المدينة وقتها تطرد مهندس الديكور من الاستوديو ويتم ايقاف المسلسل لماذا؟ لم نفهم.. رغم ان مطالب غربية طلبت مني كمؤلف حتي يسمح ببدء العمل طلب توقيع أوراق فوقعت علي كل الاوراق دون مناقشة أو حتي قراءتها حتي يتسني بدء العمل.. كان من ضمن هذه المطالب مطلب لم أتبينه وقتا وهو باطل بحكم قانون الملكية الفكرية الذي شاركت وبعض زملائي في مناقشته داخل لجنة الثقافة بمجلس الشعب وقتها وينص علي ان أي موافقات تجري بالمخالفة لبنود هذا القانون هي باطلة حتي لو وقع عليها صاحب المصلحة.. وكانت هذه الورقة تنص علي أن ملكية المدينة للعمل تمتد لخمسة وعشرين عاما!! نص غير مسبوق ومذهل! وتبعه إيقاف العمل. والأنكي ان يحاول منتج تنفيذ العمل لمرور أكثر من خمس سنوات كما هو متبع فأشهر في وجهه سيف هذا البند الخادع والباطل ومازال هذا العمل حبيس المقبرة، وما عاد المناخ الحالي يسمح بإنتاج مثل هذه المشروعات حتي لو أنصفني القضاء وللحديث بقية. سيد درويش ومحمد عبدالوهاب! ليس هناك من يشك لحظة في حجم وتنوع موهبة الموسيقي الكبير (محمد عبدالوهاب) وعشقي لصوت عبدالوهاب وكثير من ألحانه هو عشق ممتد امتداد عمري غير ان هذا لا يمنع من إشارة شغلتني كثيرا.. وهو أن عبدالوهاب وموهبته تلك كانت حجر عثرة في طريق تطوير الموسيقي لدينا دون إنكار لانتمائها الشرقي، وقدكان من الطبيعي أن يتصدي لذلك نابغة كعبدالوهاب. ولم يحدث. - مات سيد درويش شابا في ليلة عودة سعد زغلول من المنفي.. رحل وبين جوانحه حلم كبير كان لديه نزوح عارم لاستكمال مشروعه الذي كانت له بوادره لتطوير موسيقانا لتعبر عنا وتنافس -كان يستعد للسفر إلي أوربا ليستكمل ما لا يعلم من أسرار هذا الفن وخاصة المسرح الغنائي والأوبرالي.. رغم ما حققه في هذا الشأن من جديد غير مسبوق! - طوي الموت سيد درويش وطوي معه حلمه، ولم يبق إلا كلمات تقال هنا وهناك.. وللأسف استمعت ذات مرة للموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب يدافع عنه دفاعا أقرب إلي الاتهام فهو -كما قال- خير من عبر عن بيئة العمال والشيالين والجرسونات. ولم أسمع منه ما يفيد عن أهمية هذا التعبير موسيقيا وما حمله من جديد.. وأن أنصفه في أنه بلور هوية للملحن ونسي أن المهمشين الذين غني عنهم هم مصدر الإلهام لموسيقي جديد، كما ان وجوده في المسرح الغنائي أتي بما لم يأته من سبقوه.. وأن ذلك يمكن أن يعكف عليه الأكاديميون بالدرس والتحليل أفضل مني.. فهذا أدني للإنصاف.. ما علينا. - كما سبق أن أشرنا أن سيد درويش جاء ضمن منظومة جديدة تضمه مع طلعت حرب ومحمود مختار وسعد زغلول وغيرهم. فإن هذه المنظومة انطوت أيضا بعد عقود قليلة وحاصرها المستهدفون مصر -هذا قدرنا، وإن اعطانا الله القدرة دائما علي تجاوزه-. - أما عبدالوهاب فظل باختياره داخل دائرة ثقافة الطبقة الارستقراطية وفنونها المخملية التي قدم في ظلها إبداعات تعترف بانها استقرت في وجدان الغالبية وحرصا منه علي أن تتسع رقعة جماهيره. ورغم وجود بعض القصائد والأغنيات الراقية لشوقي ورامي وبعض القدامي إلا أننا كنا نفاجأ بمساحة كبيرة من أغانيه ذات كلمات تافهة وأفكار اتفه وكنت رغم ولعي بصوته أندهش من أن تلك الداهية الكبير والذكاء الحاد يختار مثل هذه الأغنيات، فمعظمها ينضح بالتذلل في العشق السقيم والتودد بلا داع ولا تسأل بعد ذلك عن استكماله لمشروع سيد درويش!. - أظنه ظلم موسيقانا بذلك كما ظلم نفسه وظلمنا معه حين وقع معظمنا وأنا منهم في اسار معظم ابداعاته داخل دائرة اختياره هذه. كورال القاهرة الاحتفالي رحم الله العالم العظيم د. »حسين فوزي» الذي فتح عقولنا في برنامجه الموسيقي الشهير -في البرنامج الثاني زمان- فتحها علي كيفية السماع بفهم أمام أفق واسع وعميق. مع ذلك لم نكمل ما بدأه معنا.. مازال أغلبنا يرقص علي السلم. - ولكني اكتشفت بعد كتابة هذه الفقرة ان هناك مازال بيننا من يشغلهم سيد درويش فقد شاهدنا لأول مرة في برنامج »معكم لمني الشاذلي» كورال القاهرة الاحتفالي بقيادة المايسترو ناير ناجي وهو كورال عمره 15 عاما ! يعرف بالخارج أكثر مما نعرف! أدهشني وأسعدني كل ما قدمه هذا الكورال من أعمال سيد درويش بتوزيع كورالي موفق. وتلك خطوة علي طريق طويل متواصل كما أرجو لإعادة اكتشاف سيد درويش وتقديم موسيقانا للعالم.