لا يمكن الفصل بين شاشة رمضان والواقع الحي.. حيث نراها مزدحمة بالدراما والبرامج الغريبة والإعلانات الأغرب في خليط وهرج عظيمين. وبداية فلا علاقة لأغلب هذا الخليط بحقيقة واقع الناس المعيش وإن كانت تعني موقفاً منه.. فهي إما تسخر منه بالتجاهل أو بالبهرج المبالغ فيه عكس ما فيه من مواجع وانطفاء وأحيانا باستحضار عوالم تلقي بنا في دنيا كالأساطير وأحيانا بالمواساة الكاذبة المتاجرة بفقر الفقراء أو مرض المرضي، وأحيانا بأفكار زائفة في الدراما أو تدليس عابث بالتاريخ مما يزيد من التباس الوعي لدي المغيبين.. وفق الهوي أو ما يملي علي كل شئون الشاشات. هل يعني ذلك أنه لا يوجد ما يمكن أن نصدقه في الدراما علي الأقل بل يوجد والدراما تظل هي الملاذ والأبعد عن البهرج الخادع وإن قل الحصاد إذ يقف خلف هذا القليل وعي وإبداع متقدم يثبت أن مصر مازالت مصر والمبدع المصري لم يندثر. أبدأ بمسلسل »واحة الغروب» للكاتب المتفرد »بهاء طاهر» والمخرجة بالغة الثراء في كل ما قدمت حتي الآن »كاملة أبوذكري».. تتناول الرواية تعرية التدليس في التاريخ والواقع معا. فهي تحكي عن انكسار الثورة العرابية، وتقدم لنا ضابطاً مصرياً »خالد النبوي» الذي تجرع مرارة الهزيمة واتضح لنا ذلك في سلوكه واختلاط تأملاته الوجودية أحيانا بمأساة الوطن بعد أن ألقي به الإنجليز وزوجته الأجنبية »منة شلبي» إلي تلك الواحة حيث يظهر الوجه الآخر لأزمته في أزمة زوجته مع فتاة الواحة مليكة.. إزاء تناقضات هذا المجتمع الغريب، وظل الاحتلال يطارده ومازال.. وإن جسدت الرواية التناقض الأكبر في تحول بطل الثورة »أحمد عرابي» إلي خائن حلت عليه لعنة العصيان من الخلافة ومن الخديو الخائن ومن الإنجليز والأسوأ إلحاق اللعنة به من مواطنيه الذين سبق خروجهم خلفه في معركة التل الكبير ثم إذا بهم يحطون من قدره بعد الهزيمة لدرجة تصل إلي اتهامه بالعصيان للخليفة والخديو وبالتالي بالخيانة وكأننا نواجه بعد عشرات السنين نفس الحالة التي تعري أزمة الوعي العام مجسدة في أحداث ثورة 25 يناير 2011 وما جري بعدها من كيد وتدليس وتشويه حولت الثورة إلي جريمة تستوجب عقاب طليعتها مستغلة بعض الأخطاء ليتم اختطاف هذه الثورة لتتحول في أهدافها الشعبية البسيطة والواضحة إلي عكس اتجاهها. وتظل معركة الضابط هو وزوجته »كاترين» مع الواحة وأهلها في نفس الإطار الأسيان ثم المأساوي مع محنة مليكة وموتها ورد الفعل بعدها حتي التوقف عند معني واحة الغروب عند حضور اخت كاترين المريضة وضابط معادٍ للثورة العرابية وعميل للإنجليز. أيضا ودون الخوض في تفصيلات نقدية فنية. يستوقفنا عمل آخر شديد الأهمية في رصده القبح فيما وصلنا إليه من علاقات وهو »لأعلي سعر» للكاتب النابه »مدحت العدل» والمخرج الواعد »محمد العدل» حيث يقدمان واقعاً صادما.. مضطربا.. وحشيا في أحيان كثيرة انه يعكس صورة الفساد الذي يلتهم في طريقه كل قيمة.. وقد وصل إلي النخاع في المجتمع بداية من التتر المباشر بمشهد ممتد لاهتراء الأسرة المصرية وتزعزع كيانها بكل أفرادها.. والتي كانت قيم الطبقة الوسطي قبل انسحاقها تحميها وتجعل من الأسرة اللبنة الصلبة لقيام مجتمع سليم متماسك. وكان أقسي ما في ذلك صورة »الأم»- الدور الذي قامت به الفنانة »سلوي محمد علي» قد تهشمت أمامنا وكانت المرآة التي رأينا من خلالها هذه المأساة »لفرد من هذه الأسرة وهي »نيللي كريم» بأدائها السهل الممتنع رغم تعقد هذا الدور باستدراجها إلي دائرة الشر.. الكل باع وتورط.. فيما عدا الأب الذي تسلح بحبه لفنه رغم كل أشكال النخاسة حوله وهو الفنان القدير بحق »نبيل الحلفاوي» وهو نبيل فعلا بحكم الدور ونجاته من البركة الآسنة. وإذ نعود لصورة الأم فنجده يتكرر بشكل أقبح في عمل آخر لعمرو يوسف في »عشم إبليس» تقدمه الفنانة الكبيرة »دلال عبدالعزيز» تؤكد معه والآخرين مأساة ولدها مع التفكك والطمع وتوغل الفساد الأخلاقي.. كذلك تتكرر صورة قبح الواقع في صورة سحق السلطة للفرد حين تشيع الفاقة كما في »وضع أمني» للفنان الواعد »عمرو سعد» أو في صورة تدمير حياة أسرة لأحد رجال السلطة نتيجة فساد متخف داخل نفس المؤسسة التي ينتمي إليها هذا الضابط وهو بالمناسبة ممثل لامع ظلمته طويلا عشوائية المعايير وهو »ياسر جلال» ولعلي أجد فرصة للعودة تفصيلا لهذه الأعمال أو غيرها. ثمة أعمال أخري متواضعة القيمة أو مستعارة بحمق من بعض الأعمال الأمريكية.. وبالطبع لا يعنيها ان تخدم شيئا يخص الواقع والناس.. وهي أعمال تتحكم فيها قوانين السوق الذي يحكمه الكسب وحسب والخضوع لفهم للإعلانات.. رغم أن كثيراً من هذه الأعمال تستعين بمواهب وخبرات كان الأولي ألا تساهم في مثل هذه الأعمال. وهذا يدعوني في الحقيقة إلي أن أتوجه بما سيبدو للبعض سذاجة أتوجه إلي هذه المواهب والخبرات الكبيرة بنداء ملح أن أحسنوا اختيار ما تقدمونه للناس فهناك من يستفيد ولكن يبقي لكم صورة صحيحة أو شائهة لدي الناس وتاريخ لا يرحم. كي لا تدعوهم يفرضون عليكم ما يزيد من مكاسبهم بحجة أنها الأكثر من جماهيرية وإقبالا من الإعلانات. إن جيل الشباب وجيل الوسط هم من يحملون إلي الآن مسئولية الابداع القادم واسم وسمعة بلدكم، ولنذكر ان جيل الكبار بحق مثل الراحل (محمود عبدالعزيز) وغيره ممن رحلوا أو بقوا كانوا كباراً لأنهم كانوا يختارون بعناية ما يقدمونه لا ما يفرض عليهم.. ويسألون دائماً قبل أي قرار ماذا عن قيمة هذا العمل؟ ولمن يتوجه من عموم الناس رغم أنهم ذاقوا وبال أمرهم، وعندها فعدونا الأول سيعود عدونا الأول هو ومن يحيكون الفخاخ لأجله منذ عقود طويلة. إكمالاً لحلم ألخصة: عودتنا اقوياء مرهون بهذا المشروع القومي التكتل لعودة عجلة الانتاج (صناعات صغيرة - متوسطة - ثقيلة - تقدم تكنولوجي نشط يصاحب دعم البحث العلمي والتعليم - حسم »في أمر الزراعة والري»! هل هو مجرد حلم أم أن الكابوس أقوي؟! ملاحظات: استكمالاً لحديثي عن الشاشة أنبه أنني مع الجديد والتجديد.. ولكن قوانين السوق التجاري قذفت بوجوه يصعب حصرها منها الكثير يحتاج إلي فرز وتدقيق ولنا عودة إلي ذلك مع استكمال حديثنا عن الشاشة. نكتة لا تضحك في إعلان يتكرر (طلعت حرب راجع)!! مهداة للسيد مدير البنك المركزي. - إعلانات صادقة يتيمة: إعلان عن مشروع الدكتور مجدي يعقوب - إعلان لعمرو سعد في زيارته لعجوز معدمة شبه ضريرة، لا تنتظر عونا إلا من الله تعالي.