لست أدري لماذا ينزعج البعض من حصول مصر علي قرض من صندوق النقد الدولي؟.. فمصر عضو بالصندوق.. بل من مؤسسيه في عام 1945.. ومن حقها أن تحصل علي هذا القرض مادام هي في حاجة ملحة إليه، مادامت منتظمة في دفع حصتها السنوية والبالغة 1.5 مليار دولار.. كما أن قواعد الصندوق تتيح لأية دولة عضو الحصول علي قرض يعادل 300٪ من حصتها فيه.. ثم لسنا وحدنا في هذا الأمر.. فهناك 20 دولة عضو في الصندوق طلبت الحصول علي قروض منه.. منها ثلاث دول عربية هي: تونس، والأردن، واليمن. وقد لا يعلم البعض أن الصندوق يمنح قروضه للدول الأعضاء بأقل فائدة علي المستوي الدولي.. حيث لا يتجاوز 1.1٪ سنويا.. هذا بينما يعلم البعض.. علم اليقين أنها ليست المرة الأولي التي تدخل فيها مصر في مفاوضات بعقد اتفاق مساندة مع الصندوق.. فقد حدث ذلك مرتين من قبل: الأولي عام 1993.. والثانية عام 1998 وفي كلا المرتين لم تستنفد مصر كافة المبالغ التي خصصت لها.. ففي المرة الأولي خصص الصندوق مبلغ أربعة مليارات دولار لم تسحب مصر فيها سوي 1.5 مليار دولار فقط، والبرنامج الثاني لم تسحب مصر أية مبالغ مما كان مخصصا لذلك. والمعني أن العلاقة بين مصر والصندوق تتميز بالجدية والانضباط وتنفيذ كل طرف لالتزاماته التي يرتبها الاتفاق الموقع في هذا المجال. والأهم من كل ذلك.. ليست المشكلة في الأموال التي ستحصل عليها مصر من الصندوق.. فقد حصلت علي أكثر منها من بعض الدول العربية الشقيقة.. ويمكنها الحصول علي المزيد من مؤسسات التمويل في الأسواق الدولية. ولكن أهمية الاتفاق مع الصندوق تعود لاعتباره "بيت خبرة" دولي، ومن ثم فالاتفاق معه علي برنامج إصلاح اقتصادي معين لأية دولة.. يعني.. علي الفور "شهادة صلاحية" وليست شهادة فقر.. كما وصفها بعض المقرضين- بأن هذا الاقتصاد لديه القدرة علي التعافي والنمو الذاتي وأنه مستعد لاستقبال الاستثمارات الأجنبية، فضلا عن قدرته علي سداد كافة الالتزامات الحالية والمستقبلية. والطريف في الموضوع أن المؤسسات الأجنبية والجهات الدولية المانحة.. والمستثمرين الأجانب.. كلهم يعتمدون علي الصندوق ومناقشاته مع الدولة المعنية.. ومن ثم عندما ينتهي الطرفان بالتوقيع علي ما يسمي "باتفاق المساندة" يبدأ الكل في التحرك.. سواء يمنح هذه الدولة قروض أو مساعدات في صورة منح لا ترد.. فضلا عن تحرك الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر نحو هذه الدولة. لأن الأمر ببساطة شديدة.. عندما تتقدم الدولة بطلب للحصول علي قرض.. يطلب منها الصندوق التقدم ببرنامج تحدد فيه أوجه صرف هذا القرض.. وأن يتضمن مجموعة من الإصلاحات في المجالات الاقتصادية المختلفة، فالدولة ذاتها هي التي تضع البرنامج وتتقدم به للصندوق.. بعدها يقوم خبراء الصندوق بمناقشة الوزراء المعنيين عن كيفية التنفيذ وتوقيعه.. ومدي تأثر الفئات الفقيرة بذلك.. وهل هذه الإجراءات سوف تسمع في أنشطة أخري من عدمه؟.. فمثلا إذا تعهدت الدولة بخفض عجز الموازنة من 11.5 حاليا إلي 9.5 خلال عامين، فلابد من توضيح تفاصيل هذا الإجراء.. هل سيكون بزيادة الموارد أم بترشيد النفقات؟.. وإذا كانت الأخيرة.. فكيف ستتم؟.. وهل علي مرحلة واحدة؟.. أم بالتدريب؟.. فمثلا في حالة مصر.. هناك إجماع علي أن الدعم لا يذهب إلي مستحقيه، فمثلا 66٪ من دعم الطاقة يصل إلي 20٪ فقط من مستحقيه، كما أن 7٪ من أفقر المواطنين في مصر يحصلون علي 7٪ فقط من الدعم الحالي. والكل يعلم أن هذا الدعم يمثل ضغطا كبيرا علي الموازنة العامة للدولة.. ويكاد يكون سبب العجز المزمن فيها والذي بلغ هذا العام- بنهاية يونيو القادم- حوالي 200 مليار جيه..فهل يمكن أن يستمر الوضع علي ما هو عليه؟.. هل نظل كالنعامة ندفن رؤوسنا في الرمال عند مواجهة المشاكل؟.. أم آن الأوان لمواجهتها والعمل علي حلها.. وهل يضيرنا شيء إذا استعنا ب "بيت الخبرة" الدولي في هذا المجال.. وهو صندوق النقد الدولي؟ فالإصلاح مطلوب في كل الأحوال.. ومدي علمي أن الصندوق لم يطلب من الحكومة والوزراء سوي توضيحات حول: كيفية خفض عجز الموازنة.. وأن يتم إصلاح الخلل في موضوع الدعم وأن يتم ذلك بالتدريج، وأن تزال العوائق أمام التجارة الخارجية وأن يتم مصارحة الشعب قبل اتخاذ أي جراء.. أي أن يتم التنفيذ بشفافية كاملة. هذا مع الاتفاق علي "المراجعة" كل ثلاثة شهور، وأن يتم إفراز شرائح القرض طبقا للاحتياجات المصرية، مع الوعد بمنح مصر حوالي ثلث القرض في أول شريحة.. والتي سوف تصرف مباشرة بعد توقيع الاتفاق والمقرر أن يتم خلال خمسة أسابيع فقط من الآن. تبقي مسألة وجود ممثل مقيم للصندوق في مصر.. وهي ليست جديدة علي مصر وليست بدعة دولية.. فقد شهدت مصر خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي وبدابة الألفية الحالية وجود أربعة ممثلين للصندوق.. أولهم كان بريطانيا والثاني هنديا والثالث إيطاليا والأخير كان باكستانيا.. وهو نظام يتم العمل به في كافة الدول التي توقع اتفاقات مع الصندوق والهدف منه سهولة الاتصال والمتابعة.. وتقديم المساعدات الفنية التي تحتاجها الدولة العضو طوال تنفيذ الاتفاق الذي غالبا ما يستغرق ثلاث سنوات.