ترامب وأردوغان يبحثان هاتفيا قضية خاشقجي    المصري: نخاطب 4 جهات للعب في بورسعيد    التحريات: السيطرة على حريق نخيل الصف منع كارثة بخط الغاز    السيطرة على حريق مصنع إسفنج في أبوالنمرس    شاهد بالصور .. مدير أمن القاهرة يقود حملة أمنية ليلية مكبرة إستهدفت القاهرة الجديدة    «تحيا مصر»: سددنا ديون 2896 غارما وغارمة حتى الآن    صور| محافظ أسوان و 4 وزراء يشهدوا فعاليات تعامد الشمس ب«أبو سمبل»    التلفزيون هذا المساء.. خالد أبو بكر يشيد بإجراءات السعودية فى قضية "خاشقجى".. صاحبة أطول غطسة تتحدث ل"كلام ستات".. "صبايا" يعرض تجربة طفلين مع "التنمر المدرسى".. و"كل يوم" يفتح ملف الحضانات الإسلامية    نجل الفنان محمد فوزي: والدي كان سابق زمنه في الغناء رغم تعاقب الأجيال    وزير قطاع الأعمال يشهد    المواد الممتدة ترهق "أولي ثانوي"    جارديان : أرودغان "وحشي" .. مع الأعلام    بالفيديو والصور- مزرعة برسيق السمكية.. حلم أهالي البحيرة في غليون جديدة    الحبس لأم ضربت ابنتها حتي الموت    صندوق تحيا مصر: 30 مليون جنيه للإفراج عن الغارمين والغارمات - فيديو    فييرا يوضح سبب تفضيل الإسماعيلي.. والفرق بين عودته لمصر عن المرات السابقة    المصري يشكو "فيتا" بعد المضايقات المتعمدة    اتصال هاتفي مسجل يكشف ألاعيب الزمالك    أمين الفتوى: "الإيشارب" وغطاء الرأس ليسا من الحجاب    كشف طبي شامل لأعضاء التدريس والعاملين بجامعة أسوان    فرصة لبكرة    وزير قطاع الأعمال: شركات الأدوية الحكومية تنتج 6% فقط من متطلبات السوق    «بصمة» صلاح لاتنسى فى كتاب التاريخ «الإنجليزى»    معهد التخطيط يدعو لإعادة هيكلة المدن القديمة    دواوين الوزارات × 24 ساعة.. مدبولى ينيب وزير الأوقاف لحضور ندوة الأزهر الدولية    انتخابات المحليات ..متى؟    شمال سيناء تستعد للسيول بسيناريو لإدارة الأزمة وقت حدوثها    دعوة السيسى لوضع حجر أساس سد «ستيجلر جورج» التنزانى    بعد تهديد «ترامب» بالانسحاب المنفرد..    كواليس اجتماعات وزراء النقل العرب والعد التنازلى لافتتاح مترو نادى الشمس فى "سكة سفر"    بعد تحويله إلى كافيتريات وجراجات..    خلال استقباله نائب وزير خارجية اليونان..    «النواب» يوافق على إعلان حالة الطوارئ ثلاثة أشهر..    «الأعلى للإعلام»: بدء تلقى طلبات ترخيص الوسائل الإعلامية    مصر تعرض استضافة المقر الدائم لوكالة الفضاء الإفريقية    المسجد الصينى تحفة تاريخية.. والآثار تؤكد: ليس أثرا    المركزية للتقاوى: نقف بالمرصاد لأى تلاعب بالأسعار    افتتاح 10 مراكز لإعداد محفظى القرآن قريبا    نصار: 133.5 مليون دولار حجم الاستثمارات السويدية    رئيس الزمالك: لن أعترف باللجنة الأوليمبية ولا بقراراتها ولن أخضع للتحقيق أمامها    ميسى يغيب عن برشلونة 6 مباريات حاسمة    وزيرة الصحة : نقل اقسام مستشفى أبوتيج الى احدى الوحدات الصحية لحين تشغيل المستشفى الجديد    بالفيديو.. خالد الجندى: السماء والأرض تبكيان على الصالحين    قومى المرأة يرفع شعار «الطفل قبل الأب والأم»    رئيس الوزراء يتعهد أمام البرلمان: الطوارئ لن تنال من الحريات    «CADCAMCIM» تحتفل بإطلاق الإصدار الجديد من برنامج SOLIDWORKS    إليسا تستعد لجولة حفلات بمحافظات مصر    محمد ممدوح: عملت بمحاجر حقيقية فى «عيار نارى»    42.11مليون مستخدم للإنترنت فى مصر حتى يونيو الماضى    «المالية» تتحوط من تهرب الشركات الأجنبية من الضرائب    إسرائيل تتراجع عن هدم «خان الأحمر» تحت الضغط الدولى والفلسطينى    خالد النبوى: «الناس لبعضيها» للتشجيع على التبرع بالدم    صدام بين اتحاد الكرة و«شوبير» بسبب بند ال8 سنوات    حزب «بارزانى» يفوز بالأغلبية فى انتخابات كردستان ما يؤهله لرئاسة الإقليم    «المصريين الأحرار» يطلق مبادرة «يلا سياسة» للتوعية السياسية    «النور من حقك» لمكافحة العمى لغير القادرين برعاية الأورمان    وكيل وزارة الأوقاف السابق: الرجم عقوبة "تبادل الزوجات"    أقلعتُ عن كبيرة كنتُ أقع فيها فهل يتقبَّل الله توبتي؟.. "البحوث الإسلامية" يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الدگتور محمد عناني عميد المترجمين يعترف:
المشهد الثقافي حالياً في ازدهار مستمر
نشر في الأخبار يوم 07 - 09 - 2010

هو شخصية ثرية.. أعطت بصدق ما لديها ومازالت من أجل خدمة الثقافة والمثقفين سواء في الجامعة أو خارج أسوارها.. لذلك نراه دائما يتفاعل مع الاحداث الثقافية وكثيرا ما يحاول أن يكون جزءا منها أو شاهدا عليها، واتقانه وسمعته الطيبة في عالم الترجمة علما وتدريسا ساهم كثيرا في تدعيم دوره خاصة بالنسبة للأدباء والمفكرين الآخرين إذ يحرص علي الدوام علي نقل أفكارهم إلي لغات الآخرين.. والدكتور محمد عناني دائم التألق سواء فيما يكتبه أو فيما يترجمه.. من أجل ذلك ولأسباب أخري هو ضيف هذا الحوار الرمضاني الذي يتحدث فيه بصراحة.. فتعالوا نقرأ مايقوله:
وسط هذا الزخم الثقافي الذي نعيشه أين نجد بصماتك؟
- عملي الأصلي أستاذ غير متفرغ بقسم اللغة الانجليزية بكلية الآداب جامعة القاهرة، ولكن نشاطي الثقافي الفعال هو عملي مستشارا لرئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، وقد بدأت هذا النشاط الفعال منذ عشرين عاما مع سمير سرحان ثم ناصر الأنصاري، رحمهما الله وكنت أركز عملي في شئون النشر ثم تحولت إلي الترجمة وتوليت الإشراف علي سلسلة الألف كتاب الثاني في عام 0002، كما توليت في 6891 الإشراف علي سلسلة الأدب المعاصر بالانجليزية التي توقفت عام 4002 وكانت تنشر ترجمات إنجليزية لكبار الكتاب العرب والمصريين خصوصا، إلي جانب رئاسة تحرير مجلة المسرح التي بدأت فصلية عام 6891، ثم تحولت إلي شهرية ثم عادت الآن فصلية، فأنا أعيش في خضم الحراك الثقافي الحالي غير المسبوق.
كيف تري المشهد الثقافي الآن ؟
- أراه خصبا ومنتجا وفعالا فالخصوبة نراها في ازدهار الإبداع الفردي في التأليف والترجمة، والانتاج نراه في كثرة المبدعين الواعدين إلي جانب الراسخين، والفعالية نراها في التأثير الكبير للمنتج الثقافي في المجتمع، وأكبر دليل علي هذا كله نهضة الكتاب الذي اصبح قادرا علي تحدي الوسائط الالكترونية، أولا بسبب مهرجان القراءة للجميع الذي حبب الشباب في القراءة، وجعل الكتاب يدخل كل بيت من خلال مكتبة الأسرة، وثانيا بسبب رعاية الدولة للثقافة بصورة غير مسبوقة في كل مجال، من الوسائط المطبوعة إلي المسموعة والمرئية، وثالثا بسبب مناخ الحرية الذي يشجع علي الابداع وينميه، المشهد الثقافي مزدهر ويبشر بكل خير.
ما المشروع الذي تمنحه وقتك الآن؟
- أنا مشغول حاليا باستكمال سلسلة ترجمات الشاعر وليم شيكسبير، فأخرجت له حتي الآن ثماني عشرة مسرحية، ومع كل ترجمة مقدمة وحواش، ولكني انشغلت أخيرا بترجمة من ظلمهم التاريخ الأدبي من أدباء العالم، فلا معني لأن نطلب من العالم ان يفهمنا دون أن نفهمه، ولذلك أعكف الآن علي تقديم نماذج مترجمة من أدب الشاعر والروائي الانجليزي رديارد كيبلنج الذي كان أول من حصل علي جائزة نوبل في الأدب من الانجليز في مطلع القرن العشرين والذي ذاع عنه أنه شاعر الامبراطورية البريطانية، ولكن هذا لا يمنع من كونه أديباً فذا صور العلاقة بين الشرق والغرب في فترة الإمبريالية، ولابد من قراءة أعماله حتي نفهم طبيعة الفكر الامبريالي الذي لم يغب عن العالم وإن غابت الامبراطورية البريطانية، وأدبه يمثل النموذج الحي للفكر الاستشراقي الذي هاجمه إدوارد سعيد.
هل تري أن المرأة الأديبة والمثقفة بدأت تحتل مكانتها الآن؟
- بدأت المرأة الأديبة والمثقفة تشق طريقها، ولو لم تصل تماما، إلي دورها المطلوب في بلدنا المتقدم، وذلك بسبب نهضة الفكر النسوي في الجامعات والمجتمع المدني، و أساسا بسبب تشجيع الدولة، وخصوصا السيدة الفاضلة سوزان مبارك، ولكن احتلال المرأة لمكانتها الجديرة بها لم يكتمل بعد، ربما بسبب المعارضة المضمرة أو السافرة من أصحاب الفكر السلفي، وربما لأن المجتمع لم يتخلص تماما من سيادة الثقافة الأبوية أو الذكورية، ولكن المرأة قد بدأت، وأهم ما في هذه البداية أنها واعية ثابتة الخطي، وليست متأرجحة أو مترددة أو مهتزة، فالمساواة في التعليم وفي فرص العمل فتحت الأبواب أمام المرأة وأتاحت لها أن تُسمع الآخرين صوتها.
السياسة والثقافة
هل تري أن السياسة تتحدث في واد والثقافة في واد آخر؟
- السياسة بالمعني الحديث هي العمل لصالح المجموع وفقا لما تراه الأغلبية، وأما ما يمثل هذا الصالح وهذه الرؤية فتحدده ثقافة بلد من البلدان ويتولي ذلك نخبة المثقفين في جميع المجالات، فمن الطبيعي أن تتولي الثقافة تحديد التوجه السياسي لذلك البلد، وأن يتجلي في سياساتها فكر المثقفين، فإذا حدث تعارض كان علي الطرفين أن يتحاورا من جديد وصولا إلي الوفاق، وهو ما لابد منه حتي لا يؤدي التعارض إلي صدام والصدام إلي تفكك، ولكن نظرا لتعدد وجهات النظر لدي المثقفين كان علي الساسة أن يبدأوا بالسعي للحوار وأن يصغوا لكل الآراء، هذا النموذج قد يكون مثاليا، مثل الزواج ولكن الزواج ليس مثاليا في جميع الأحوال، ولذلك فالافتراق بين السياسة والثقافة وارد مثل التلاقي، ولكن علي الطرفين »مثل الزوجين« أن يعملا علي إنجاح العلاقة.
هل لك تلاميذ تعتز بهم؟
- معظم تلاميذي أصبحوا الآن أساتذة أعتز بهم في الجامعات وخارجها، وبعضهم شعراء موهوبون ونقاد بارزون مثل بهاء جاهين، وهم يذكرونني مثلما اذكرهم، وكثيرا ما أفاجأ بمن يكتب كتابا يذكر فيه أستاذيتي، وأما في الترجمة فالفضل يرجع إلي إنشاء المركز القومي للترجمة، ذلك الحلم الرائع الذي تحقق بفضل رؤية جابر عصفور العبقرية وتأييد الفنان العظيم فاروق حسني، الفضل يرجع للمركز في تقديم الفرصة لكثير من تلاميذي، والتعاون مع الراسخين الآن منهم مثل أحمد محمود وغيره، وأرجو أن يزداد سطوع نجم هؤلاء في المستقبل.
أنا غير راض
انتاجك ثري ومتنوع ما بين التأليف والترجمة فهل يوجد بينهم عمل أنت غير راض عنه؟
- أنا غير راض عن معظم الشعر الذي كتبته ونشرته، وغير راض عن بعض المسرحيات التي كتبتها وكنت أقبل تعديلات المخرجين والممثلين قبل العرض وأثناء العرض وفي ظني أن عملي بالنقد والترجمة لفت نظري قبل انظار الجميع إلي عيوبها، ولكنني لم أحاول علاج هذه العيوب في النسخ المطبوعة، فلكل مخرج وجهة نظر، وقد يأتي مخرج في المستقبل فيدخل تعديلات من نوع آخر، ومن يدري؟ فقد يكون ما يراه أحدهم عيبا يكون ميزة في نظر آخر.. وأما روايتي الوحيدة »الجزيرة الخضراء« فأنا أدري الناس بعيوبها ولو عدت شابا لأعدت كتابتها.
ما العمل الأدبي أو الفكري الذي مازال جنينا بداخلك؟ وهل هناك مؤلف من مؤلفاتك لم يأخذ حقه بعد؟
- بعد أن قضيت السنوات العشرين السابقة في قراءة ما كتب في إطار ما يسمي النقد الثقافي أتمني ان اكتب كتابا شاملا عنه، وأنا علي أية حال اقدم لمحات من هذا النقد في مقدماتي لشيكسبير، وأما الكتاب الذي لم يأخذ حقه بعد في نظري فهو »حكايات من الواحات« الذي كتبته باعتباره الجزء الرابع من سيرتي الذاتية »واحات العمر« ولكنه تحول إلي تأملات فنية وفلسفية بأسلوب قصصي استمتع به من قرأه، فهي حكايات صادقة طريفة جديرة بالقراءة.
حياتي الخاصة
قدم نفسك إلي القراء وعلاقتك بأصدقائك وأسرتك ؟ وهل يوجد صديق تخصه بالاطلاع علي انتاجك قبل نشره؟
- أنا أقيم في القاهرة ولكن معظم أسرتي في الإسكندرية لاننا جميعا من مدينة رشيد بمحافظة البحيرة، واصدقائي من موطني تفرقوا، وتوثقت علاقتي بصديق المدرسة في القاهرة أحمد السودة، الذي صعد في سلك القضاء حتي أصبح نائب رئيس هيئة النيابة الادارية، فهو صديق العمر، وأنا متزوج من قاهرية والدها من المنوفية ووالدتها من كفر الشيخ، هي الدكتورة نهاد صليحة، الأستاذة المتفرغة في أكاديمية الفنون وناقدة المسرح في صحيفة الأهرام ويكلي الانجليزية، ولي ابنة واحدة هي الدكتورة سارة، التي تعمل مدرسة في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، وهي عضو في فريق الغناء الأوبرالي بدار الأوبرا المصرية، بعد ان درست الموسيقي في الكونسرفتوار، وكثيرا ما تكونان أول من يقرأ ما أكتب، وأما الصديق الصدوق الذي لابد ان أعرض عليه ما أكتبه قبل نشره، وآخذ برأيه دائما فهو الدكتور ماهر شفيق فريد، زميلي حاليا في الجامعة في القسم نفسه، والواقع أنه لا يبخل علي بالجهد ولا بالرأي، فهو موسوعة أدبية قائمة برأسها، أضف إلي ذلك صديقي القديم ماهر البطوطي الذي أصبح يقيم الآن في نيويورك، ونتراسل بالبريد لأنني لم اعتد فنون الكمبيوتر و»الإيميلات« بعد!
هل عرض عليك منصب ورفضته؟
- نعم فقد عرض علي عام 2891 أن اصبح مسئولا عن العلاقات الثقافية الخارجية بوزارة الثقافة، ولكني كنت أعرف من أستاذي المرحوم مجدي وهبة أن العمل المكتبي شاق، فرفضت، وفي عام 7891 عرض علي منصب الرقيب علي المصنفات الفنية، وهذا منصب لم أجد في نفسي القدرة ولا الجرأة علي شغله! فرفضت شاكرا.
صورة الحب
هل تزوجت عن حب؟
- عرفت زوجتي عندما كانت طالبة وأحسست فيها بكل عناصر التوافق فصادقتها، والصداقة الحقة ربيبة التناغم، فلم أكن استطيع البعد عنها مثلما كانت تريدني دائما إلي جوارها، وعشنا عشر سنوات معا في انجلترا أنجبنا فيها ابنتنا الوحيدة التي أتمت الانصهار بيننا.. أما عواطف مجنون ليلي وأغاني الجارم »مالي فتنت بلحظك الفتاك؟« فمجالها الشعر والأدب.
كيف تنظر إبنتك الوحيدة إلي انتاجك الفكري والأدبي؟
- ابنتي سارة تحب ما أكتب »كل فتاة بأبيها معجبة« ولكنها ناقدة حصيفة لي أدبا وفكرا وترجمة، وكثيرا ما اطلب مراجعة شئ فتقترح ما تقترح وآخذ به، الواقع أنني أحب أن أصغي إلي ما يقوله الجيل الجديد، فبلاغة العربية التي درجت عليها قد اختلفت عن بلاغة اليوم، وخبرة الجيل الجديد بمسرح اليوم تختلف عن خبرتي.
نيللي جارتي
ماذا عن جيرانك وتفاصيل علاقتهم بك؟
- يقيم في منزلي عدد من ممثلي الطبقة الوسطي التي اعتدنا علي احترامها في الستينيات من أطباء ومهندسين وضباط إلخ، ولكن المنزل أصبح يسمي منزل نيللي لأن الفنانة العظيمة نيللي تقيم فيه، وهي تعرفني أنا ونهاد زوجتي، ونتبادل التحية عندما نتقابل عرضا علي السلم، وأنا أحترمها، وفي الشقة المجاورة طالبة تزوجت وأنجبت ولكنها لا تزال علي علاقتها الودية بأسرتنا مثل المرحومة والدتها.
وهل يعلم أحد منهم بشهرتك كمفكر؟
- جارتي الصغيرة ذات التعليم الفرنسي تعرفني خير المعرفة، وكذلك زوجها المثقف، وكثيرا ما يقرأ كتبي، بل أحيانا أترك الكتب التي لا احتاجها »بسبب تكديس الكتب في غرفة المكتب« أمام الباب حتي يأخذ منها ما يريد.. ولا أتردد في تقديم كتبي لمن يطلبها من العاملين بالسوبر ماركت الذي أتعامل معه، فمن بينهم اثنان مثقفان يهويان القراءة، وأما المكوجي فهو يسمي شقتنا بشقة الناقدة لأنه يقرأ مقالات زوجتي وكتبها »ولو بالانجليزية!«
مصادر المعرفة
ما أهم مصادر المعرفة التي أثرت في مسيرة حياتك وساهمت في تكوين فكرك ؟
- لاشك أن المصدر الأول هو تعليمي في الكتاب قبل أن انتقل إلي المدرسة الحكومية، فحفظ القرآن في الصغر رسخ لغتي العربية وحببني فيها وكان والدي رحمه الله يشجعني ويغريني بحفظ الشعر وأنا بعد أزغب الحوصلة، فتشربت لغتنا وعشقت تراثها، ولكنني درست الأدب الانجليزي في الجامعة، ولولا معرفتي بالعربية ما أتقنت معرفة الانجليزية، ولكنني كنت أؤمن دائما بأن الهدف الأسمي من دراسة الآداب الأجنبية هو إثراء آدابنا القومية، وكان علي أن أحكم معرفتي بالأدب الغربي إذن، وهو ما استغرق عشر سنوات كاملة عشتها في انجلترا، واكتشفت فيها أن اللغة فكر وثقافة، فجعلت أنهل ما شاء الله لي أن أنهل من مواردها، وانتهيت إلي أن أهم مقومات المترجم الناجح »بل والأديب الناجح« هو استيعابه للغته القومية وثقافتها، وأفضل المترجمين أفضل من يعرفون العربية، فالقدرة اللغوية »قوة واحدة« كما يقول الجاحظ في سياق آخر فرجعت بعد سنوات إلي العربية، وإن كانت معظم قراءاتي اليوم »بسبب مهنتي« باللغة الانجليزية، وأما عن الفكر الثقافي فأنا أؤمن بدعوة العقاد إلي الحرية، وهو الذي كان - ومن بعده زكي نجيب محمود- رمزا للكاتب الذي يعرف كيف يفكر تفكيرا حرا مهتديا بالدراسة الأجنبية، ودون أن يجور علي تراثه الأدبي والفكري.
المستقبل بالتفصيل
لو طلب منك أن تقدم رؤية مستقبلية عن مصر بعد 02 - 05 سنة فماذا تقول؟
- أخشي كثيرا علي مستقبل مصر العربية من الانحلال اللغوي الذي تشيعه محطات التليفزيون الفضائية، إذ أصبح بعضها المصدر الرئيسي لثقافة وفكر نسبة كبيرة من أبناء الجيل الجديد، وفي هذا خطر أي خطر علي الثقافة والهوية القومية، وأتمني وما علي الله ببعيد ان تعود إلي التدريس بالفصحي مكانته، وأن يصبح رجال الإعلام ونساؤه مثلا تحتذي في الحديث والكتابة بالفصحي، مثلما كانت الإذاعة المصرية نبراسا لها يوما ما، وليت الجميع يذكرون أن اللغة القومية عماد الهوية القومية، فلا تقدم يرجي ولا أمل يتحقق إلا إذا استمسكنا بهذه اللغة، فهي كما أقول دائما متاح كل شيء، وأتمني ان يصبح المثقفون وعلي رأسهم أئمة العربية نجوم المجتمع بدلا من »نجوم« كرة القدم والسينما والأغاني.
أستاذي.. شكري عياد
هل أنت راض عما قدمته من مساهمات في حياتنا؟ وهل لديك المزيد؟
- معظم انتاجي الأدبي في مجال الترجمة من اللغة الانجليزية إلي العربية والعكس، وقد بهرتني في البداية اضواء الإبداع مبكرا فكتبت شعرا ونثرا ثم أدركت أنني لن أصل إلي القمة التي أرجوها بعد أن درست النقد وتخصصت فيه، وخصوصا بسبب علاقتي الوثيقة بشاعر القمة صلاح عبدالصبور، وبأستاذي العظيم شكري عياد، إذ دلني هذا وذاك بطرائق مختلفة علي أن الابداع كالشعر » صعب وطويل سلمه«، ثم شغلت بدراستي الأكاديمية التي لم تترك لي وقتا لمعاناةالابداع، فغيرت وجهة سفيني مستفيدا من كل طاقة ابداعية في داخلي في تقديم الفكر الغربي والأدب الغربي إلي قراء العربية، وعندما فزت بجائزة الدولة التقديرية عام 2002 أحسست ان الذي اقوم به مثمر، كما ان نجاح كتبي المترجمة والمؤلفة، ومن بينها كتاب أعتز به وهو المصطلحات الأدبية الحديثة 6991 الذي طبع عدة طبعات قبل بداية القرن العشرين، كان دليلا علي أنني اسير في الطريق الصحيح، وأنه لا حاجة إلي البكاء علي رحيل »ربات الشعر« أو شياطينه، فالحياة مع هذه الشياطين تورث السقم بل الجنون كما يقول بعض الشعراء! لست راضيا قطعا عما قدمته، علي كثرته، لأنني كنت ممزقا بين الإبداع الأدبي والابداع الفكري، وكان شكري عياد يحذرني من التردد، ولم أصغ إلي نصيحته إلا في وقت متأخر.
أما مشروعي الآن فهو استكمال ترجمات شيكسبير وتقديم المزيد من آداب الغرب، ولي في المطبعة معجم المختصرات الانجليزية الذي يقع في أكثر من ألف صفحة، فالمختصرات قد غزت حياتنا حتي أصبحنا نكتبها بحروفها اللاتينية في متون النصوص العربية، ولمست مدي حاجة القارئ، لا المترجم وحسب إلي معرفة ما ترمز إليه، أو ما تعنيه، فعملت علي جمعها سنوات طويلة، وأضفت إليها كل ما يستجد من مختصرات علي مر السنين العشرين الماضية، حتي أكتمل وأظن أنه سوف يسد فجوة واضحة ويفي بحاجة ملحة عند قراءة العربية.
حياتي في رمضان
هل ترك شهر رمضان آثاره في وجدانك؟
- رمضان كان شهر الخروج إلي الخلاء بعد الافطار لتطارح الشعر بعد صلاة التراويح »القيام« في مسجد المحلي »لأن بانيه من المحلة« في بلدتنا رشيد، وكانت معي مجموعة من الدارسين في الأزهر وفي دار العلوم، وكانوا يتفاخرون بإجادتهم للعربية فكان يحلو لي أن اتحداهم، فأفوز حينا ويفوزون أحيانا وبعد السير مسافات طويلة كنا نعود للرقاد ثم النهوض للسحور، إذ كان رمضان يأتي في الصيف، وحين دار الزمن وأتي رمضان في الشتاء كنت في انجلترا، وكنت أقيم في مدينة جامعية تابعة لجامعة لندن، وكان الطلبة المصريون يوقظونني في الرابعة صباحا للسحور »أذان الفجر في السادسة« ثم نذهب إلي الجامعة ونلتقي في الرابعة مساء للإفطار معا »فالمغرب في الرابعة!« وأما ما أذكره عن رمضان الطفولة والصبا فهو أن والدي كان يخصص لي مجموعة من الأبيات الشعرية أحفظها اثناء النهار، فإذا أجدت حفظها امتحنني فيها، فإذا اجتزت الامتحان كافأني بقرش صاغ كامل، وكان يكفي لشراء اللب والفول السوداني والحمص والجيلاتي، وكانت الأبيات في الكتاب مقسمة وفقا للقافية »وللروي تحديدا« وتقع في 92 جزءا علي حروف الهجاء، وأسعدني أن أجد جزءا لا يتضمن إلا بيتا واحدا لأنه ينتهي بحرف »الظاء« فحفظته بسرعة وقضيت بقية النهار في قراءة المجلات وهو ما كان والدي يعتبره إهدارا للوقت وأما البيت فهو:
»إياك أن تعظ الرجال وقد .... أصبحت محتاجا إلي الوعظ«. ومن الطبيعي أن تثبت الأبيات التي حفظتها في ذاكرتي دائما، وعندما علمني خالي الطبيب- رحمة الله- نظم الشعر وأنا لم أتجاوز العاشرة كنت أحاكي أوزان تلك الأبيات وأتلذذ بتنويع الأنغام فيما اكتبه ولم يكن يرقي بطبيعة الحال إلي مستوي الشعر.
لو أقمت مأدبة إفطار في هذا الشهر فمن تدعو إليها؟
- لقد نسيت مآدب الإفطار من زمن بعيد، ولو عدت لدعوت أرواح من فارقونا وهم يعيشون بيننا في الخاطر والوجدان، وعلي رأسهم أساتذتي الذين علموني في الجامعة مثل شكري عياد ويوسف خليف، ومجدي وهبة، وخارج الجامعة مثل لويس عوض وعبد القادر القط، وأظن انهم لو كانوا بيننا لزادوا من ارشادنا في الثقافة والأدب واللغة بل والحياة، وأظن ان نقاشنا كان يمكن أن يمتد إلي مالا نهاية، فأنا أؤمن بما قاله لي شكري عياد ذات يوم »أثناء مناقشة ابنته هدي في رسالة الماجستير« من أن الأدب أدب بأي لغة، واعتقد أن ذلك كان ما يؤمن به كل منهم، فكان لويس عوض يعلمني الشعر الإنجليزي في منزله كل يوم أحد وأنا طالب في قسم اللغة الانجليزية عام 7591- 8591، فأحس أن اختلاف الشعراء يؤكد وحدتهم، وكان مجدي وهبة يشجعني علي الترجمة ويراجع ما أترجم، وشاركته في كتابة كتاب عن الشاعر والناقد الانجليزي جون درايدن »أبي النقد الانجليزي« عام3691، وكان يحثني علي الاهتمام بما يسميه التوازي بين اللغتين، وقد خلف رحمه الله معاجم لا تستطيع مجامع لغوية انجازها، ومازلت أدين لعبدالقادر القط بدرسه في الصراع بين الإبداع والنقد، وأدين ليوسف خليف بمقدمته في ديوانه نداء القمم التي بين فيها مزايا التنوع في بحور الشعر العربي، وأظن أن مائدة الافطار سوف تتحول إلي مأدبة فكرية مثل مآدب أفلاطون!
مسار حياتي
هل شهدت حياتك نقطة تحول؟
- كان الخط الفاصل، كما يقول جمال الغيطاني، هو تجربة المرض، لا احد في بلادنا يهتم - أو حتي يعترف- بالمرض، كأنما لا تتكون دنيانا إلا من أصحاء، ويستحسن أن يكونوا في أتم صحة حتي يستطيعوا مجالدة موج الحياة الطامي، ولكن المرض حقيقة ولها فوائدها الكثيرة، ومازلت أذكر كيف ضربت مقود السيارة بقبضتي عام 2991 حين أبلغني الطبيب أنني مصاب بالمرض اللعين! الآن؟ وأنا من دون الناس؟ سعيدا مزهوا بنجاح مسرحيتي »جاسوس في قصر السلطان« التي أخرجها المرحوم كرم مطاوع وقدمت في فبراير ومارس من العام نفسه علي خشبة المسرح القومي، وأتصور أن الدنيا دانت لي، ولا أزال أذكر كيف كنت مسرورا لرد فعل الجمهور وأنا أتجول في أبهاء المسرح! كان المرض صفعة أفاقتني من الأحلام، فليس الإنسان سوي مضغة من لحم ودم، يظن أنه ملك الدنيا عندما ينجح فينسي أنه بشر من طين ضعيف، واقتضي العلاج أن أسافر إلي باريس، فيتناول الاطباء وجهي يقطعونه كما يحلو لهم، وكان علي أن أخوض ثلاث جراحات، وكانت آخرها نتيجة العلاج بالإشعاع، الأمر الذي استدعي بقائي في المستشفي خمسة أشهر كاملة، حبيسا في غرفة صغيرة، ولولا اصطحاب زوجتي وابنتي لي لطار عقلي.
كانت فترة المرض أقسي درس تلقيته، وعرفت في أن المرء عندما يقف عند حافة الدنيا ويري طريق الآخرة الطويل يعرف قيمة الحياة، ويقدر قيمة كل لحظة يحياها.. وبدأ تغيير المسار، لا أقول إنني انعزلت عن الدنيا أو خاصمت الدنيا بل أقول إنني عدلت من منهج حياتي، فنبذت حياة السهر ولو في المسرح وارتياد المنتديات والحفلات مهما تكن، وقررت أن استعمل عيني فيما خلقنا له، ذاكرا نصيحة الدكتور عبدالحميد يونس لكفيف يريد القراءة ولا يملك المال اللازم إذ قال له انتفع بعيني إنسان لا يعرف كيف ينتفع بهما، كان ذلك عام 9591، ولن أنسي العبارة ما حييت.
ومن أهم ما خرجت به من تجربة المرض، إلي جانب تقدير قيمة الوقت، الاحساس بقيمة الصداقة الحقة علي المستوي الإنساني، ممثلة في سمير سرحان، الشهم النبيل، الذي وقف إلي جواري طيلة المحنة، ولم يتوقف عن مخاطبتي تليفونيا وأنا في باريس حتي زف إلي بشري تعيين جابر عصفور أمينا عاما للمجلس الأعلي للثقافة، ناهيك بالاصدقاء والتلاميذ السابقين الذين كانوا يتصلون بي ويرسلون الخطابات المنتظمة، ومازلت أذكر كيف اتصل بي رفعت لطفي رئيس القسم العربي بالأمم المتحدة في جنيف للاطمئنان عليّ وأصر علي أن أذهب للعمل معه مادمت سوف اغادر المستشفي، وعندما ذهبت في أكتوبر ونوفمبر 3991 كان ترحيب الزملاء المصريين يصعب وصفه.
المرض معلم رباني يذكر المرء بقيمة حياته، ومنذ تلك اللحظة وأنا متفرغ للقراءة والكتابة، كتبت مسرحيات الفصل الواحد التي قال فؤاد دوارة -رحمه الله - انها افضل ما كتبت »21 مسرحية وأخرج بعضها علي مسرح الطليعة« وتلاها عدد من كتبي عن الترجمة ثم استغرقت في التأليف والترجمة حتي الآن.
تفاصيل أخري
هل اخترت مستقبلك سواء الدراسي أو العملي أم شاركك أحد فيه؟
- عندما كنت في السنة التوجيهية »الثانوية العامة حاليا« كان الدكتور جرجس الرشيدي يعمل مدرسا أول للغة الانجليزية، في مدرسة الأورمان النموذجية وكان يصحح لي المسرحيات القصيرة التي أكتبها بالانجليزية آنذاك، وكان يشجعني علي دراسة الأدب الانجليزي، ولكنني كنت أهوي التأليف المسرحي وأريد ممارسة تلك المهنة، وأتصور في نفسي قدرة علي الكتابة بالفصحي والعامية معا وأفكر في الالتحاق بقسم اللغة العربية، ولكن أستاذ التمثيل في المدرسة، عبدالمنعم مدبولي، رحمه الله، قال لي إن كتابة المسرح تقتضي دراسة أدب المسرح، ثم قال بالعامية عبارة لا أنساها قط »ادخل قسم الانجليزي وادرس شيكسبير والحاجات دي تبقي مؤلف!« وعجبت من اتفاق أستاذ الانجليزية مع استاذ التمثيل حول ذلك، لكنني استمعت للنصيحة والتحقت بالقسم، وإن كان أول لقاء لي مع شيكسبير يمثل صدمة، فمسرحية مكبث التي كنا ندرسها في السنة الأولي مكتوبة بلغة لا نتكلمها اليوم، ولكن صورة التأليف الموعود كانت تغريني بالمثابرة وتمنحني القوة علي المجالدة، ودارت الأيام وقدر لي أن اترجمها إلي الشعر العربي الفصيح في عام 5002.
وفي الكلية كان رشاد رشدي رحمه الله يعشق الدراما مع تخصصه في الرواية، ويدرس لنا الشعر والنقد، وعندما قدمت أولي مسرحياته الفراشة كنت قد وجدت فيه المثل الذي احتذي به في كتابه المسرح ولو لم ينجح، فمسرحيتي الأولي الدرجة السادسة لم تر النور قط بل ولم أحاول نشرها، لكن وجود عاشق للمسرح علي رأس القسم العلمي كان كافيا لحفزي علي المواصلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.