دخل اعلام لبنان مرحلة «فوضى استطلاعات الرأي» التي تنهال على اللبنانيين عبر كل أنواع وسائل الاتصال والاعلام بما فيها الصحف والتلفزيونات والمواقع الالكترونية والهواتف النقّالة التي تستغل قرب الاستحقاقات لتكلف الجمهور مبالغ مالية مقابل الحصول على الآراء وتلقي نتائج الاستفتاء. هذا الواقع أصبح أشبه بمناظرة اعلامية محورها استطلاعات الرأي وأرقامها المنشورة على صفحات الصحف وشاشات التلفزة. وفي حين تدل هذه الظاهرة في الدول المتقدمة على رقي العمل الميداني في مختلف المجالات، لا سيما في الاقتصاد والاجتماع والسياسة للعمل على تحسين مواضع الخلل او نقل صورة شفافة عن واقع الحال، فإن غزارتها في لبنان لا تعكس الا صورة ضبابية للواقع الاعلامي المنقسم سياسيا وطائفيا والذي بات رهينة الوضع السياسي وأزماته وما ينتج عنه من مشاحنات أصبحت خبز اللبنانيين اليومي. وفي محاولة لدخول غمار هذه الاستطلاعات وما تخبئ في خفايا الأسئلة المطروحة، يمكن الاستنتاج أنها محاولات فاشلة ليس فقط للتكهن بما قد تؤول اليه المستجدات على كل الصعد، انما حتى للاطلاع على أوضاع الشعب اللبناني ومشكلاته وبالتالي توجّهاته السياسية، وذلك نظرا لافتقاد هذا النوع من الاحصاء أدنى شروط الاستفتاء الذي يضمن نجاحه من جهة ويوصل الى حقائق من جهة أخرى. أسئلة عامة لا تنحصر بموضوع محدد. تبدأ بالسياسة ولا تنتهي بالفن، لتمرّ الى ما يشبه التوقعات وخصوصا تلك التي تدور في الفلك السياسي اللبناني وما ستؤول اليه الأزمات الحالية. أما الأكثر رواجا هذه الايام فهي الانتخابات الرئاسية وامكانية انتخاب الرئيس أو عدمها والى أي فريق ينتمي؟ مرورا بسلاح المقاومة والقرارات الدولية وعلاقة لبنان بالقضايا الاقليمية، وصولا الى امكانية وقوع حرب أهلية أم لا... أرقام من كل حدب وصوب، ونتائج تختلف في الدقيقة الواحدة بين وسيلة وأخرى مع عدم اختلاف في مضمون الطرح. كل جهة سياسية تتولى اعلان استفتاء معيّن لحث المشاهدين على المشاركة والإدلاء بآرائهم انطلاقا من توجهاتها وادائها دور المنبر لمرجعيتها، بما لا يمت بصلة الى الحيادي الذي يفترض أن تتمتّع به هذه المؤسسات. أما النتائج فهي بالتأكيد ترجّح كفّة الاتجاه السياسي لهذه الوسيلة او تلك من خلال اصوات مناصريها انطلاقا من تأييدهم السياسي أو الطائفي، وذلك نظرا لحصرية المشاهدة والمتابعة من فئة معينة دون غيرها لهذه الوسائل التي تستقطب هؤلاء المناصرين والمؤيدين وكأنها ترشدهم الى النتيجة مسبقا. تضيع الحقائق ويضيع معها دور استطلاعات الرأي الفعلي التي تتحول الى بوصلة تسيّر خطى اللبنانيين السياسية والطائفية، وهي في الوقت عينه لا تفي بالغرض الذي ينتظر أن تحقّقه نتائج استطلاعات الرأي وخصوصا لجهة اجراء تحسينات ومعرفة مكامن الخلل للقضاء عليه. يصف مدير مركز بيروت للأبحاث عبدو سعد هذه الفوضى الاحصائية التي تعمّ وسائل الاعلام اللبنانية بالعينة غير العلمية التي لا تمثّل نموذجا صحيحا للمجتمع اللبناني بتنوّع طوائفه وتوجهاته السياسية. «لا يمكن الاعتماد على نتائجها المتناقضة بين مؤسسة اعلامية وأخرى لأن المستطلعين في هذا النوع من الاحصاء لا ينتمون الا الى جهة بعينها فيصوتون انطلاقا من خلفياتهم السياسية المنقسمة مناطقيا وطائفيا وحزبيا». فيما تعلّق أستاذة الاعلام في الجامعة اللبنانية الدكتورة مي العبد الله على هذه الفوضى بقولها: «هذا الواقع دليل واضح على غياب المهنية وعدم الاهتمام بالبحث العلمي. وكل من يقوم بهذا العمل العشوائي يعتبر نفسه انه يستفتي الرأي العام ويستطيع أن يصل الى نتائج تخوّله دراسة الواقع اللبناني، ولكن في الحقيقة لا يمكن الاعتماد على هذا النوع من الاحصاء نظرا لبعده عن المعايير الأساسية التي تبنى عليها استفتاءات الرأي وأهمّها تنوّع العيّنة وشموليتها اللذان تفتقدهما هذه الاستطلاعات». وتعتبر العبد الله ان الأرقام تلعب دور الصورة التي تشكل في وسائل الاعلام عنصر مصداقية يدعم الخبر وحيثياته. أما عندما تستعملها وسائل الاعلام اللبنانية المنقسمة سياسيا بهذه الطريقة فهي ستترك نتائج أقل ما يقال عنها أنها خطيرة لأنها تتوجّه الى الجمهور الذي لا يتمتّع بالوعي الكافي فيقع بدوره في هذا الخطأ وينجرّ الى الهدف المخطّط له من مروّجي هذه الاستطلاعات وتوجّهاتها السياسية والاجتماعية.. من هنا يجب ان يدرك القارئ أن هذه الاستطلاعات لا تتضمن ضمانة تؤكّد لنا صحّة هذه الأرقام وصدقيتها». وفي حين يعتبر سعد ان هذه الاحصاءات لا تفتقد المصداقية، «لأنها لا تعطي نتائج كاذبة"، يؤكدّ أنها لا تقدّم عملا مهنيا وعلميا يعتمد على قواعد معينة وأسس تمنح استطلاعات الرأي مصداقيتها التي تستمدّها من تنوّع العينة المستقاة والمنهجية المتّبعة اضافة الى الوسائل المعتمدة لاجراء هذا الاستفتاء». ويوضح «تعتمد معظم الوسائل المستخدمة في استطلاعات الرأي الرائجة في هذه الفترة على رسائل عبر الهاتف الخلوي أو عبر المواقع الالكترونية الخاصة بجهة سياسية معينة، فهدف الأولى تجاري محض تلجأ اليه شركات الهاتف تلبية لطلب أفراد أو مؤسسات تحصل على نسبة معينة من الأرباح فيما تحصد شركات الهاتف القسم الأكبر منها. أما هدف الثانية التي تمثّل أحزابا معينة فهي تعتمد في نتائج الاستطلاعات على مقترعين معروفين بتوجهاتهم السياسية، رغم ادراكها بحصرية قرائها وآرائهم المسبقة التي ترجّح كفّة خيار على آخر». من جهة أخرى تشير العبد الله الى أن هذه الأرقام والنتائج التي يجب أن تشكّل سلاحا يدعم الرأي والموقف، تستخدم لخداع الرأي العام نتيجة الفلتان الاعلامي المستشري. الأمر الذي انسحب بشكل مباشر على الاحصاءات التي تحرص على المهنية والشفافية، ما يفقدها ثقة الرأي العام الذي لا يملك القدرة على التمييز بين الجيّد والسيئ. وعن تأثير هذه الفوضى على الجمهور اللبناني في ظل الازمات السياسية التي يعيشها تقول العبد الله: «خلال فترة الصراعات تتحوّل وسائل الاعلام، خصوصا المحسوبة منها على جهات سياسية معينة وأحزاب، الى سلاح بأيدي الأطراف المتنافسة على حساب المصداقية والموضوعية، وهنا يصبح تأثير نتائج هذه الاستطلاعات على الرأي العام أكثر خطورة من فترة السلم، فيضلّل المتلقي الذي يتوق بدوره الى سماع ما يوافق ميوله السياسية والحزبية او حتى الطائفية». ويشير سعد الى مشكلة أخرى واساسية تحول دون امكانية الوثوق بهذه النتائج وهي فتح المجال أمام جميع الأشخاص للادلاء بآرائهم وتوقعاتهم والمشاركة من دون تحديد المواصفات المطلوبة لاضفاء صبغة التنوّع والشمولية على العينة، الأمر الذي يبعد عنها صفة المصداقية. ويضيف: «كما أن خصوصية لبنان وتنوع طبيعة مجتمعه وتعدّد طوائفه تفرض معايير محدّدة لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار، لأن حصر عينة الاستفتاء بفئة دون غيرها يفقدها تلقائيا مصداقيتها، فان الاعتماد على منطقة محددة لاستطلاع آراء أبنائها لا يمكن أن يفي بالغرض المطلوب وذلك نظرا الى توزع المناطق اللبنانية طائفيا وسياسيا، ما يضفي صبغة واحدة على نتائج الاستفتاء، والأمر نفسه ينسحب على أولئك الذين يدلون باصواتهم على المواقع الالكترونية أو الهواتف النقّالة أو حتى الصحافة المكتوبة لأن كل وسيلة من هذه الوسائل لها فئة معينة تتابعها وتترقبها فيما تغيب عنها فئات أخرى متنوّعة ومختلفة». وفي ظل انجرار اللبنانيين وراء هذه «الفورة الاحصائية» التي تجيّش الرأي العام وتحثّه على الادلاء بأصواتهم موحية بأن لمشاركتهم قيمة كبرى في تحديد وزن القوى المتنافسة على الأرض، يلاحظ مشاركة فعّالة من الشباب اللبناني المندفع لوضع لمساته في هذا الصراع، وبالتالي فان المشاركة في هذه الاستطلاعات تنحصر في فئة دون أخرى وخصوصا في تلك المنشورة على المواقع الالكترونية حيث ينحصر المطلعون بنسبة كبيرة منهم في جيل الشباب، وان تنوّعت الى حد معيّن في الصحافة المكتوبة لجهة الفئات العمرية المشاركة ولكنها تبقى في اطار مستوى ثقافي واحد... لذا تقول العبد الله: «تجاوب الشباب اللبناني مع هذا النوع من استطلاعات الرأي يعود الى اعتبارهم أن هذا الباب يفتح أمامهم امكانية المشاركة في الحدث وبالتالي مواكبة المستجدات. أما لجوء وسائل الاعلام الى احاطة الجمهور بهذا الكم الهائل من الأسئلة فتؤكد ان هدفها مزدوج يجمع بين التجاري والسياسي وبالتالي المنافسة للوصول الى أكبر عدد من الجمهور الذي يعتمد عليه لاستمرار الوسيلة الاعلامية».