غدًا.. 3 سنوات على ذكرى شهداء دير الأنبا صموئيل    محافظ القليوبية يشن حملة مكبرة لإزالة الإشغالات والمواقف العشوائية أسفل كباري الرياح التوفيقي ببنها    أسامة ربيع يكشف الإجراءات المتبعة لجذب خطوط ملاحية جديدة    المركزى يقرر تمديد وقت العمل بالبنوك    الصحة العراقية: تماثل 73 حالة للشفاء من كورونا ووفاة 3    المرور ينشر أرقام خدمة الإغاثة المرورية    تجديد حبس شخص 15 يوما بتهمة ترويج ألعاب نارية بشبرا الخيمة    صحيفة إيطالية تشيد بالشهيد أحمد المنسي وأبطال "الاختيار".. وبيتر ميمي يعلق    الصحة: تسجيل 702 حالة إيجابية جديدة لفيروس كورونا.. و 19 حالة وفاة    جامعة أسيوط تقدم تطبيقا إلكترونيا للمقررات الدراسية لجميع كلياتها    بوتاجاسكو: توزيع 24 مليون أسطوانة خلال الربع الأول من 2020    إعدام 9.5 طن أغذية فاسدة في الشرقية    مباحثات علمية بين مستشفيات عين شمس وجامعة صينية لمواجهة كورونا    ما حكم صيام الست من الشوال قبل قضاء ما مضى من رمضان؟.. البحوث الإسلامية يجيب    عروض إماراتية للاعب الزمالك لضمه في الصيف    مستشفى العزل بقها يوجه رسالة شكر للأطقم الطبية    وزير النفط الإيراني يهاجم تركيا    أسعار الذهب مساء اليوم الاثنين 25 مايو 2020    5.4 ملايين دعم إضافى ل 54 اتحادا رياضيا    محافظ بورسعيد: استمرار انتظام توريد القمح ليصل إجمالى ما تم توريده 3862 طن    كوريا الجنوبية تعلن انتهاج سياسة مالية شبيهة بأوقات الحرب    الحكومة ترد على هدنة المتمردين.. أفغانستان تفرج عن 100 معتقل من طالبان    أول تحرك من "الأزهر" ضد إمام نبروه    تقرير تنظيم الاتصالات يكشف انخفاض وقت ذروة استخدام الإنترنت في رمضان    الفيفا يهنئ سيد معوض بعيد ميلاده ال41: عيد ميلاد سعيد    شاهد.. الزمالك يحتفل بعيد ميلاد جنش    فايلر يتسلم تقريرا طبيا عن مصابي الأهلي عقب إجازة عيد الفطر    غموض بشأن مصير لاعب الأهلي المعار    برشلونة يسعى للتخلص من ديمبيلي مقابل 45 مليون يورو    وولفرهامبتون يرفض انتقال أداما تراوري إلى ليفربول    صرف 25 مليون جنيه ل50 ألف من العمالة غير المنتظمة بكفر الشيخ    "خريجي الأزهر" تدين التفجيرات الإرهابية في الصومال.. وتؤكد: سفك الدماء من أعظم الكبائر    استطلاع: 81% من المواطنين يخشون زيادة إصابات كورونا مع عودة الحياة الطبيعية    إخلاء سبيل المتهمين في واقعة صلاة العيد بأوسيم بكفالة 500 جنيه    ضبط 186 محكوماً عليهم في حملة أمنية بالقليوبية    إخلاء سبيل 4 متهمين في واقعة "صلاة العيد في أوسيم" بكفالة    السيسي يهنئ ملك الأردن ورؤساء الأرجنتين وأريتريا بأيام الاستقلال والثورة.. ويعين 258 مندوباً مساعداً بمجلس الدولة    اليوم السابع يحذر من صفحات تنتحل اسمه وتفبرك خبر وفاة الفنانة رجاء الجداوي    أبطال مسلسل "خيانة عهد" ضيوف منى الشاذلي    توقعات الابراج حظك اليوم برج الميزان الثلاثاء 26-5-2020    25 مليون زائر و100 ألف مشترك بقناة "الثقافة" على يوتيوب خلال 60 يوما    خاص| نيللي كريم تكشف سر نجاحها مع كاملة أبو ذكري    حميدتي يكشف "مؤامرة قطرية خبيثة" ضد السودان بعد عزل البشير    خطوة جديدة.. الحكومة البريطانية تدعم عودة التدريبات في مختلف الرياضات    الحكومة الألمانية تدرس تخفيف بعض قيود كورونا    محافظ الجيزة يتفقد مجهودات رفع المخلفات وانتظام عمل المخابز    فيديو.. نصائح المصل واللقاح لتقوية مناعة الجسم لمواجهة فيروس كورونا المستجد    بالصور... تعقيم منزل الحالة الجديدة المصابة بفيروس كورونا في العريش    تعرف على العيد في هدي النبي صلى الله عليه وسلم    «تخليداً لذكرى الأبطال».. «تي شيرت» ملحمة البرث من أعضاء البرنامج الرئاسي (صور)    الهند تسجل أعلى معدل إصابة بكورونا بنحو 7 آلاف إصابة جديدة    النيابة تصرح بتشريح جثة ربة منزل انتحرت في دار السلام    السيطرة على حريق في 3 أحواش للمواشي بأسوان    الإفتاء: صلاة الفجر في وقتها تجعلك في ذمة الله طوال اليوم    مخرج "الفتوة" يستبعد تصوير جزء ثان: حاجة طلعت حلوة وخلصت    دعاء في جوف الليل: اللهم إنا نسألك خفايا لطفك وفواتح توفيقك    «القومى للمرأة» يشيد بإرتداء مذيعو «إكسترا نيوز» قمصانا تحمل صور شهداء البرث (صور)    جابر طايع: المساجد التزمت بتعليمات وزارة الأوقاف بشأن صلاة العيد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





د. السيد ولد أباه: ليبيا ما بعد القذافي: إلى أين؟
نشر في أخبار مصر يوم 05 - 09 - 2011

تعرفت قبل عشرين سنة خلال مهمة حكومية بطرابلس على الشاعر والكاتب الليبي "محمد خليفة التليسي"، الذي رحل مؤخراً عن عالمنا. بدا لي الشيخ المهيب الواسع الثقافة غريباً على جماهيرية القذافي وأجوائها الاستعراضية العجيبة.
يمثل التليسي الذي عمل وزيراً للثقافة في العهد الملكي نموذجاً للنخبة الليبية التي انبثقت عن حركة التحرير ودرست في الجامعات الغربية وشاركت في مجهود بناء الدولة الحديثة، قبل أن تضطر إما للمنافي القسرية في الخارج أو إلى اعتماد مسلك التقية ومهادنة النظام الحاكم منذ انقلاب 1969. ومن الصنف الأول وزير الخارجية الأسبق "منصور الكيخيا"، الذي اختطفته مخابرات القذافي في القاهرة عام 1993، ويعتقد أنها أعدمته لاحقاً.
ولا شك أن المشكل الكبير الذي يواجه الثوار الليبيين هو حالة الفراغ السياسي الذي نجم عن عقود أربعة متواصلة من التدمير المنظم للنخب الليبية. فبالمقارنة مع الساحات العربية الأخرى التي شهدت موجة التغيير الراهنة، تفتقد الساحة الليبية لمجتمع مدني نشط وفاعل، كما تفتقد لإدارة بيروقراطية ناجعة، ولمؤسسة عسكرية متماسكة ومنسجمة.
وعلى الرغم من نقاط التشابه الجلية بين الحالتين الليبية واليمنية، إلا أن التجربة الديمقراطية المحدودة التي عرفها اليمن بعد الوحدة أفرزت معادلة سياسية نشطة تمحورت حول أحزاب عقدية وإيديولوجية (فضلاً عن حزب المؤتمر الشعبي الحاكم) وتنظيمات أهلية تداخلت مع المكون القبلي ذاته. منع القذافي أي تعددية حزبية، واعتبر "التمثيل تدجيل والأحكام النيابية أحكاماً غيابية" حسب عبارات كتابه الأخضر.
وعلى عكس الأنظمة الأحادية العقدية التي أنشأت حزباً للدولة، لم تكن اللجان الثورية سوى واجهات للنسق الأمني المخابراتي الذي يستند إليه النظام الاستثنائي. استند القذافي في حكمه إلى آليات ثلاث هي: شراء الولاءات العشائرية باستثمار الريع النفطي (التحالف الثلاثي القوي بين قبائل القذاذفة والمقارحة وورفلة)، استبدال المؤسسة العسكرية بالمليشيات العائلية الحامية للنظام، إغلاق كل منافذ الحراك السياسي والمدني، التي يمكن أن تشكل دوائر وسيطة للمواطنة (انحصرت المؤسسات الأهلية في جمعيتين يرأس أحدهما ابن القذافي وترأس الأخرى ابنته).
السؤال المطروح إذن هو كيف سيتسنى تسيير المرحلة الانتقالية الراهنة، (التي لا تزال هشة) باعتبار حالة الفراغ الملاحظة وغياب قوى سياسية وأهلية منظمة ونخب قيادية فاعلة ومؤثرة؟ السؤال على كل الألسن، والخشية قائمة من أحد مشهدين كثر الحديث عنهما في الأيام الأخيرة: مشهد الصوملة (الفتنة الأهلية الشاملة) ومشهد التحلل والانقسام على الطريقة العراقية.
الذين يتوقعون المشهد الأول يصدرون في تحليلاتهم عن ملاحظة واقع القبلية المسلحة في ليبيا (150قبيلة وعشرات الملايين من قطعة سلاح). ويذهب بعض المحللين إلى أن بوادر هذا الصراع أصبحت جلية للعيان بعد استيلاء الثوار على طرابلس واحتماء النظام المنهار بالقبائل التي شكلت دوماً سنداً له في الغرب والجنوب (القذاذفة وورفلة وائتلاف أولاد سليمان). بيد أن الفروق واضحة بين مشهد التفكك الداخلي في الصومال والحالة الثورية الليبية التي هي في أساسها انتفاضة أهلية ضد إحدى اعتى الديكتاتوريات القمعية العربية. وإذا كان من الصحيح أن المعادلة القبلية تشكل بؤرة توتر خطيرة في الساحة الليبية، إلا أن منطق المشهد السياسي ليس في ذاته قبلياً، ولا قابلاً للتجيير في صراعات قبلية.
فالخريطة القبلية الحالية هي من إفرازات ونتائج سياسات الدولة الوطنية الحديثة ومرتبطة عضوياً بها، لأسباب اقتصادية لها علاقة بشبكة التوزيع الريعي لعائدات النفط، وما ينتج عنها من رهانات مجتمعية وسياسية. كما أن الفروق مع المشهد العراقي واضحة على الرغم من التشابه في خلفية التكوين التاريخي للبلدين، ومن دور العامل الخارجي في التغيير.
إلا أن الاختلاف الجذري بين الحالتين يظهر في ثلاث معطيات أساسية هي: أولاً: غياب المعادلة القومية – الطائفية التي رسمت خطوط الفصل والتصدع داخل نسيج الكيان العراقي (وحتى ما يشاع من وجود مشروع انفصالي في جبل نفوسة الأمازيغي ليس سوى وهم زائف).
ثانياً:اختلاف طبيعة التدخل الخارجي ومظلته الشرعية بين الحالتين: ففي حين شنت الولايات المتحدة حرباً جوية وبرية في العراق دون تفويض شرعي أفضت إلى احتلال مباشر بمعايير القانون الدولي، استند دعم حلف "الناتو" للثوار الليبيين إلى قرارات مرجعية عربية ودولية ولم يتجاوز التدخل الخارجي الضربات الجوية والتأطير الفني.
ثالثاً:دمرت الحرب الأميركية في العراق البنية الاقتصادية والإدارية للبلاد وخلفت فراغاً كاملاً بعد حل الحزب الحاكم وتفكيك المؤسسة العسكرية، في حين استطاع المجلس الليبي المؤقت سد الفراغ المتولد عن انهيار النظام وحافظ على البنية المؤسسية للدولة بما فيها الجيش والبيروقراطيا الحكومية.
ولذا لا نعتقد أن مشهد تفكك الكيان الليبي خطر قائم، على الرغم من مصاعب التحول البادية للعيان. وتتركز هذه المصاعب في قدرة المجلس الحاكم في تسيير المرحلة الانتقالية الراهنة، التي ستدوم شهوراً ثمانية صعبة تدخل البلاد بعدها في وضعية دستورية عادية.
ومن التحديات المطروحة على المجلس إشكالان جوهريان يتوقف على حسمهما مستقبل ليبيا السياسي: نمط التعامل مع تركة النظام المنهار وشكل النظام السياسي البديل. للإشكال الأول جوانب قانونية وقضائية ملحة (ملفات حقوق الإنسان ومحاكمة رموز العهد القذافي) يمكن أن تؤثر سلباً وإيجاباً على إدارة الفترة الانتقالية الحالية.
أما التحدي الثاني، فيتوقف على تماسك وانسجام المجلس المؤقت الذي يضم خليطاً معقداً من شخصيات النظام السابق والمعارضة التي كانت في المنفى والتشكيلات الإسلامية (بما فيها الفئات الراديكالية التي كانت قريبة من تنظيم القاعدة). فهل سينجح هذا الشتات في بلورة مشروع ديمقراطي تعددي لإعادة النظام السياسي الليبي بعد عقود أربعة من الحكم الاستثنائي العدمي؟
لا شك أن المخاض سيكون عسيراً وتكلفة التحول ستكون باهظة، بيد أن دواعي الأمل قائمة، ومنها على الخصوص عجز فرد بعينه أو مجموعة ما عن التحكم في مسار التحول الجاري.
نقلا عن صحيفة الاتحاد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.