الانتخابات البرلمانية في تركيا، والتى بدأ الاقتراع بها صباح اليوم الاحد، تعتبر الأكثر أهمية في تاريخ الديمقراطية التركية لأنها تعتبر بمثابة استفتاء على حكم الرئيس" رجب طيب اردوغان " كما يمكن أن تحدد لأول مرة شكل النظام الجديد للدولة التركية . ويسعى حزب العدالة والتنمية بزعامة "أردوغان" في الفوز بما لا يقل عن 330 مقعدا من مقاعد البرلمان البالغ عددها 550 مقعدا، حتى يتمكن من البدء في تصميم نظام رئاسي والذي سوف تكون فيه للرئيس صلاحيات تنفيذية واسعة، ولكن قد يتم عرقله هذا المسعى اذا ما نجح حزب مثل الحزب الكردي "حزب الشعب الديمقراطي" فى قنص نحو 10% من المقاعد، هنا قد تتأجل طموحات أردوغان وستستمر تركيا في العمل وفقا لنظام الحكم القائم. لذا يرى المحللون ان اهمية هذه الانتخابات ، تأتى فى كونها بمثابة استفتاء بالثقة على شخص "اردوغان" وسياساته أكثر من كونها مجرد انتخابات برلمانية. ويرى منتقدو الرئيس التركى انه قد تعدى تقريبا كل الخطوط الحمراء لوظيفته كقائد وطني، فقد شارك بنشاط في التجمعات الانتخابية لحزبه، وعمد فى اتخاذ مواقف لإذلال خصومه، وهدد وسائل الإعلام، ووضع الأساس القانوني للتحرك ضد خصومه، وبنى لنفسه صورة بأن لا أحد يستطيع أن يشكك فى قيادته، وهو ما ينفيه " اردوغان " حينما سخر الجمعة فى تجمع انتخابى قائلا: "يقولون إنني ديكتاتور. من هو الدكتاتور هنا؟ هناك 90 حزبا في تركيا و20 منهم فى سباق الترشح للانتخابات. أي نوع من الدكتاتورين الذي كان يمكن أن يلعن في وسائل الإعلام الخاصة؟ لو كنت ديكتاتورا، فكيف كان لهم ان يلعنونى و كيف لهم ان يقدموا على اهانتى ؟ وكيف يفعلون هذا لو كانت هناك عليهم سيطرة من ديكتاتور". وعودة الى حسابات الانتخابات، يرى الخبراء انه على افتراض فشل "اردوغان" وحزبه ولو جزئيا فى تحقيق الأغلبية اللازمة لتغيير الدستور، فان "أردوغان" لن يتردد في استخدام صلاحياته اذا اقتضت الظروف ذلك. وإذا كانت الانتخابات تصنف حسب أهميتها ، فانها بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الحاكم منذ أكثر من 12 عاما ، ليست الاهم بل انتخابات عام 2002 التى جلبت الحزب إلى السلطة يمكن أن تعتبر الأكثر أهمية. و لكن الفوز بالانتخابات و حصد الاغلبية البرلمانية سيدعم انجازات الحزب والحكومة التى نجحت على مدار اكثر من عقد فى انقاذ الاقتصاد التركى و انفاذه من عنق الزجاجة بعد ان كان في أزمة اقتصادية عميقة، كما نجحوا فى وضع حدا للفوضى السياسية في تركيا، التي كانت قد مزقتها الحكومات والاحزاب السياسية غير المجدية . ولقد بلغت انتصارات الحزب أوجها، في انتخابات عام 2011، حينما فاز بنحو 49 في المئة من الاصوات. هذا العام أيضا، تتوقع استطلاعات الرأي نيله مابين 40-45 في المئة، وهى نسبة مثيرة للإعجاب إذا ما سارت عملية الاقتراع فى مسارها … ولكن ما هو كاف للحزب ليس كافيا للرئيس، الذي يريد ليس فقط توسيع سلطاته ، و ليس فقط تغير النظام السياسى للبلد بل منح البلد شخصية جديدة . عند الحديث عن إنجازات "أردوغان" نجد انها ليست هينة ايضا ، فقد أحدث هزة بنظام التعليم وإصلاح لنظام العدالة و ازال أغلال كثيرة كانت تقيد حكومته. ولا تعتبر كل تلك الخطوات سيئة أو تتعارض مع أسس الديمقراطية، حتى خصومه يوافقون على ذلك. لكن اصرار "أردوغان" على جلب الشريعة الاسلامية للدستور، وسعيه ليكون التعليم الديني إلزاميا، هي من الامور التي تقلق الليبراليين في تركيا. وحتى الآن، كانت الحركات الليبرالية قادرة على الاعتماد على المحكمة الدستورية لوقف مبادرات الرئيس او على الاقل عرقلة جهوده وابطائها، ولكن إذا تم تغيير الدستور، فأن المحكمة لن تكون قادرة على الوقوف امام توجهات " اردوغان ".. والأجوبة على هذه الأسئلة تعتمد بقدر كبير على إقبال الناخبين بشكل كبير وطريقة تصويتهم، وخاصة الأكراد منهم، الذين يشكلون نقطة ارتكاز هشة هذه المرة ، فعلى عكس السنوات السابقة، هذا العام حرص الحزب الكردي على خوض الانتخابات معتمدا على الورقة الوطنية بدلا من الاعتماد على مرشحين مستقلين ، و يسعى الحزب لتحقيق نصر انتخابى يستحق ، وهو ما يعنى نيل 10% من المقاعد اى 55 مقعدا على الاقل و سيكون هذا مخصوما من حساب حزب العدالة والتنمية، و لكن اذا فشل الأكراد فسوف تتعاظم أكثر فأكثر قوة الحزب الحاكم و قوة "اردوغان" . ولكن "الكرد" ليسوا كتلة واحدة متجانسة ، و بالتالى فطريقه تصويتهم و اختياراتهم ليست موحدة ايضا . فهناك من يعارض الحزب الكردى و هناك من يؤيد الحزب الحاكم و اخرون يدعمون العديد من الاحزاب الاخرى و من بينها احزاب المعارضة. و لكن إذا نجح الأكراد فى الوصول ليصبحوا كتلة محترمة بالبرلمان ، سيصبح البرلمان ممثلا بأربعة أحزاب بدلا من ثلاث كما هو الحال الان ، حينئذا يمكن أن يجد "أردوغان" نفسه فى مواجهه خط معارض اشد مما واجهه من قبل و هو ما قد يحبط مبادراته، و خطط التعديلات الدستورية والاستراتيجية الاقتصادية، التي اختلفت مؤخرا مع البنك المركزي التركي. و لكن عموما، وعلى افتراض عدم نجاح "اردوغان" جزئيا فى تحقيق الأغلبية اللازمة لتمرير التعديلات الدستورية، سواء كان هذا باستفتاء أو بدون استفتاء، فان هذا لا يعني ان "اردوغان " سينكفئ على ذاته و يقبع فى قصره الجديد يقرأ كتاب تحت ضوء الثريات التي تكلفت الملايين من الدولارات ، بل سوف يواصل توجيه رئيس الوزراء كما لو كان مسؤول في مكتبه، بل انه قال انه لن يتردد في استخدام صلاحيات تنفيذية يمنحها له بالفعل الدستور الحالى ، بما في ذلك سلطة تعيين رئيس الوزراء، وإعلان حالة الطوارئ، واستدعاء البرلمان عند الحاجة، وتوجيه الحكومة ومجلس الأمن القومي إذا اقتضت الظروف ذلك.