أتعجب كثيرا عندما أقرأ أو أستمع إلى تلك الردود الجاهزة، وهى: كيف تقولون إننى من الفلول أو ضد ثورة 25 يناير رغم أن ابنتى أو ابنى أو ابن شقيقتى -لو لم يرزقه الله بطفل- كان فى ميدان التحرير؟ لا يمكن أولا أن يُصبح معيار الوطنية هو ميدان التحرير، ثانيا إن الأبناء من حقهم أن يختاروا مواقفهم السياسية بعيدا عن الآباء. ردّد هذه العبارة مؤخرا عزت أبو عوف عندما سألوه فى حوار صحفى بسبب اعتراض البعض على قبوله رئاسة مهرجان القاهرة السينمائى بعد أن استحوذت عليه وزارة الثقافة المصرية، وكانت حجتهم أنه من الفلول. أجاب «كيف يقولون ذلك وابنتى المخرجة مريم أبو عوف كانت فى الميدان؟»، وما ذكره أبو عوف صحيح تمامًا، ولكن ما علاقة الموقف السياسى الذى اتخذته ابنته مريم منذ اليوم الأول للثورة بأبيها؟ وأضاف أيضًا أن والده الضابط أحمد شفيق أبو عوف شارك فى الحروب التى خاضتها مصر منذ عام 48 فى نكبة فلسطين، أيضا ما علاقة ذلك بأبو عوف الابن؟ الأب حارب بينما كان أبو عوف الابن فى تلك السنوات لا يزال فى اللفة. أنا لا أرتاح لتعبير «الفلول» لأنه فضفاض بطبعه، وأبو عوف لم يكن طوال مشواره الفنى صاحب أى موقف، لم يشارك يومًا فى إضراب أو اعتصام، إنه حتى على المستوى الفنى لم يتمرد على الحالة النمطية التى تم تسكينه داخلها فى العديد من الأفلام والمسلسلات.. كان عليه فقط عندما يسألونه عن موقفه السياسى أن يقول الحقيقة، وهى أنه عضو مؤسس فى حزب الكنبة، ولم تتجاوز رؤيته حدود الحفاظ على بقائه على الخريطة الفنية.
عزت فى أثناء الثورة لم يسعَ إليه أحد فى الإعلام لمعرفة رأيه، فهو خارج المعادلة السياسية، وربما كانوا يطرقون بابه ولكنه لم يستجب، ربما خوفًا من أن يحسبها أحد ضده لو لم تنجح الثورة، وعليه أن لا يخجل من ذلك الآن، لأنه مثل قطاع وافر من المصريين كانوا قد حدّدوا علاقتهم بالنظام وهى الإذعان المطلق للسلطة.
عزت وافق على أن يرأس مهرجان السينما، ليس كما يقول إنقاذًا لمصر وللحفاظ على شرعية المهرجانات الدولية، فالكل يعلم أنها الحجة الواهية التى يرددها وزير الثقافة صابر عرب، واسم الشهرة «سارق جائزة الدولة التقديرية». أبو عوف لم يكن يفعل شيئًا طوال السنوات الأربع التى تولى فيها الرئاسة قبل الثورة سوى أنه يخاطب أجهزة الإعلام باعتباره رئيسًا للمهرجان، وتم اختياره كواجهة، وهذه المرة يواصل أيضا دوره كواجهة، وهو سعيد بأن يعود إليه مجددا لقب «رئيس المهرجان». إنه رئيس مارأسش حاجة، ولكن عليه أن لا يتشعبط فى فستان ابنته مريم التى كانت فى الميدان، بينما كان هو قابعا كعادته فى البيت يتابع أحداث الثورة عبر شاشة التليفزيون، فهو عضو مؤسس فى حزب الكنبة الاشتراكى الديمقراطى التقدمى الوحدوى!
■ ■ ■ لم أستطع أن أواصل البقاء فى مهرجان الإسكندرية سوى يومين، حيث إن سوء التنظيم يسيطر على كل جنباته. الأهم أن رئيس المهرجان لا يتابع شيئا ولا يعترض على شىء، ولا يعنيه شىء سوى أن يقال عنه إنه رئيس المهرجان.. كم تمنيت أن يرى دموع المخرج المغربى عز العرب العلوى التى انهمرت أول من أمس بعد عرض فيلمه الرائع «أندرومان من لحم ودم»، حيث عرض المهرجان نسخة «دى فى دى» رديئة على شاشة سينمائية، مما أطاح بكل تفاصيل وجماليات الصورة، رغم أنه توجد لدى إدارة المهرجان نسخة سينمائية، ولكنه كالعادة سوء الإدارة والتنظيم.. كنت وغيرى قد نبهنا رئيس المهرجان إلى أن الفيلم الذى عُرض فى الصباح عانى نفس الخطأ، ووعدَنا بالتصحيح، ولكنه لم يكن متفرغا إلا لتأكيد أنه رئيس المهرجان. كانت مذيعة حفل الافتتاح قد قدمته على المسرح باعتباره مدير المهرجان فقام بتصحيح الخطأ على الهواء، معلنا أنه الرئيس، ومنذ تلك اللحظة وهو حريص فقط على تصحيح هذا الخطأ.. إنه أيضا مثل زميله أبو عوف.. رئيس مارأسش حاجة!