الأربعاء 26 يناير من العام الماضي، كان يوما فارقا واستثنائيا في تاريخ مصر وثورة شعبها التي انطلقت قبلها بيوم واحد.. لقد راهن نظام مبارك وأجهزته البوليسية على أن يشهد هذا اليوم تراجع ثورة المصريين وانحسار غضبهم بازدياد وتيرة القمع، لكنهم خسروا الرهان، ونجح الشعب أن يجعله جسر العبور إلى حلمهم، وأكدوا فيه تصميمهم على استكمال مسيرة ثورتهم. ورغم التحليلات التي لا تعد ولا تحصى في تفسير ما جرى للمصريين الذين أبهروا العالم وما زالوا منذ 25 يناير من العام الماضي، فإنني أعتقد أننا حتى الآن لا نعرف بيقين حقيقي كيف وصل المصريون إلى هذا الإحساس النادر بتصرفهم الموحد وتنظيمهم التلقائي وقرارهم الجمعي بكسر حاجز الخوف، وسلوكهم الحضاري في كل تفاصيل المشهد الرهيب الذي صاغ لحظات هي أجمل ما في تاريخهم. وأتصور أن الأمر سيستغرق منا وقتا حتى نصل إلى عمق ما حدث.. وكيف اختمرت هذه الحالة الثورية في كل منا بغير اتفاق، وكيف تصرفنا على هذا النحو الذي يتجاوز قدرة أي تنظيم مسبق.. ومن الذي حوّل هذه الكتل الصامتة والصابرة من البشر إلى طاقة من الفعل الجبار التي لا تخشى جحافل الأمن المركزي، وبطش قوات الأمن، والسيارات المصفحة، وعربات رش المياه، وقنابل الغاز، وطلقات الخرطوش، ونيران الرصاص الحي، وكتائب القناصة وفرق الموت.. ومن الذي حط بالعالم الافتراضي لشبابنا على صفحات الإنترنت والمدونات على الأرض وأكسبه حياة تعيد الأمل وتصيغ المستقبل.. ثم ما القانون الذي جعل أفراد أسر بأكملها تلتقي بعضها في الشوارع والميادين التي خرجوا إليها بعد أن قرر كل منهم بمفرده أن يشارك دون علم الآخر أو التشاور معه.. وما الذي صهرنا جميعا على هذا النحو في مواجهة الموت بصدور عارية وبإرادة لا تلين.. ولم يقل أحد للآخر من أنت ولا من أين وما هويتك أو دينك أو عقيدتك السياسية.. لم نفرق بين بعضنا البعض ولم يسأل أحد منا غيره: هل أنت مسلم أم قبطي، علماني أم سلفي، إخواني أم ليبرالي، فقير أم غني، متعلم أم غير متعلم، من قرية أم من مدينة، من عشوائيات أم من مناطق راقية.. ولم تسأل أخت أختها لماذا أنت سافرة أو منتقبة أو محجبة؟! الثورة كانت دعاء المصريين الصامت الذي كان يتزايد صعوده إلى عنان السماء، كلما انتشر الفساد والاستبداد والقهر، وكلما غاب العدل الاجتماعي واستحال تدبير الناس معايشهم، وكلما تعاظم شعور الناس بفقدان الكرامة والمواطنة والانتماء. الثورة بعثت برموز البشارة قبل حضورها الطاغي، فكان خالد سعيد أيقونة، وسيد بلال شرارة غضب، ود. محمد البرادعي "مهما اختلفنا حوله" أبرز تجلياتها، وحركات كفاية و6 إبريل وغيرها مزيلات الخوف من طريقها، وشهداء السويس في اليوم الأول للثورة جذوتها المتقدة، وقبل ذلك كله كانت بالطبع إرادة الله التي حرست هذه الثورة وباركتها وأعطتها ما يستعصى على فهمنا وتحليلنا حتى الآن، ولو اجتهدنا. صباح 25 يناير استجبت لدعوة نواب "خليهم يتسلوا" وعدد من الشخصيات العامة للتظاهر أمام دار القضاء العالي، وكانت الآلاف تحاصرهم آلاف من الأمن المركزي، الذي أخذ يتراجع ويتضاءل وسط طوفان من البشر، يأتين من كل فج عميق، وباندفاعات كأنها مخرات السيل تبحث عن مصب تلتقي فيه، حتى وجد الجميع أنفسهم معًا في ميدان التحرير، لم تتوقف حناجرهم تطالب بالتغيير والحرية والعدالة الاجتماعية. وتصورت قوات الأمن أنها بفض الميدان من المتظاهرين تحت وقع آلاف القاذفات من القنابل المسيلة للدموع بعد منتصف الليل قد أعادت الهدوء، لكن جاء يوم 26 وفيه احتفظت الثورة بحيويتها وازدادت حالات اعتقال وخطف الثائرين، وتأكد أن إرادة البطش وغرور القوة قد بدأت تنكسر، وأن مصر في هذا اليوم لن تعود إلى ما قبل 25.. وأخذ يوم من الثورة يسلم الآخر حتى جمعة الغضب التي لا تزال ريحها العاصفة تقتلع بدماء الشهداء والمصابين كل خبيث حتى تتحقق كل أهدافها.