المكسيك تسجل أكثر من 700 حالة وفاة بكورونا    الصين تسجل 44 إصابة جديدة بفيروس كورونا    حسام حسن: تدريب المنتخب مش «منظرة»    حسام حسن يهاجم يهاجم عبدالله السعيد بكلمات نارية    محمود ياسين ينضم ل"نادي شائعات الوفاة".. وأسرته تطالب بملاحقة قضائية    الصين تسجل 44 إصابة جديدة بفيروس كورونا    الجيشان العراقي والكويتي ينفيان وقوع انفجار على الحدود    الشاعر الغنائي تامر حسين يودع مصطفى الحفناوي بكلمات مؤثره    تعرف على مدة الجمع والقصر فى الصلاة    هل تنتشل فرنسا لبنان مستعمرتها السابقة من أزمتها الخانقة؟    صعود مؤشرات الأسهم اليابانية في التعاملات الصباحية    احذر.. 5 إشارات تدل على أنك تكثر من تناول الدهون!    دونالد ترامب: الخدمة السرية أطلقت النار على مسلح خارج البيت الأبيض    دورتموند يصدم مانشستر يونايتد في صفقة الموسم    عبد الحليم علي : معنديش مانع اشتغل فى الزمالك وكسبنا بطولات إفريقيا بعرقنا .. مينفعش مصطفى محمد يمشى وتم رفض انتقالى للاهلى    وكيل الأزهر الأسبق: نشر صور الموتى انتهاك لحرمة الموت    سموحة يخضع لمسحة طبية قبل مواجهة المقاولون العرب    صندوق النقد الدولى يتوقع نمو الاقتصاد المصرى بواقع 6.5% فى 2021/2022    النفط يغلق مرتفعا بدعم من بيانات المصانع في الصين وآمال التحفيز في أمريكا    قبل أيام من وفاته.. ماذا كتب مصطفى حفناوي عن الأموات؟    شريف منير: "انا انسان مش مادي ومش هشتغل عشان خاطر الفلوس""    رامي صبري يتخطى حاجز ال 3 مليون مشاهدة بكليب "خطيرة"    بالدرجات.. الأرصاد تكشف حالة الطقس اليوم    وزير السياحة يعقد اجتماعا مع شركة «Easy Jet» لدفع الحركة الوفدة    694 مقرا بالغربية يستقبل الناخبين للإدلاء بأصواتهم في "الشيوخ".. اليوم    بعد عودتها للعزل.. مستشفى كفر الدوار يستقبل 6 حالات مصابة بكورونا    شركة طيران بريطانية تستأنف رحلاتها إلى شرم الشيخ والغردقة    انقلاب سيارة نقل أعلى كوبري التونسي ب السيدة عائشة    مصرع عامل غرقا بشاطئ الهانوفيل غربي الإسكندرية    متحدث "الصحة": إعادة 21 مستشفى عزل كورونا    جهود مكثفة لكشف غموض سرقة فيلا صحفية بمدينة نصر    تعرف على عائلة مصرية تقدم المساعدات للمتضررين بعد حادث انفجار مرفأ بيروت    فيديو.. ما دلالة حشد أمريكا لقوة بحرية كبرى بالقرب من سواحل تركيا؟    هاملت وصلاة الملائكة على المسرح القومى قريبا    إحباط مخطط إجرامى لتهريب طناً من الحشيش المخدر إلى السعودية    22 ألف طالب سجلوا اختبارات قدرات بجامعة حلوان    "أشعر أن القيامة قربت".. تعرف على تعليق مبروك عطية (فيديو)    الاتحاد: واجهنا الزمالك في غياب 11 لاعبًا.. والحصول على نقطة "إنجاز"    عصام الحضري يشيد بحارس إنبي    التعليم: 36 ألف طلب تظلم بالثانوية العامة حتى الآن    مصرع ربة منزل أسفل عجلات القطار بالحوامدية    بالصور.. رئيس حي غرب المنصورة يتفقد مقار اللجان الانتخابية قبل انطلاق انتخابات مجلس الشيوخ بساعات    دعاء في جوف الليل: اللهم بكرمك وفضلك يسّر أحوالنا وتولّ أمورنا    سيؤثر سلبا على نفسيتي.. طارق العشري يطالب رسميا ب تأجيل مباراة المصري والإسماعيلي.. فيديو    طريقة عمل الأرز بلبن في الفرن    رحل والدها وشقيقها وتفوقت.. بسمة وهبة تشكر رئيس جامعة مصر لاستجابته للطالبة "نور"    رئيس الاتحاد السكندري يكشف حقيقة ارتفاع عدد الإصابات ب كورونا في النادي    بعد حادث إطلاق النار.. ترامب: أشعر بالارتياح في البيت الأبيض مع وجود عناصر الخدمة السرية    فؤاد بدراوي ينفي فصل "الفقي" و"ماجدة صالح"    من أقوى قوانين العالم.. حماية المستهلك للمواطن: أنت صاحب حق أوعى تسيبه.. فيديو    هل هناك علامات لقبول الحج؟.. والمفتي السابق يوضح    رئيس "اقتصادية البرلمان": وزير التموين بذل جهودًا كبيرة في مواجهة كوررنا    3 مصابين بالاختناق في حريق شقة سكنية بأسيوط    نبيلة مكرم: رفع تقرير عن سير العملية الانتخابية فور انتهاء التصويت    محافظ البحيرة يمنح شهادة تقدير لمدرسة بختام جولاته على «لجان الشيوخ» (صور)    علاجات منزلية للحموضة في دقائق    رئيس مدينة مطروح: تطهير وتعقيم لجان انتخابات «الشيوخ» لاستقبال الناخبين    أسعار الذهب اليوم الثلاثاء 11-8-2020.. ارتفاع طفيف بالمعدن الأصفر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





اغتيال الإمام.. الجريمة الناقصة!
نشر في الدستور الأصلي يوم 12 - 02 - 2010

جريمة الأسرار المكشوفة والتحقيقات المعروفة والقاتل الغامض! من قتل حسن البنا؟ الجميع أم واحد من الجميع؟
حسن البنا
بعد أسبوع واحد فقط، سبعة أيام لا أكثر من قيام ثورة يوليو، التي كانت لاتزال آنذاك «حركة الجيش»، ألقت الثورة القبض علي المتهمين بقتل «حسن البنا» مؤسس جماعة «الإخوان المسلمين». إن السرعة التي تم بها ذلك الإجراء تظهر إلي أي حد كانت الجماعة متغلغلة داخل حركة الضباط، أو ربما مدي السرعة التي أرادت الحركة الجديدة من خلالها فتح أكبر عدد ممكن من ملفات النظام القديم، أو ربما الرغبة المبكرة من قبل الضباط الشبان في اكتساب الشعبية «بسرعة أيضًا»، في كل الأحوال، فإن تلك الأيام العاصفة من التاريخ المصري لم تكن تعرف الاستقرار علي حال، ربما لهذا كان من التسرع أن أقدم «محمد حسن وصفي» - مسئول ما قبل الثورة وأحد المتهمين باغتيال البنا- علي الانتحار خوفًا من المحاكمة و«البهدلة» ومن ثم حكم الإعدام في النهاية، كان ذلك تسرعا لأن أحكام الإعدام التي صدرت ضد المتورطين في اغتيال البنا خففت إلي السجن، ثم ما لبث أن أفرج عنهم جميعا بعد عامين فقط، إثر حادثة المنشية الشهيرة التي تم خلالها إطلاق الرصاص علي جمال عبدالناصر، وهي الحادثة التي ينفي الإخوان تورطهم فيها مصورين إياها علي أنها مؤامرة ناصرية، لكننا علي كل حال نتحدث هنا عن اغتيال حسن البنا، الرجل المؤسس والذي تنسب إلي جماعته بذور أفكار جميع حركات الإسلام السياسي في العالم، هو الرجل الذي يعد بالنسبة للكثيرين «مجدد الإسلام في القرن العشرين»، لكنه بالنسبة لآخرين رجل السياسة الذي اتخذ من الدين وسيلة، فصنع مزيج التطرف الذي يسود العالم الإسلامي إلي اليوم.
لم ولن ينتهي الانقسام في الرأي حول «حسن البنا»، الأمر الذي جعل من اغتياله حدثًا قابلا للتفسير علي كل وجه ممكن، فاكتفي البعض باتهام الملك فاروق بتنفيذه اتقاءً لقوة المرشد المتصاعدة، ورأي آخرون أن الاغتيال كان مجرد انتقام نفذته الحكومة السعدية ثأرًا لمحمود فهمي النقراشي الذي اغتاله النظام الخاص في الجماعة، ورأت جهة ثالثة، أن الإنجليز والملك والسعديين اتفقوا جميعًا علي تنفيذ الاغتيال، ويعتبر آخرون أن الحركة الصهيونية كان لها دور ويد في الاغتيال، ويؤمن الكثيرون أن الأمريكيين كانوا الأكثر سعادة باغتيال البنا، بل شطح البعض فتحدث عن دور إخواني في تصفية المرشد الأول، إذ رأي أولئك أن أعضاء النظام الخاص داخل الجماعة ضاقوا بالتبرؤ العلني الذي كرره مرشدهم إزاء عمليات الاغتيال والتفجيرات التي قاموا بها خلال صراعهم مع السعديين.
الاغتيال
الزمان: 12 فبراير 1949
التوقيت: الثامنة مساء
المكان / مسرح الجريمة: شارع الملكة نازلي أمام جمعية الشبان المسلمين
لم يكن شارع الملكة نازلي بنفس الازدحام الذي أصبح عليه اليوم حيث نعرفه باسم «شارع رمسيس»، مع ذلك فإن الجناة لم يتركوا شيئا للصدفة، في تمام الثامنة مساء وقبل خروج «حسن البنا» وصهره عبدالكريم منصور من مقر جمعية الشبان المسلمين، تم إظلام الشارع وإطفاء أعمدة الإنارة، في تلك الليلة الشتوية كان المارة قليلين، وعندما خرج البنا وصهره، وجدا سيارة تاكسي فأشارا إليها وركبا، جلس البنا إلي اليمين ومنصور إلي اليسار ثم ولسبب غامض قام البنا بتبديل مكانه مع منصور وراح إلي اليسار، تحركت السيارة مسافة قصيرة عندما واجهها شبحان في الظلام عطلاها «وقيل إن إشارة مرور تم إغلاقها كي يتوقف التاكسي»، اقترب شبح من نافذة السيارة وحاول فتح الباب من ناحية عبدالكريم منصور، بينما منصور يحاول إغلاقه، انفتح الباب وأطلق الجاني رصاصتين اخترقتا ذراع منصور الذي حاول انتزاع المسدس قبل أن يكتشف أن لحم ذراعه قد انفصل تقريبا عن عظامه، ثم اخترقت رصاصة ثالثة مثانته قبل أن تتحول فوهة المسدس إلي حسن البنا، وأفرغ الجاني الطلقات فيه وفر هاربًا، وعلي الرغم من الرصاصات التي اخترقت جسده فقد قفز البنا من السيارة بينما الجانيان يركبان سيارة سوداء فرت بهما، وعاد البنا ليسحب عبدالكريم منصور إلي سلالم جمعية الشبان المسلمين، ومن هناك يطلب الإسعاف التي تتأخر ولا تجيء، فيطلب الناس الذين تجمهروا من سائق التاكسي الذي شهد الحادثة أن يوصل المصابين إلي مقر الإسعاف (مستشفي الهلال الأحمر الآن) علي بعد خطوات، يرفض سائق التاكسي - ربما خوفًا - لكن الناس يرغمونه، وفي الإسعاف يقررون أن الحالة تستدعي النقل إلي قصر العيني، علمًا بأن حالة عبدالكريم منصور كانت - وقتذاك - هي الأخطر، وينقلان إلي قصر العيني، حيث يترك «حسن البنا» دون علاج فينزف لثلاث ساعات حتي يفارق الحياة بعد منتصف الليلة ذاتها.
جريمة ناقصة: ليموزين 9979
الجريمة الكاملة غير موجودة، وما يسميه البعض بالجريمة الكاملة ما هو إلا جريمة يملك أصحابها السطوة والنفوذ للتغطية علي تفاصيلها إلي حين، مع ذلك فإن اغتيال حسن البنا كان جريمة حفلت بالكثير من النواقص، حتي ليبدو الأمر كما لو أن نية التعتيم والغموض لم تكن جدية تمامًا، حتي التنفيذ ذاته جاء تقليديًا إلي حد كبير، طلقات سريعة من نافذة تاكسي ثم الهرب، أسلوب لا يشبه الجرائم التي ترتكبها الحكومات بل علي العكس تبدو أشبه بجرائم الجماعات السرية، علي كل حال لقد حفل الاغتيال بالعديد من الثغرات، إذ تعطلت السيارة التي كان مقررًا للجناة الهرب بها، فركبا سيارة أخري، استطاع شاب مجهول التقاط رقمها، كما ذكر صهر البنا أن المرشد بدوره التقط رقم نفس السيارة، وقد تم إبلاغ «محمد الليثي» سكرتير جمعية الشبان المسلمين برقم السيارة الهاربة، فأبلغه بدوره إلي البوليس فتم التعتيم عليه والتشكيك في الرقم، ولا عجب إذ اتضح أنه رقم سيارة ليموزين سوداء رقم «9979» كان يستأجرها الأميرالاي محمود عبدالمجيد الضابط بالمباحث الجنائية، والذي أثبتت التحقيقات أنه تم انتدابه للعمل من جرجا إلي القاهرة خصيصًا بعد اغتيال النقراشي ووضع فريق خاص تحت يده للقيام بمهمة اغتيال «حسن البنا »، طبعا نحن نتحدث هنا عن تحقيقات ما بعد ثورة يوليو، أما ما قبل الثورة فقد تم حفظ القضية كما هو متوقع، إذ كان القاتل هو الخصم والحكم، بل إن الصحيفة الوحيدة التي انفردت بالحصول علي رقم سيارة الجناة وكانت صحيفة «المصري» تم اقتحام مطابعها في الفجر ومصادرة جميع نسخ العدد، وبدا واضحًا أن جريمة اغتيال البنا هي جريمة النظام، أو قوة كبيرة داخل النظام، أو جريمة بموافقة ومباركة، أو عدم ممانعة النظام الملكي.
الواقع أن كثيرًا من الأمور دفعت الكثيرين إلي حيرة مبعثها السؤال: من أصدر الأمر بقتل حسن البنا؟ إن قرارًا كهذا لم يكن بسيطًا لا من حيث الدوافع ولا من حيث النتائج المنتظرة، ولنلاحظ أن الملك نفسه كان علي علاقة جيدة بالإخوان المسلمين لفترة طويلة، كما أن الإخوان رغم عنفهم المتبادل مع بعض رموز حكومات الأقليات لم يسفروا عن وجه انقلابي جذري، ثم إن عمليات القتل السياسي نادرًا ما تستهدف رأس المنظمة مباشرة لأنه عادة من يمكن التفاوض معه، والأسئلة السابقة بالطبع ليست الوحيدة، بل هناك ما هو أخطر وأكثر إثارة للحيرة، ليس فقط لأن بعض الوثائق المتعلقة باغتيال البنا لم يكشف عنها حتي الآن في الغرب «في الشرق لا تكشف الملفات أبدًا»، بل لأن قرارًا مثل اغتيال البنا لم يكن ليتخذ كمجرد انتقام من قتل رجل حكومة ولو كان النقراشي، ولم يكن ليتخذ قرار كهذا دون مراجعة الإنجليز، ولم يكن يتخذ هكذا قرار من قبل السعديين فقط دون موافقة كاملة من الملك والاحتلال، بل إن البعض يري أن الأمريكيين أنفسهم لم يكونوا بعيدين تمامًا عن الصورة، وإن من وراء الكواليس، إذ طالما اتضح أنهم كانوا في تلك الفترة - ما بعد الحرب العالمية - يخططون بكل دقة لوراثة البريطانيين في الشرق الأوسط.
السؤال الأغرب في الواقع هو التالي: لماذا كان كل هذا التخبط في التنفيذ، ثم في محاولات التعتيم «كما سنري في التفاصيل» علي الجريمة؟ فعلي الرغم من أنها كانت بوضوح جريمة نظام، بغض النظر عن التفاصيل، فإنها بددت في ذات الوقت كأنها جريمة تورط فيها النظام، وأصرّ عليها في ذات الوقت وقد بذل البوليس جهدًا كبيرًا في الضغط علي الشهود وتزوير البيانات، وهو ما يثير التساؤل حقًا إزاء جهاز بوليس قوي كان قد اعتقل جميع قيادات الإخوان بمن فيهم عائلة حسن البنا وأشقاؤه، بل حاصر المرشد تمامًا قبل وفاته بالمراقبة واعتقال الكوادر وسحب المسدس المرخص بل حتي قطع حرارة التليفون عن منزله، ثم استدراجه إلي جمعية الشبان المسلمين عن طريق سكرتيرها «محمد الليثي» لاستكمال المفاوضات المتعلقة بقرار حل الجماعة بعد اغتيالها النقراشي.
التحقيقات: قبل الثورة / بعد الثورة:
حفلت آلاف المصادر والأوراق بتفاصيل وتداعيات جريمة اغتيال حسن البنا والتحقيقات وشهادات الشهود ولكننا نستند هنا إلي تفريغات الجزء الثاني من الفيلم الوثائقي الممتاز «اغتيال حسن البنا» للمخرج تامر محسن ضمن برنامج «الجريمة السياسية» علي قناة الجزيرة.
«بدأ أول تحقيق في الجريمة بعد ساعات من وقوعها اختفي الشاب الذي التقط رقم السيارة، تقدم محمد الليثي وأدلي بشهادته وذكر الرقم، اتضح أن السيارة مملوكة لمحام يدعي فهيم بولس ومؤجرة لوزارة الداخلية ليستقلها عقيد يعمل في إدارة المباحث الجنائية اسمه محمود عبدالمجيد، شهدت مجموعة من الضباط أنهم كانوا مع المذكور في بهو فندق إيدن وسط البلد من الغروب وحتي ساعة متأخرة من ليل يوم الحادث وأن السيارة كانت تقف تحت أنظارهم أمام الفندق. بعد خمسة أسابيع صدر قرار بحفظ التحقيقات لعدم معرفة الفاعل، كان الشارع المصري في هذا الوقت يهمس بالحقيقة ولكنه لا يستطيع أن يجاهر بها، رأي الناس أن الجريمة تمت أخذا بالثأر نفذتها الشرطة المصرية لحساب الحكومة السعدية ردا علي عملية اغتيال النقراشي باشا رئيس الحزب، لكن رجال الإخوان كانوا يرون للجريمة أبعاداً أكبر من ذلك، منها أن قرار الاغتيال كان لصالح قوي استعمارية كانت تخطط لمستقبل المنطقة وفق لمصالحها».
اختفاء الملك!
بعد الحادث امتنع الملك فاروق عن الظهور في أي مكان وعن الصلاة في المساجد وتم اتخاذ احتياطات أمنية صارمة لتأمين حياته، بعد ثلاثة أشهر أقيلت وزارة إبراهيم عبدالهادي وتولي حسين سري الحكم، أعيد التحقيق في القضية ولكنه انتهي مرة أخري بالحفظ، في مساء تلك الليلة كان الملك فاروق ساهراً في نادي السيارات في قلب العاصمة أمام منضدة القمار.
وفي أرشيف الدولة في بريطانيا تقرير بتاريخ 17 فبراير عام 1949 والذي يلخص بطريقة ما التفاصيل التي حصل عليها البريطانيون حول خطة اغتيال حسن البنا، هذه الفقرة من التقرير عقب اغتيال النقراشي باشا عقد اجتماع في النادي السعدي في شارع سليمان باشا القاهرة وحضرته العناصر السعدية البارزة وفرقة قوية من عناصر الشباب السعدي وقرروا ضرورة الثأر لرئيس الوزراء الأخير الأمر الذي أدي إلي التخطيط لاغتيال البنا بموافقة القصر وذلك بواسطة عبدالرحمن عمار بك وكيل وزارة الداخلية، محمود عبدالمجيد بك رئيس وحدة البحث الجنائي وكمال الدماطي مدير مكتب رئيس الوزراء، وأنا عايز هنا أشير إلي وثائق ثانية، أن ممثل السفارة يقول: قلت بالطبع إنه كان شيئا جيدا من كل وجهات النظر.. كان إجراء قويا جاء قبل فوات الأوان من ذلك النوع الذي يُتخذ لفائدة الأمن الداخلي المصري.. كان من الواجب اتخاذه أسرع من ذلك.
ثورة يوليو، تحقيقات جديدة، أحكام ثقيلة، إفراج!
بعد سبعة أيام من ثورة يوليو بالتحديد أعيد التحقيق بواسطة البوليس الحربي، أمر اللواء محمد نجيب بالقبض علي الأميرلاي محمود عبدالمجيد وعلي سائقه الأمباشي محمد محفوظ وكانت هذه العجلة في أشد أيام الثورة خطورة دليلا علي أنها قضية الجيش وهدف من أهداف الثورة، أحيل التحقيق إلي نيابة أمن الدولة ثم إلي المستشار حسن داود وانتهي بتقديم تسعة متهمين إلي غرفة الإعدام، وبعد ذلك أسرع العميد محمد وصفي قائد حرس الوزارات السابق إلي دار السفارة البريطانية يطلب اللجوء السياسي بعد شهرين وُجِدَ منتحرا في منزله مؤثرا الموت علي مواجهة الموقف، تتابعت إحالة القضية إلي الثلاث دوائر حتي نظرت فيها دائرة الأستاذ محمود عبدالرازق وبدأت وقائع الجريمة تظهر، في اليوم التالي لمقتل النقراشي قام اللواء عبدالرحمن عمّار وكيل وزارة الداخلية بالتعاون مع محمد وصفي قائد حرس الوزارات بتكليف العقيد محمود عبدالمجيد بتنفيذ عملية الاغتيال كان محمود عبدالمجيد حكمدارا لشرطة جرجا واشتهر بميله إلي العنف، تم انتدابه إلي إدارة المباحث الجنائية فاستصدر علي الفور أوامر شفوية باستدعاء فرقة خاصة لتنفيذ العملية كانت تعمل تحت إدارته في جرجا، حوصر البنا تماما، تم اتخاذ إجراءات متتابعة تمهيدا لاغتياله، لم يكن البنا يخرج من منزله إلا إلي جمعية الشبان المسلمين حيث تجري المفاوضات مع ممثلي الحكومة، قرر محمود عبدالمجيد أن يكون المكان نفسه مسرحا للجريمة، في يوم تنفيذ طلب إبراهيم عبدالهادي رئيس الوزراء من أحد أقربائه يدعي محمد الماغي أن يستدعي حسن البنا إلي مقر الجمعية لحضور جلسة مفاوضات جديدة، طلب الماغي من محمد الليثي أن يذهب إلي البنا ويدعوه إلي الاجتماع، لم يكن الليثي يعلم أنه الطُعم الذي استدرج الشيخ إلي مسرح الجريمة ولم يكن يعلم أيضا أنه استخدم من الجناة ليكن جاسوسا علي البنا في الأيام الأخيرة قبل تنفيذ الجريمة فلقد أقنعه الرائد محمد الجزار بالعمل كمرشد للبوليس داخل الجمعية حتي ينقل إليه كل تفاصيل زيارات حسن البنا، ظهيرة يوم التنفيذ قام الضابط عبده أرمانيوس باصطحاب المخبر أحمد حسين جاد إلي أحد البارات دعاه إلي احتساء الخمر سلمه مسدس ماركة (COLT) لتنفيذ العملية، أخلي الشارع الملكة نازلي تماما من أفراد الشرطة وتم تعطيل خط الترام فطفئت أغلب الأنوار في المكان كانت مهمة الضابط حسين كامل بمساعدة اثنين من المخبرين أن يتدخلا في حالة القبض علي القتلة باستلامهم من قبضة الأهالي لكن حتي رجال الشرطة عندما يدبرون جريمة فإن خطأ ما قد يقع تعطلت في اللحظة الأخيرة السيارة التي كانت ستقل الجناة بعد الحادث للهرب فاضطر العقيد محمود عبدالمجيد إلي استخدام سيارته الخاصة إنقاذا للموقف، أمر سائقه بأن يتوجه إلي مسرح الجريمة ويقوم بتهريب الجناة، ذهب الشاب الأسمر إلي مقر الإسعاف وأخذ يخبر المحيطين به برقم سيارة الجناة، علم الصاغ توفيق السعيد بذلك فذهب إلي هناك علي الفور، تم اعتقال الشاب وأخذ إلي سجن الأجانب ثم اختفي بعد ذلك تماما، في مستشفي قصر العيني كان هناك محمد وصفي قائد حرس الوزارات يتأكد بنفسه من وفاة البنا، رآه الليثي فأطلعه علي الورقة المسجل عليها رقم سيارة الجناة انتزعها منه وصفي بغضب وانصرف، كان الليثي يشعر بالندم الكبير فلقد كان طُعما لاصطياد رجل لطالما أكن له احتراما، عاد إلي مقر الجمعية فوجدها محاصرة بالشرطة وقد بدأ التحقيق وعندما كان ينتظر استدعاءه ليدلي بشهادته جاء الرائد محمد الجزار واصطحبه إلي الخارج، روي الليثي تلك الواقعة في محاضر التحقيق.
محمد الليثي في محاضر التحقيق: أخذني ناحية شارع عبدالحميد سعيد وقال لي: أنا لسه جاي من القصر العيني، الراجل مات دلوقتي، وقال أنت عارف طبعا إن البنا كان كل حاجة في الإخوان وهو اللي يدبر وكان المغفلين يطيعوه طاعة عمياء، قال كمان عن الإمام البنا إنه زي الثعبان تقطع رأسه تتقي سمه، وإن الإخوان انتهوا بعد موته، في الحقيقة أنا كنت متضايق من الكلام قوي أنا طبعا كنت متظاهر بأني مش منهم وقال لي كمان لو أنت مصمم أن تشهد يبقي، علي شرط ما تقولش رقم الأوتوموبيل الصح وإن أنا أغير الأرقام، قلت له يعني نظلم أي واحد، كده قال يا سيدي ده مش شغلك ده عشان أبعد الشر عنك وأنا حاروح دلوقتي أفرج عن أصحابك المعتقلين وروحنا داخلين تاني علي الجمعية.
عندما استدعي الليثي إلي التحقيق وجد حوله مجموعة كبيرة من ضباط الشرطة حاولوا بكل الطرق تشكيك الشاهد حتي يكون هناك تضارب في ذكر رقم السيارة، كان الليثي خائفاً لكنه حاول التمسك بالحقيقة وإثبات الرقم الصحيح لسيارة الجناة في محضر التحقيق واستمرت محاولات طمس الحقائق وتزييف الأدلة، اتصل الرائد محمد الجزار بالليثي وأصر علي دعوته إلي العشاء في مطعم نيو ستار في وسط البلد.
محمد الليثي في محاضر التحقيق: أول ما قعدنا طلب عشاء قلت له ما ليش نفس فحلف بالطلاق نتعشي سوا، وقال لي أنت أعصابك تعبانة النهاردة لازم تشرب لك كاسين ويسكي، قلت له أنا ما أشربش خمرة، قال أنت حتعمل لي حنبلي يظهر إن الرجل الشيخ ده أثر عليك خالص، وقعد يضغط علي أشرب وأنا أرفض وقال لي أقسم لك أني أعمل لمصلحتك أنت فاكر اللي قتلوا حسن البنا دول حد يقدر يعمل لهم حاجة.. حرام عليك أنك تيتم أولادك.. وراح مطلع ورقة وقلم وقال لي أنا عايزك تكتب في الورقة دي بخطك رقم 7999 وتيجي معايا نروح قسم عابدين وتقول أنك لقيت الورقة اللي افتكرت أنها ضاعت منك ساعة الحادثة وطلع رزمة ورق بنكنوت وقال لي دي 500 جنيه هدية من الحكومة عشان خاطر تنهي المأمورية وبعد ما نروح النيابة لك مثلهم مرتين وكمان قال لي بص وراءك كده.. التفت لقيت واحدة ست ورايا بتبص لي.. قال لي بعد ما نخلص المشوار ده هآخذك نقضي ليلة كويسه.. أظهرت له بأني اقتنعت بكلامه وقلت له بلاش نروح القسم النهارده خليها بكره الصبح أحسن.
في الثامن من شهر أغسطس عام 1954 صدرت الأحكام علي قتلة حسن البنا، قال القاضي في حيثيات الحكم إن قرار الاغتيال قد اتخذته الحكومة السعدية بهدف الانتقام ولم يثبت تواطؤ القصر في ذلك لكن القاضي أشار إلي أن العملية تمت بمباركة البلاط الملكي، المتهم الأول أحمد حسين جاد الأشغال الشاقة المؤبدة.. المتهم السابع محمد محفوظ الأشغال الشاقة خمسة عشر عاماً.. المتهم الثامن الأميرلاي محمود عبدالمجيد الأشغال الشاقة خمسة عشر عاماً.. البكباشي محمد الجزار سنة مع الشغل قضاها في الحبس الاحتياطي فأفرج عنه. شهدت العلاقة بين الجماعة والثورة توترا حادا بلغ ذروته بعد شهور قليلة من إغلاق ملفات قضية الإمام البنا.. ففي السادس والعشرين من شهر أكتوبر/ تشرين الثاني عام 1954 وعندما كان جمال عبدالناصر يلقي خطابا في الإسكندرية بمناسبة الاحتفال بتوقيع معاهدة الجلاء أطلقت عليه ثماني رصاصات لم تصبه، وعلي الفور شكلت محكمة بقيادة جمال سالم كانت الحكومة فيها الخصم والحكم في الوقت ذاته. في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول صدرت الأحكام بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة علي عدد كبير من رجال الإخوان.. الغريب في الأمر أن قرارات صدرت في تلك الأزمة بالعفو عن كل المتهمين في قضية اغتيال حسن البنا، أُفْرِجَ عن القتلة بعد شهور قليلة قضوها داخل السجون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.