هي أشكال من الروايات الإذاعية والتليفزيونية ظهرت في أمريكا منذ الثلاثينيات تحت رعاية أو إنتاج شركات المنظفات الصناعية ( وهذا سر تسمية الصابون ). بعض الحلقات بدأت مع انفجار «الصابون» في منتصف الثلاثينيات ومازالت مستمرة إلي الآن...وكانت موجهة غالبا إلي جمهور ربات البيوت. الحلقات تحول الزمن إلي سائل بلا مواجهات مع حدث بعينه، وتنقل المواجهة كلها إلي المشاعر وهو ما يمنح أوبرا الصابون طابعها الرومانسي، وتأثيرها العاطفي المبالغ فيه. في أوبرا الصابون يمكن لحدث صغير أن يفرع الحكايات وينقلها إلي منطقة أخري، وهي متاهة مركبة، لكنها لا تربك المشاهدين لأنها تشعرهم بانتصارات ما لا تصدم قيمهم ولا برامجهم العاطفية. السياسة في أيام مبارك حولت مصر كلها إلي استوديو كبير لتصوير «أوبرا صابون»... لأنها تناسب «العقل الهلامي» المشغول بالوجود في اللحظة،لا ماض ولا مستقبل. غريزة البقاء تدمر جسور الوعي بين الماضي والمستقبل، وتدفع العقل المسيطر إلي «متاهات» لا نهائية...يسيل فيها من ذروة إلي ذروة هكذا بلا قيم كبيرة ولا أفكار كبيرة، كما أنه لا ينشغل بالتفاصيل الصغيرة التي يمكنها أيضا أن تصنع فنا جميلا وحياة لا تقل جمالا. عقل الصابون يهتم بالتشويق، أو بالتفصيل (لا التفاصيل) لكي يظل البطل بطلا... والنهاية متوقعة (لأنها لن تصدم أحدًا أو لن تحمل مفاجآت غير متوقعة)، لكن الأحداث تسير كأنها بديل «الحياة» التي يتابعها جمهور منتظر علي الأرائك أو طاولات المطبخ. هكذا تحول انتظار لحظة محاكمة هشام طلعت مصطفي إلي حلقات فرعية عن الصور وصراعات المحامين وحروب شركات المقاولات وغيرة رجال السلطة من قرب إمبراطور العقارات من الرئيس وعائلته. الحكاية لم تعد قاتلاً ومحرضًا وقتيلة، ولكن عشرات الحكايات، وحشود تطلق الزغاريد لإفلات هشام طلعت مصطفي من الإعدام، وتقص لمعاركه داخل نخبة الثروة والسلطة، وبالتدريج تغيب مفاهيم العدالة لصالح متابعة مصير «البطل» الذي خلع البدلة الحمراء وتجدد أمله في الخروج. جمهور مسلسل الملياردير والمغنية سينسي بعد قليل مركز الحدث وسيغرق في التعاطف مع البطل المنتظر عودته إلي الحياة...هكذا تسيل القضايا وتتفكك الأنوية الصلبة للحدث ويهتم الجمهور بخطوط السير لأبطال الحدث... ومصائرهم. كما أن انتظار التغيير علي طريقة الأقدار الكبيرة، يبدو مؤلما وقاسيا لجمهور يتسلي بالمسلسلات. وتابعوا ما حدث في مصر سنجده مكتوبًا بلغة أوبرا الصابون هل سيظهر الرئيس؟ - إنه مريض..! لا..إنه في النقاهة؟ ماذا سيحدث غدا؟ هل يعين نائباً؟ هل يشعر البلد بالاستقرار؟ هل سيظهر الرئيس..؟ إنه سيظهر؟ في شرم الشيخ..! في القاهرة. بالصوت؟ بالصورة؟ إنه... قادر علي الحكم. سيظهر الرئيس ظهر الرئيس.. قال إن علي من يرفع الشعارات أن يقول للبسطاء كيف سيحل المشاكل. هكذا كانت السياسة مثل حلقات أوبرا الصابون وجمهورها يتعامل بنفسية قريبة من النظر للحياة علي أنها فيلم رسوم متحركة سيعود البطل فيه للحياة بعد أن تدهسه البلدوزرات، أوهام تحول الحياة إلي طرفة والمأساة إلي شيء يمكن تجاوزه، والاستبداد إلي حلقة في مسلسل لا يعرف نهايته إلا المؤلف المستتر خلف باب غرفته في كهف سري.