"إنها ليلة مظلمة حقا".. قالها لنفسه وهو يرتجف بردًا داخل سيارته. الأمطار ترتطم بعنف بزجاج سيارته مصدرة ذلك الصوت المزعج الذى لا يطاق، خاصة مع صوت الرعد بالخارج الذى يكاد يصيبه بالصمم والبرودة القاسية التى تجمد أطرافه. كان عائدا إلى بيته بالأسكندرية بعد يوم طويل قضاه مع إخوته وأخواته وأطفالهم بالقاهرة. لا يعلم لمَ لم يفكر بالزواج والإنجاب من قبل. لمَ لم يفكر فى الإستقرار حتى قارب الأربعين من عمره.. ألأنه لم يجد الزوجة المناسبة بعد؟ أم لأنه لا يعتقد أنه جاهزا ليكون أبا ذا مسئوليات على عاتقه؟ لم يعلم أيضا لم طرأت تلك الأسئلة فى ذهنه بغتة أثناء قيادته! بعد دقائق من القيادة كان قد أخلى ذهنه من تلك الأسئلة التى لا طائل منها فى رأيه. فهو على كل حال لا يريد أن ينتهى به الأمر فى حادثة مأساوية على ذلك الطريق الزلق.. خاصة مع الوجود الدائم لعربات النقل تلك التى دائما ما يكون سائقها فى حاجة للنوم ولا يجد وقتا مناسبا للنوم إلا أثناء القيادة! نظر فى ساعته.. كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل. ألقى اللوم على نفسه لعودته متأخرا هكذا. فهكذا سيستيقظ غدا فى وقت متأخر وبالتالى سيتأخر على عمله وينال بضع كلمات ناهرة من مديره الفظ. أثناء قيادته لمح ذلك الظل بعيدا على جانب الطريق.. قرر أن يبطئ من سرعته حتى يستطيع تبين كنه ذاك الظل. اقترب منه شيئا فشيئا حتى ظهر صاحب الظل واضحا.. لقد كانت فتاة فى أواسط العشرينات غير مهندمة الثياب.. شعرها يتناثر حول وجهها بطريقة عشوائية.. لكن على الرغم من ذلك كانت تبدو (بنت ناس) حقا كما يقولون. كان واضحا أنها قد ضلت طريقها أو تنتظر أى سيارة ذات سائق رحيم القلب يعرض عليها إيصالها على طريقه. لا يعلم كيف رق قلبه بهذه الطريقة ووجد نفسه يتوقف بالسيارة أمام الفتاة.. فتح الزجاج على يمينه وقال للفتاة بصوت عال محاولا التغلب على صوت العاصفة التى لا تهدأ: أنا فى طريقى إلى الإسكندرية.. إذا كانت هذه وجهتك أيضا فلا أجد مانعا فى إيصالك معى.. لا يجدر بك الوقوف هكذا تحت الأمطار فى هذا الجو العاصف.. فهذا خطر عليكِ.. أومأت برأسها دون أن تتكلم واقتربت من السيارة. فتح لها باب السيارة على يمينه، لكنها تجاهلته فاتحةً الباب الخلفى للسيارة وجلست على المقعد الخلفى ثم أغلقت الباب.. استفزه هذا الموقف. فهى فضلت أن تجلس بالخلف جاعلة إياه يبدو كسائقها الخاص. بل إنها حتى لم توجه له كلمة شكر ردا على مبادرته الطيبة! عاود القيادة مرة أخرى وهو يخفى دهشته. نظر إلى المرآة الأمامية ليتفحص الفتاة فهو لم يتبينها تماما وسط الأمطار. كانت جميلة بحق.. هكذا اعتقد. ببشرتها البيضاء وعينيها الخضراوتين وشعرها الأسود المبتل المنسدل على كتفيها. لم يفسده إلا نظرة الحزن التى تعلو وجهها وذلك الخواء الغامض الذى يطل من عينيها. والشحوب المقفر الذى يحتل قسمات وجهها.. كما لاحظ أيضا تلك البقعة الحمراء الكبيرة على قميصها الأبيض.. أهى دماء؟ إذا كانت كذلك فقد تكون مصابة ولم تخبره بذلك.. سألها: - هل أنتِ على ما يرام؟ أجابت بصوت واهن: - نعم.. لا تهتم.. - كما تشائى إذن.. عاود القيادة والصمت يطبق على المشهد لا يتخلله سوى صوت الأمطار خارج السيارة. كان يفكر.. ما سر تلك الفتاة؟ ماذا كانت تفعل وحدها فى تلك المنطقة النائية و كيف انتهى بها الأمر إلى ما هى عليه الآن؟ هل هى مصابة حقا؟ ربما هناك جرح ما خطير بجسدها وهى الآن تحتضر. تحتضر فى سيارته!! السيناريو الشهير الذى يتكرر كل يوم.. ربما لم يجدر به أن يقل فتاة غريبة غامضة معه بالسيارة.. فكرة سيئة.. حقا فكرة سيئة! هكذا فكر.. نظر إلى المرآة الأمامية بتلقائية وشهق فى خفوت. كانت الفتاة تحدق فى عينيه بثبات وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة غريبة لم يدر لها معنى وإن أثارت القشعريرة فى جسده.. عاود النظر إلى الطريق أمامه شاعرا ببعض الحرج الممتزج بالتوتر. دقات قلبه تتزايد فى انفعال.. هل كان ينقصكِ بعض الغموض حتى تضيفى تلك الابتسامة الغريبة؟! قالها فى نفسه.. تزايد شعوره بالبرد حتى صارت أطرافه على وشك التجمد. لقد صار يهاب تلك الفتاة حقا ولا يدرى لذلك سببا.. ربما بسبب هالة الغموض التى تحيط بها. حقا لا يعلم... لم يعاود النظر إلى الفتاة حتى لم يفصله عن الإسكندرية سوى بضع كيلومترات.. قال موجها حديثه لها: لقد اقتربنا.. إذن أين تقيمى فى الإسكندرية؟ لم يتلق إجابة.. نظر فى المرآة ولدهشته لم يجدها. التفت برأسه إلى المقعد الخلفى تلقائيا ليجدها جالسة فى المنتصف.. شعرها يغطى معظم قسمات وجهها.. وكانت تضحك ضحكات ماجنة شريرة لا تمت لعالمنا الآدمى بصلة. وفجأة دفعت يديها لتلفها حول عنقه بعنف.. رباه.. يداها كانتا باردتين بطريقة غريبة.. كانت تحاول خنقه وضحكاتها الشيطانية لم تخفت بعد.. لم تستطع يداه الإمساك بمقود السيارة كما يجب وحدث الأمر بسرعة.. لم يستطع أن يدير وجهه ناحية الطريق لكنه لمح بطرف عينه من يعبر الطريق أمام السيارة.. لم يستطع أن يبتعد عنه أو إيقاف السيارة لأن الفتاة لم ترخ قبضتها عن عنقه.. وهكذا حدث الأمر. صدمت السيارة عابر الطريق بعنف ليرتمى على جانب الطريق بقسوة. فى نفس اللحظة استطاع التملص من يدى الفتاة واسترداد أنفاسه بصعوبة.. ثم أوقف السيارة فى الحال. بذعر نظر للمرآة لكنها لم تكن هناك !.. نظر خلفه بحذر ليتأكد لكنها لم تكن هناك أيضا. خرج من السيارة ملهوفًا لتستقبله العاصفة بصوت الرعد الذى يصم الآذان. اقترب من الجسد الممدد على الطريق وقلبه ينتفض داخل صدره.. تشتد الأمطار وتسيل على وجهه باردة. كان الجسد ملقى على وجهه لكنه تبينه أنه كان لامرأة.. اقترب منها بحذر ومد يديه إليها.. ثم قلبها على ظهرها.. و..صدرت منه شهقة مكتومة وهو يتراجع ببطء عن الجسد..كان الجسد لفتاة ذات بشرة بيضاء وعيون خضراء وشعر أسد مبتل. وكانت هناك بقعة دم حمراء على قميصها الأبيض. نظر إلى السيارة.. الآن فهم كل شئ.. عاود النظر إلى وجه جثة الفتاة الممدة على الأسفلت.. وخيل إليه أنه يرى شبح ابتسامة على شفتيها.. ابتسامة غريبة.. ابتسامة مألوفة!!! محمد جمال محمد عبد الغني
التعليق قصة جيدة، الكاتب يمتلك قدرة على الحكي والمزاوجة بين المشاعر الداخلية والعالم الخارجي، كما يمتلك طاقة للتخيل تسمح ببناء مركب ومشوق. العلاقة بين رفض الزواج في بداية القصة وأحوال الطقس، والفتاة (المتخيلة؟) جيدة. وإن كنت أظن أن بعض التعديل في نهاية القصة كان يمكن أن يفك الغموض الزائد. اللغة سليمة وإن كانت تحتاج إلى التدقيق، (مثلا: "لمح ذلك الظل بعيداً". ليس هناك ظل في ليل ممطر مظلم، الأفضل شبح). د. سيد البحراوي أستاذ الأدب العربي الحديث بكلية الآداب، جامعة القاهرة