عزيزي القارئ.. ماذا يكون شعورك لو كنت ملتحيا ووالدتك منتقبة، وذهبتما لقضاء بعض الوقت في أحد النوادي الاجتماعية؛ ففوجئتما بفرد الأمن الواقف على البوابة يمنعكما من الدخول، ويشير إلى لافتة مكتوبا عليها "ممنوع دخول الحيوانات الأليفة والملتحين والمنتقبات"!! هذا هو التساؤل الذي طرحه صديقي الناشط عبد الرحمن عز منذ أيام على صفحته على فيسبوك بلهجة وكلمات تقطر منها المرارة، بعدما جرى له ولوالدته من منعٍ من دخول أحد نوادي القوات المسلحة بسبب كونها منتقبة وكونه ملتحيا، لا أعرف إن كانت هناك لافتة تقول ما تحدّث عنه عبد الرحمن أم إنه تشبيه تعبيري استخدمه، لكن المغزى في الحالتين قاسٍ ومهين، فَتَلقّي الخدمات والتمتع بمرافق الدولة حق لكل مواطن، وحرمان هذا المواطن من جزء من حقوقه بسبب معتقداته أو ممارساته أو مظهره هو انتقاص صارخ من مواطنته وإهانة مشينة لآدميته. ومما ينكأ هذا الجرح كذلك -على الأقل في رأيي المتواضع- موقف وزارة الداخلية من قضية الضباط الملتحين؛ فهؤلاء الضباط تعرّضوا للاضطهاد الإداري نتيجة إطلاقهم للحاهم، وهو أمر محل خلاف، فالبعض يرى أن مسألة إلزام الضابط بحلق لحيته يرجع للتقاليد العسكرية ومطلب جعل هيئة رجل الشرطة محايدة لا تنمّ عن انتمائه الديني، وهي وجهة نظر أحترمها ولكني أختلف معها؛ حيث أنضم لرأي آخر يقول إن هيئة الضابط لا تهمّ ما دام أنه يلتزم الحياد إزاء كل من يتعامل معهم من المواطنين مثله كمثل أي موظف عام؛ خصوصا أن وظيفة رجل الشرطة في أصلها وظيفة مدنية رغم طبيعة الضبط والربط المرتبطة بالنمط العسكري.. بالتالي لا مبرر للانتقاص من حرياته الشخصية. هذان الموقفان يفتحان ملف "التمييز السلبي ضد فئة من المواطنين بسبب ممارساتهم الشخصية"، والذي تمّ القضاء عليه في بعض القطاعات كقطاع الإعلام؛ حيث استردت المذيعات المحجبات حقهن في الظهور التليفزيوني، ولكنه لم ينتهِ تماما من الدولة. والأمر في حقيقته لا يتوقف عند الصورة السطحية للتعسف الإداري مع فئة من المواطنين، بل إنه يندرج تحت بند "التحريض على الكراهية" ضد هذه الفئة؛ فبالله عليكم كيف يمكن افتراض أي مقاصد حسنة وراء منع منتقبة أو ملتحٍ من دخول نادٍ للضباط؟ وما هو سبب افتراض أن الضابط الملتحي هو أقل كفاءة أو حيادية أو انضباط من غير الملتحي؟ إن مَن لديهم قدر كافٍ من الاطّلاع على علمَي النفس والاجتماع يمكنهم بسهولة إدراك أن مثل تلك الممارسات تقدّم مع الوقت صورة سيئة عن الفئات المقصودة بهذا التمييز. والحل لتلك المشكلة ينبغي ألا يتوقّف على قرار سيادي أو وزاري أو حكم للقضاء الإداري، بل في فرض حماية قانونية لكل مواطن من خلال سَنّ قانون موجود بأغلب الدولة ذات الأنظمة القانونية المتطورة، هو ما يمكن تسميته قانون "تجريم التحريض على الكراهية"، وهو يختلف عن قانون تجريم التمييز في أنه لا يتوقف عند التمييز في الحقوق والالتزامات المادية، بل تمتدّ مظلتها لتشمل بالحماية كل المواطنين من أي إساءة مادية كانت أو معنوية، ففي ظل مثل هذا القانون لا مجال لمجرد سخرية ممثّل من أصحاب المظهر السلفي في أحد أعماله الفنية، لا مجال للسخرية في البرامج الكوميدية -مثلا- من أصحاب العلل الجسدية كالسمنة المفرطة أو عيوب النطق، لا مجال لشيخ أن يعمم الاتهام لتيار سياسي كامل كالليبراليين واليساريين بمعاداة الدين، لا مجال لكتابة مانشيت من نوعية "سلفي يقطع أذن قبطي"، أو أن يوصف أصحاب الهيئة الفقيرة أنهم "أشكال غلط"، بل إنه لا مجال لإطلاق نكات على فئة من المصريين كأهل الصعيد أو المنوفية. هل ترى -عزيزي القارئ- أن في إصدار مثل هذا القانون تقييد للحرية؟ العكس تماما، فهو يضع الحدود التي تتحدّث عنها القاعدة الشهيرة "إن حريتك تتوقّف عند حدود حريات الآخرين"؛ فهذا القانون يحمي "حريات الآخرين" من الانتهاك بسبب ممارستك حريتك. مثل هذا القانون الذي أرى أننا نحتاج إليه بشدة فيه حل جذري لمشكلة مثل منع المنتقبات من دخول أماكن معينة -بل وأحيانا المحجبات كما قال من قبل الصحفي أسامة غريب في أحد مقالاته- ومنع الملتحين من بعض الوظائف، وأي ممارسة من شأنها الإساءة لفئة من المصريين. ومما يؤلمني ويدفعني للمطالبة بهذا القانون أني أراه يكمل النقص الناتج عن غياب دور دعاة الحرية وناشطي المجتمع المدني عن الوقوف إلى جانب مَن هم في موقف عبد الرحمن عز ووالدته وضباط الشرطة الملتحين، ربما بسبب الحساسية القائمة بين قطاع ضخم منهم والتيار الديني المنتمي له هؤلاء المعرّضون للتعسف، وهو مما ينمّ عن اختلال في معايير تلك النسبة من المنادين بالحريات والمساواة، وانتقائهم الحالات التي يُؤيّدونها بما يتناسب مع مواقفهم السياسية، وهو بالطبع أمر مشين ومخجل.. بل ويصل بهم الأمر للهجوم على من يتضامن مع هؤلاء في مطالبهم باعتباره -على حد قولهم- ينحاز للمخطط المزعوم للتيار الديني لتحويل مصر لدولة دينية، وهو هجوم يجعل المرء يتألم وهو يرى أناسا مثقفين يتحدّثون باسم المدنية والحرية والمساواة يكيلون بمكيالين.. (منذ ساعات قليلة تعرضتُ لهجوم مماثل من صديق؛ بسبب إعلاني تضامني مع الضباط الملتحين، بل واتهمني أني أُظهِر الليبرالية، بينما أنا أنتمي سرا للتيار الديني)!! وعودة لموضوع جريمة نشر الكراهية؛ فإن إصدار مثل هذا القانون المُجرّم لأي أفعال تنتمي لهذا الأمر لا ينفي حاجتنا لاستخدام آليات أخرى لمحاربة مثل هذه الجريمة؛ كالتوعية الثقافية والتعليمية بل والدينية، ومحاولة خلق اتفاق مجتمعي على رفضها والتصدّي لمرتكبيها سواء بشكل صريح أو مستتر؛ بحيث نصل لترسيخ النفور منها في الضمير الجمعي للأجيال القادمة إن شاء الله. أعتقد -وهذا كما قلتُ رأيي المتواضع- بأن هذا هو السبيل لإنصاف أمثال عبد الرحمن عز ووالدته الفاضلة والضبّاط الملتحين وأي إنسان عُرضة للانتقاص المادي أو المعنوي من مواطنته أو آدميته؛ فالعلاج السريع بحكم قضائي أو قرار رسمي لكل حالة على حِدة لا يحل تلك المشكلة، والنظر إليها فقط باعتبارها "مسألة إدارية" يجعلنا نغفل عن المشكلة الأكبر ونتعامل مع العرض بدلا من القضاء على المرض، ونحن في مرحلة نريد فيها التعافي من عشرات الأمراض المجتمعية التي تراكمت وتكالبت علينا خلال عقود من انتهاك آدميتنا ووطنيتنا جميعا؛ فليس إذن من مجال إلا للحزم واقتلاع الوباء من جذوره لأننا لو تركناه وانشغلنا بفروعه فسرعان ما سيجد لنفسه امتدادا يجعل كل حلول مشكلاتنا عبثا؛ كالأسطورة الشهيرة للذي يدفع الصخرة إلى أعلى المنحدر لتفلت وتتدحرج منه إلى أسفل ليعيد دفعها لأعلى ثم تعود للهبوط.... إلى ما لا نهاية.