45 دقيقة متوسط تأخيرات قطارات «طنطا - دمياط».. الأحد 4 يناير    أسعار الأسماك والخضراوات والدواجن.. 4 يناير    صور.. لقطات مهينة تظهر مادورو وزوجته داخل مبنى مكافحة المخدرات في نيويورك    رئيس كوريا الجنوبية يزور الصين بعد توترات بكين المتزايدة مع اليابان    حدث ليلا.. تطور عاجل في قضية مادورو وأحداث ساخنة فى الشرق الأسط    التصريح بدفن غفير قتل على يد شقيقه بسبب الميراث بالقليوبية    10.7 مليون مستخدم و25 مليون معاملة رقمية.. حصاد استثنائي لمنصة «مصر الرقمية» في 2025    الفرق المصرية تحصد المركز الأول في مسابقة هواوي كلاود للمطورين «Spark Infinity» لعام 2025    مادورو قد يمثل الاثنين أمام محكمة فدرالية فى مانهاتن    وزير قطاع الأعمال يلتقي محافظ الغربية في مستهل زيارته لشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى    إلبسوا الشتوي الثقيل، تحذير هام من الأرصاد الجوية للمواطنين بشأن طقس اليوم    بيان من إدارة المسرح في بغداد بشأن أزمة حفل وائل جسار في ليلة رأس السنة    ترامب يعلن عن «مبدأ دونرو» بديلا عن «مبدأ مونرو» مدعيا تجاوز أهداف السياسة التقليدية    أمم إفريقيا – بيسوما: نحن محاربون لا نستسلم.. ومباراة السنغال مثل النهائي    سياسة الحافة المؤجلة.. دلالات لقاء ترامب ونتنياهو    الخارجية الأردنية تتابع أوضاع مواطنيها في فنزويلا وتؤكد سلامتهم    الأرصاد: طقس شتوي بامتياز الأسبوع الجاري.. وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة ليلًا    رئيس التصنيع الدوائي بالصيادلة يوضح الفرق بين منشورات السحب والغش الدوائي    فيديو | عمره 44 عامًا.. حكاية أكبر خريج من كلية طب قنا    أتالانتا ينتصر على روما بهدف سكالفيني ويحقق رقما لم يحدث من قبل    وزير السياحة: لا يوجد تهدم بسور مجرى العيون.. والجزء الأثري لا يمكن المساس به 100%    المسرح القومي يحتفل بمرور 100 ليلة على عرض مسرحية "الملك لير"    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    لماذا يفضّل الرياضيون التمر؟    عيادة أسبوعية متخصصة لجراحة الأطفال بمستشفى نجع حمادي    د.حماد عبدالله يكتب: ثقافة النقاش !!    نتيجة مباراة إسبانيول ضد برشلونة في الدوري الإسباني    وزير السياحة: حققنا نموا 21% في أعداد السائحين وزيادة 33% في زيارات المواقع الأثرية خلال 2025    تحريات لكشف ملابسات سقوط شخص من عقار في العمرانية    برشلونة يحسم ديربي كتالونيا أمام إسبانيول ويعزز صدارته للدوري الإسباني    سيف زاهر: حمزة عبد الكريم سيخوض تجربة احتراف بناد تابع لبرشلونة الإسبانى    وكيل حامد حمدان: انتقال اللاعب إلى بيراميدز جاء رغبة منه بسبب الاستقرار    شطة يفتح النار على الكاف: خضعتم لأندية أوروبا.. ولا تهمكم مصلحة القارة    أحمد مجدي ل ستوديو إكسترا: التريندات الفارغة تدفع المجتمع نحو الانحراف    نقابات عمال مصر: حوافز للمنشآت المتعثرة لضمان تطبيق الحد الأدنى للأجور    محمد صابر عرب . .مؤرخ جاء لمهمة    كأس العالم يصل مصر اليوم ضمن الجولة العالمية قبل مونديال 2026    مانشستر يونايتد يصطدم بموقف برايتون في صفقة باليبا    وزير العدل يزور الكاتدرائية المرقسية للتهنئة بعيد الميلاد المجيد.. صور    وزير المالية السعودي يعتمد خطة الاقتراض السنوية للعام المالي 2026    ماك شرقاوي: اعتقال مادورو خرق للقانون الدولي وعجز لمجلس الأمن    تجديد حبس عامل بتهمة طعن زوجته أمام محطة مترو فيصل لخلافات أسرية    وزير البترول الأسبق يكشف مفاجأة بشأن مستقبل أسعار النفط واحتياطيات فنزويلا    أخبار مصر اليوم: السيسي يؤكد موقف مصر الداعم لتحقيق الاستقرار في المنطقة واحترام سيادة الدول.. الوطنية للانتخابات تتلقى 28 شكوى باليوم الأول لجولة الإعادة بالدوائر الملغاة.. وهذة حالة الطقس غدا الأحد    مصر المستقبل: ناقشنا مع سفيرنا بالنرويج أهمية المشاركة للمصريين بالخارج    نقيب التمريض تُشيد بحرص رئيس الوزراء على دعم طلاب التمريض خلال زيارته للأقصر    صحة المنوفية: انتظام المبادرات الرئاسية بدراجيل... وحملات وقائية مكثفة لسلامة الغذاء والمياه    الداخلية: كشف حقيقة ادعاء مرشح بمنع الأجهزة الأمنية الناخبين من التصويت في المنيا    واعظات الأوقاف ينفذن سلسلة من الفعاليات الدعوية والتثقيفية للسيدات والأطفال    ضبط سيدة بمحيط إحدى اللجان الانتخابية بإسنا وبحوزتها عدد من بطاقات مواطنين وكروت دعاية لإحدى المرشحين لتوزيعها على الناخبين    منحة عيد الميلاد وفرص لوظائف في الداخل والخارج..حصاد"العمل" في إسبوع |فيديو جراف    غدًا..«بيت الزكاة والصدقات» يبدأ صرف إعانة شهر يناير 2026م للمستحقين بجميع المحافظات    وكيل صحة المنوفية يتفقد جاهزية مستشفى أشمون العام لاستقبال الأعياد ..صور    هام من التعليم بشأن اشتراط المؤهل العالي لأولياء الأمور للتقديم بالمدارس الخاصة والدولية    "الهيئة الوطنية" تعقد مؤتمرًا صحفيًا لإطلاع الرأى العام على جولة الإعادة بالدوائر الملغاة    «الشبكة» من المهر وردها واجب عند «الفسخ»    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    ننشر مواقيت الصلاه اليوم السبت 3يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحمد عبداللطيف : " حصن التراب" رواية آلام المورسكيين
نشر في صوت البلد يوم 10 - 08 - 2017

الموريسكيون هم أحفاد المسلمين الذين اعتنقوا المسيحية بعد سقوط المملكة الإسلامية وصعود التاج الكاثوليكي للحكم، والذين تم تهجيرهم من إسبانيا قبل أربعة قرون، (بالتحديد في عام 1609)، حين أجبرتهم السلطة على عبور البحر والذهاب إلى دول شمال أفريقيا ليستكملوا حياتهم هُناك في شتات وتمزق أبدي.
هذه المأساة (التهجير)، لم يتناولها المؤرخون بتفاصيلها وعمقها الإنساني لكن الروايات وضعتها في الاعتبار، فحاولت الاقتراب من الموريسكيين واستحضارهم ليحكوا لنا ما حدث وما لم نسمعه من قبل، وهو ما فعله الروائي المصري أحمد عبداللطيف في روايته “حصن التراب”.
أحدهم في الرواية، ويدعى خوان دي مولينا، يخبرنا قائلاً “حيث كانت تنتظرنا المراكب سمعنا من يقول إنهم سيلقون بنا في عرض البحر”، ثم يضيف “إنهم لا ينتقمون منّا نحن فقط بل ينتقمون من البحر أيضاً، وما الفارق بين أن يلقوا بنا في البحر أو أن يلقوا بنا في أرض لا نعرفها ؟”، فعمّن تتحدث الرواية إذن؟ هل عن الموريسكيين وحدهم أم عنّا نحنُ الذين اتخذنا من المراكب أوطاناً بديلة لا تدوم؟
تاريخ مغاير
أحمد عبداللطيف (المولود في عام 1978)، ويعد من الكُتّاب المجددين في فن الرواية وصدرت له من قبل أربع روايات هي “صانع المفاتيح” التي تدرس الآن في قسم الدراسات العربية بجامعة تشارلز بالتشيك، و”عالم المندل”، و”كتاب النحّات”، و”إلياس”.
ترجم عن اللغة الإسبانية العديد من الأعمال المهمة، منها “مسيرة الفيل” و”البصيرة” و”ثورة الأرض” لجوزيه ساراماغو، و”المرأة المهووسة” لخوان مياس، وحاصل على جائزة الدولة المصرية التشجيعية في الرواية عام 2011، وجائزة المركز القومي للترجمة عام 2013، والمركز الأول لجائزة ساويرس الثقافية في الرواية لعام 2015.
لا يعرف عبداللطيف لماذا كتب عن الموريسكيين دون غيرهم، ولا يعرف أيضاً لماذا تأخر في الكتابة عنهم مع أنه يتتبع خطاهم منذ أكثر من عشرين عاماً حين درس تاريخهم بالجامعة واطلع على أدبهم وحضارتهم.
وقال :حين تستحوذ فكرةٌ على عقل الكاتب تظل تطارده في منامه وصحوه إلى أن تكتمل وتنضج، وأنا أشعر بأن الرواية كانت تُكتب بداخلي دون أن أنتبه، فبعد انتهائي من دراستي التي كانت في تخصص اللغة الإسبانية والتي تضمنت بطبيعة الحال دراسة تاريخ الأندلس، وجدتني أفتشُ -أينما ذهبت- عن الكتب التي تتحدث عن الموريسكيين كي أكوّن صورةً واضحةً عن حياتهم وطبيعتهم، وقرأت نحو مئة مرجع معظمها مكتوب باللغة الإسبانية، أما المراجع العربية فكانت قليلة ونادرة، وكان ذلك مهماً كي أتجنب ما كُتب وأتناول القضية من وجهات نظر مختلفة”.
ومنحت رواية “حصن التراب” للموريسكيين الذين واجهوا بأنفسهم التعذيب والاضطهاد الديني الفرصة لأن يكتبوا تاريخهم الذي لا يشبه التاريخ المعروف، فالتاريخ دائماً ما يروي الأحداث والوقائع ويدوّن أسماء القادة المنتصرين والمهزومين، لكنه نادراً ما يروي حكايات البشر، ونادراً ما يضع أصابعه على ما أصاب أرواحهم وجعلهم أمواتًا إلى الأبد، “وهنا يأتي دور الخيال الذي ببصيرته يستدعي ما حدث ويقول ما لم يجرؤ أحدٌ على قوله”.
ومن خلال عائلة محمد دي مولينا الموريسكية، نعرف ما الذي يمكن أن يُصيب المرء بالضبط حين يُنتزع من أرضه مثل نبتة، “نبتة أصروا على أن تعيش بشروط التربة الجديدة دون أن يدركوا أن الماء على كثرته عندما يُصبُ في غير مكانه يَصبُ في غير هدفه”.
وأوضح عبداللطيف “كان يهمني أن أكتب رواية بعيدة عن الطرح الموثق، أن أكتب رواية الناس العاديين الذين نسيهم التاريخ وكمم أفواههم، أن أكتب عن الذين عذبتهم الهوية، تلك الهوية التي أراها الشيء الصادق الوحيد، والتي تجري في دمائنا ونورثها لأبنائنا وأحفادنا، وهي التي جعلت الموريسكيين يتمنون لو يدفنوا فقط في أراضيهم”.
وقال “الهوية التي تدفعنا إلى الحلم، حلم العودة، فالموريسكيون يشبهوننا كثيراً، يشبهون الفلسطينيين والسوريين والمسيحيين المصريين وكل من تم تهجيره وسُلبت منه هويته وحياته وأرضه”.
وأضاف “حين نسترجع اليوم قضية الموريسكيين نسترجع معها كل القضايا المتعلقة بالتطرف الديني الذي لم يكن في عمقه دينياً إنما سياسياً، صحيح أن محاكم التفتيش التي تعرض لها الموريسكيون كانت لأسباب دينية لا منطقية، ومن بينها اتهامهم بإدعاء اعتناق المسيحية، وعدم شرب الخمر، ورفضهم أكل لحم الخنزير، إلا أن التخوف الحقيقي الذي كان لدى السلطة هو احتمالية تحالف الموريسكيين مع الدولة العثمانية لغزو إسبانيا، لكن هذا لم يحدث، فلم يثبت التاريخ أن الموريسكيين كانت لهم علاقة بالعثمانيين، أو أنهم كانوا يريدون أن يصيروا عرباً، وذلك لأنهم كانوا منتمين فعلاً إلى بلدهم وهويتهم الإسبانية”.
القتل باسم الدين
تطرح رواية “حصن التراب” عدة تساؤلات تشغل بال كل منّا ونحملها معنا على مر المآسي والسنين ولم نجد إجابة لها رغم كل ما حدث وكل ما سيحدث: “ما السبب – إن كان ثمة سبب- للقتل باسم الله؟ باسم الدين؟ وهل هو فعلًا قتل باسم الله أم باسم الملك أم باسم الأراضي والبيوت أم باسم الكراهية؟ لماذا تريد أن أشبهك لتقبلني؟ لماذا تشغل نفسك بهدايتي، وباقتيادي للجنة، وبتطهير روحي؟”.
لم يكن لدى الموريسكيين أي مشكلة في البقاء تحت حكم التاج الكاثوليكي والتعايش مع المسيحيين كما تعايشوا معهم قبل سقوط غرناطة عام 1492م، وكان ذلك أحد البنود التي اتفق عليها أبوعبدالله الصغير (آخر ملوك الأندلس) مع القشتاليين حين قام بتسليمهم مفاتيح غرناطة، أن يظل الموريسكيون في إسبانيا وأن يمارسوا شعائرهم بحرية، لكن بعد عشر سنوات تم نقض العهد، وخُيروا -عام 1502م- بين التخلي عن دينهم أو التهجير، كما مُورست عليهم أبشع أنواع القهر والتعذيب والتمييز الطائفي، فقط لكونهم مسلمين، أو بالأحرى لكونهم “أقلية”.
ويرى عبداللطيف أن على إسبانيا الاعتراف بإساءتها للموريسكيين لأن مثل هذه المراجعات هي التي تبني مبادئ الإنسانية وتصحح أخطاءنا وتجعلنا نتفادى الصراع الأزلي بين الأوروبيين والعرب، بين الأكثرية والأقلية، بين البيض والسود، بين الرجل والمرأة.
وتابع “بعيداً عن أن قضية الموريسكيين قضية مهمة، وبعيداً عن أنني مهتم بكتابة رواية جمالية فنية بها عناصر جديدة ومغايرة، إلا أن الرواية تسعى في الأساس إلى تفكيك التاريخ الرسمي الثابت، لذا لا يمكن قراءتها إلا على أرضية أنها رواية تنتمي إلى ما بعد الحداثة، بمعنى أنه ليست هناك حقيقة مطلقة وأن لا أحد يعطي أحداً الحقيقة وإنما يجب أن نسعى نحن إليها، وقد يصل كل منّا إلى حقيقة تخصه هو وحده لأنه لا يوجد تاريخ واحد إنما ‘تاريخات' عديدة”.
ولا تطمح “حصن التراب” إذن إلى أن تكون كتاباً تاريخياً أو مرجعاً أو وثيقة، ورغم أن العائلة التي تتحدث الرواية عنها اسمها حقيقي إلا أن أوراق أفرادها ومخطوطاتهم ليست حقيقية، وذلك لأنه لا أحد يعرف إلى أين ذهبت حكاياتهم التي دوّنوها، حيث كانوا يخبئون أوراقهم في جدران بيوتهم حتى لا تحصل عليها السلطة التي ألزمتهم بالنوم وأبوابهم مفتوحة كي تراقبهم لتعرف ما إذا كانوا مسيحيين مخلصين أم لا.
وأشار عبداللطيف إلى أنه “حين سافرت إلى إسبانيا، زرتُ بعض المدن التي عاش فيها الموريسكيون، مثل: غرناطة وقرطبة وإشبيلية، واطلعتُ على محاكم التفتيش التي استعنتُ ببعضها في الرواية، لكنني لم أحصل على أوراقٍ تخصهم، لذا قررت أن أكتب يومياتهم التي فقدوها، أن أكتب ما كانوا يريدون أن يكتبوه، وأن أجعل لعائلة محمد دي مولينا نسلاً جديداً”.
وجاءت اليوميات -التي تم تدوينها في عام ونصف العام- مُرهفة وتعكس هشاشة الإنسان وحكمته في آن واحد، وقد بدا ذلك من السطر الأول في الرواية والذي فاحت منه رائحة الموت، إنه الموت الذي تعامل معه الموريسكيون على أنه محور الحياة، بل هو الحياة ذاتها، وأحد أبطال الرواية يقول: “أعلم أن الحياة حفرات وكل منّا يختار حفرته التي تسع جسده”.
كل شيء حولهم إذن كان يصل بهم إلى الموت، وكل حلم كان يُفسر على أنه الموت، وكل شعور ينتابهم يدل على أنهم صاروا أمواتًا، تحولهم إلى حجارة، ومن حجارة إلى تماثيل، ثم سقوط أذرعهم وتبدل أجسادهم بأجساد لا يعرفونها، أليس كل ذلك هو الموت؟
ولذا كان طبيعياً أن تأتي لغة “حصن التراب” شاعرية، فكل نص فيها يصلح لأن يكون قصيدة، حيث تعمد الروائي أن يستخدم تقنيات في الكتابة توضح حالة الالتباس والتوتر التي طغت على أبطاله جراء ما تعرضوا له، مثل تكرار الكلمات والعبارات الذي لم يكن هدفه التوكيد بل الإنكار وعدم تصديق ما يحدث، أيضًا كانت إزالة الفواصل واستبدالها بالنقاط الكثيرة هدفها لا أن يلتقط القارئ أنفاسه بل ليلتقط الأبطال أنفاسهم المفقودة.
وأوضح عبداللطيف في حواره “لا أميل في أعمالي إلى فصل الشكل (اللغة) عن المضمون (الحكاية)، أريد دائماً أن يعرف القارئ من خلال الاستعارات المستخدمة أن ثمة مأساة وآلامًا كثيرة سيقابلها في طريقه، كما أنني أرى أن لكل رواية لغتها التي تفرضها على كاتبها، ومع الموريسكيين آثرت استخدام المجاز كي أتسلل إلى دواخلهم ومشاعرهم”.
الموريسكيون هم أحفاد المسلمين الذين اعتنقوا المسيحية بعد سقوط المملكة الإسلامية وصعود التاج الكاثوليكي للحكم، والذين تم تهجيرهم من إسبانيا قبل أربعة قرون، (بالتحديد في عام 1609)، حين أجبرتهم السلطة على عبور البحر والذهاب إلى دول شمال أفريقيا ليستكملوا حياتهم هُناك في شتات وتمزق أبدي.
هذه المأساة (التهجير)، لم يتناولها المؤرخون بتفاصيلها وعمقها الإنساني لكن الروايات وضعتها في الاعتبار، فحاولت الاقتراب من الموريسكيين واستحضارهم ليحكوا لنا ما حدث وما لم نسمعه من قبل، وهو ما فعله الروائي المصري أحمد عبداللطيف في روايته “حصن التراب”.
أحدهم في الرواية، ويدعى خوان دي مولينا، يخبرنا قائلاً “حيث كانت تنتظرنا المراكب سمعنا من يقول إنهم سيلقون بنا في عرض البحر”، ثم يضيف “إنهم لا ينتقمون منّا نحن فقط بل ينتقمون من البحر أيضاً، وما الفارق بين أن يلقوا بنا في البحر أو أن يلقوا بنا في أرض لا نعرفها ؟”، فعمّن تتحدث الرواية إذن؟ هل عن الموريسكيين وحدهم أم عنّا نحنُ الذين اتخذنا من المراكب أوطاناً بديلة لا تدوم؟
تاريخ مغاير
أحمد عبداللطيف (المولود في عام 1978)، ويعد من الكُتّاب المجددين في فن الرواية وصدرت له من قبل أربع روايات هي “صانع المفاتيح” التي تدرس الآن في قسم الدراسات العربية بجامعة تشارلز بالتشيك، و”عالم المندل”، و”كتاب النحّات”، و”إلياس”.
ترجم عن اللغة الإسبانية العديد من الأعمال المهمة، منها “مسيرة الفيل” و”البصيرة” و”ثورة الأرض” لجوزيه ساراماغو، و”المرأة المهووسة” لخوان مياس، وحاصل على جائزة الدولة المصرية التشجيعية في الرواية عام 2011، وجائزة المركز القومي للترجمة عام 2013، والمركز الأول لجائزة ساويرس الثقافية في الرواية لعام 2015.
لا يعرف عبداللطيف لماذا كتب عن الموريسكيين دون غيرهم، ولا يعرف أيضاً لماذا تأخر في الكتابة عنهم مع أنه يتتبع خطاهم منذ أكثر من عشرين عاماً حين درس تاريخهم بالجامعة واطلع على أدبهم وحضارتهم.
وقال :حين تستحوذ فكرةٌ على عقل الكاتب تظل تطارده في منامه وصحوه إلى أن تكتمل وتنضج، وأنا أشعر بأن الرواية كانت تُكتب بداخلي دون أن أنتبه، فبعد انتهائي من دراستي التي كانت في تخصص اللغة الإسبانية والتي تضمنت بطبيعة الحال دراسة تاريخ الأندلس، وجدتني أفتشُ -أينما ذهبت- عن الكتب التي تتحدث عن الموريسكيين كي أكوّن صورةً واضحةً عن حياتهم وطبيعتهم، وقرأت نحو مئة مرجع معظمها مكتوب باللغة الإسبانية، أما المراجع العربية فكانت قليلة ونادرة، وكان ذلك مهماً كي أتجنب ما كُتب وأتناول القضية من وجهات نظر مختلفة”.
ومنحت رواية “حصن التراب” للموريسكيين الذين واجهوا بأنفسهم التعذيب والاضطهاد الديني الفرصة لأن يكتبوا تاريخهم الذي لا يشبه التاريخ المعروف، فالتاريخ دائماً ما يروي الأحداث والوقائع ويدوّن أسماء القادة المنتصرين والمهزومين، لكنه نادراً ما يروي حكايات البشر، ونادراً ما يضع أصابعه على ما أصاب أرواحهم وجعلهم أمواتًا إلى الأبد، “وهنا يأتي دور الخيال الذي ببصيرته يستدعي ما حدث ويقول ما لم يجرؤ أحدٌ على قوله”.
ومن خلال عائلة محمد دي مولينا الموريسكية، نعرف ما الذي يمكن أن يُصيب المرء بالضبط حين يُنتزع من أرضه مثل نبتة، “نبتة أصروا على أن تعيش بشروط التربة الجديدة دون أن يدركوا أن الماء على كثرته عندما يُصبُ في غير مكانه يَصبُ في غير هدفه”.
وأوضح عبداللطيف “كان يهمني أن أكتب رواية بعيدة عن الطرح الموثق، أن أكتب رواية الناس العاديين الذين نسيهم التاريخ وكمم أفواههم، أن أكتب عن الذين عذبتهم الهوية، تلك الهوية التي أراها الشيء الصادق الوحيد، والتي تجري في دمائنا ونورثها لأبنائنا وأحفادنا، وهي التي جعلت الموريسكيين يتمنون لو يدفنوا فقط في أراضيهم”.
وقال “الهوية التي تدفعنا إلى الحلم، حلم العودة، فالموريسكيون يشبهوننا كثيراً، يشبهون الفلسطينيين والسوريين والمسيحيين المصريين وكل من تم تهجيره وسُلبت منه هويته وحياته وأرضه”.
وأضاف “حين نسترجع اليوم قضية الموريسكيين نسترجع معها كل القضايا المتعلقة بالتطرف الديني الذي لم يكن في عمقه دينياً إنما سياسياً، صحيح أن محاكم التفتيش التي تعرض لها الموريسكيون كانت لأسباب دينية لا منطقية، ومن بينها اتهامهم بإدعاء اعتناق المسيحية، وعدم شرب الخمر، ورفضهم أكل لحم الخنزير، إلا أن التخوف الحقيقي الذي كان لدى السلطة هو احتمالية تحالف الموريسكيين مع الدولة العثمانية لغزو إسبانيا، لكن هذا لم يحدث، فلم يثبت التاريخ أن الموريسكيين كانت لهم علاقة بالعثمانيين، أو أنهم كانوا يريدون أن يصيروا عرباً، وذلك لأنهم كانوا منتمين فعلاً إلى بلدهم وهويتهم الإسبانية”.
القتل باسم الدين
تطرح رواية “حصن التراب” عدة تساؤلات تشغل بال كل منّا ونحملها معنا على مر المآسي والسنين ولم نجد إجابة لها رغم كل ما حدث وكل ما سيحدث: “ما السبب – إن كان ثمة سبب- للقتل باسم الله؟ باسم الدين؟ وهل هو فعلًا قتل باسم الله أم باسم الملك أم باسم الأراضي والبيوت أم باسم الكراهية؟ لماذا تريد أن أشبهك لتقبلني؟ لماذا تشغل نفسك بهدايتي، وباقتيادي للجنة، وبتطهير روحي؟”.
لم يكن لدى الموريسكيين أي مشكلة في البقاء تحت حكم التاج الكاثوليكي والتعايش مع المسيحيين كما تعايشوا معهم قبل سقوط غرناطة عام 1492م، وكان ذلك أحد البنود التي اتفق عليها أبوعبدالله الصغير (آخر ملوك الأندلس) مع القشتاليين حين قام بتسليمهم مفاتيح غرناطة، أن يظل الموريسكيون في إسبانيا وأن يمارسوا شعائرهم بحرية، لكن بعد عشر سنوات تم نقض العهد، وخُيروا -عام 1502م- بين التخلي عن دينهم أو التهجير، كما مُورست عليهم أبشع أنواع القهر والتعذيب والتمييز الطائفي، فقط لكونهم مسلمين، أو بالأحرى لكونهم “أقلية”.
ويرى عبداللطيف أن على إسبانيا الاعتراف بإساءتها للموريسكيين لأن مثل هذه المراجعات هي التي تبني مبادئ الإنسانية وتصحح أخطاءنا وتجعلنا نتفادى الصراع الأزلي بين الأوروبيين والعرب، بين الأكثرية والأقلية، بين البيض والسود، بين الرجل والمرأة.
وتابع “بعيداً عن أن قضية الموريسكيين قضية مهمة، وبعيداً عن أنني مهتم بكتابة رواية جمالية فنية بها عناصر جديدة ومغايرة، إلا أن الرواية تسعى في الأساس إلى تفكيك التاريخ الرسمي الثابت، لذا لا يمكن قراءتها إلا على أرضية أنها رواية تنتمي إلى ما بعد الحداثة، بمعنى أنه ليست هناك حقيقة مطلقة وأن لا أحد يعطي أحداً الحقيقة وإنما يجب أن نسعى نحن إليها، وقد يصل كل منّا إلى حقيقة تخصه هو وحده لأنه لا يوجد تاريخ واحد إنما ‘تاريخات' عديدة”.
ولا تطمح “حصن التراب” إذن إلى أن تكون كتاباً تاريخياً أو مرجعاً أو وثيقة، ورغم أن العائلة التي تتحدث الرواية عنها اسمها حقيقي إلا أن أوراق أفرادها ومخطوطاتهم ليست حقيقية، وذلك لأنه لا أحد يعرف إلى أين ذهبت حكاياتهم التي دوّنوها، حيث كانوا يخبئون أوراقهم في جدران بيوتهم حتى لا تحصل عليها السلطة التي ألزمتهم بالنوم وأبوابهم مفتوحة كي تراقبهم لتعرف ما إذا كانوا مسيحيين مخلصين أم لا.
وأشار عبداللطيف إلى أنه “حين سافرت إلى إسبانيا، زرتُ بعض المدن التي عاش فيها الموريسكيون، مثل: غرناطة وقرطبة وإشبيلية، واطلعتُ على محاكم التفتيش التي استعنتُ ببعضها في الرواية، لكنني لم أحصل على أوراقٍ تخصهم، لذا قررت أن أكتب يومياتهم التي فقدوها، أن أكتب ما كانوا يريدون أن يكتبوه، وأن أجعل لعائلة محمد دي مولينا نسلاً جديداً”.
وجاءت اليوميات -التي تم تدوينها في عام ونصف العام- مُرهفة وتعكس هشاشة الإنسان وحكمته في آن واحد، وقد بدا ذلك من السطر الأول في الرواية والذي فاحت منه رائحة الموت، إنه الموت الذي تعامل معه الموريسكيون على أنه محور الحياة، بل هو الحياة ذاتها، وأحد أبطال الرواية يقول: “أعلم أن الحياة حفرات وكل منّا يختار حفرته التي تسع جسده”.
كل شيء حولهم إذن كان يصل بهم إلى الموت، وكل حلم كان يُفسر على أنه الموت، وكل شعور ينتابهم يدل على أنهم صاروا أمواتًا، تحولهم إلى حجارة، ومن حجارة إلى تماثيل، ثم سقوط أذرعهم وتبدل أجسادهم بأجساد لا يعرفونها، أليس كل ذلك هو الموت؟
ولذا كان طبيعياً أن تأتي لغة “حصن التراب” شاعرية، فكل نص فيها يصلح لأن يكون قصيدة، حيث تعمد الروائي أن يستخدم تقنيات في الكتابة توضح حالة الالتباس والتوتر التي طغت على أبطاله جراء ما تعرضوا له، مثل تكرار الكلمات والعبارات الذي لم يكن هدفه التوكيد بل الإنكار وعدم تصديق ما يحدث، أيضًا كانت إزالة الفواصل واستبدالها بالنقاط الكثيرة هدفها لا أن يلتقط القارئ أنفاسه بل ليلتقط الأبطال أنفاسهم المفقودة.
وأوضح عبداللطيف في حواره “لا أميل في أعمالي إلى فصل الشكل (اللغة) عن المضمون (الحكاية)، أريد دائماً أن يعرف القارئ من خلال الاستعارات المستخدمة أن ثمة مأساة وآلامًا كثيرة سيقابلها في طريقه، كما أنني أرى أن لكل رواية لغتها التي تفرضها على كاتبها، ومع الموريسكيين آثرت استخدام المجاز كي أتسلل إلى دواخلهم ومشاعرهم”.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.