لليوم الثاني.. استقبال النواب الجدد لاستلام كارنيهات العضوية    انطلاق امتحانات الفصل الدراسي الأول بالمعاهد الأزهرية بسوهاج    5 يناير 2026.. الجنيه يواصل الارتفاع أمام الدولار في البنوك المحلية خلال تعاملات اليوم    تقلبات فى اسعار الاسمده اليوم الإثنين 5يناير 2026 بالمنيا    بيان أوروبي: تقويض إسرائيل عمل الأونروا يخالف قرارات محكمة العدل الدولية    الدنمارك تعارض.. هل جرينلاند وإيران الهدف التالي لترامب؟    تواصل الجهود المصرية لإدخال المساعدات للأشقاء في قطاع غزة    الدفاع المدني يعلّق إزالة أخطار المباني المتضررة بسبب نفاد الوقود في غزة    ضبط 3 سيدات بتهمة استقطاب الرجال عبر تطبيق هاتفي لممارسة أعمال منافية للآداب بالإسكندرية    عاجل- تحذير من الطقس قبل مواجهة مصر وبنين في كأس أمم إفريقيا.. أمطار رعدية وثلوج ورياح قوية بالمغرب    انطلاق أولى ورش مهرجان المسرح العربي في قصر ثقافة الأنفوشي بالإسكندرية    سفرة عيد الميلاد المثالية.. وصفات سهلة ولذيذة لتجهيز أطباق العيد في المنزل    وزير الإسكان يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات مبادرة حياة كريمة لتطوير قرى الريف المصري    المكسيك و5 دول آخرى.. لماذا ترفض دول كبرى سيطرة ترامب على نفط فنزويلا؟    كوريا الشمالية: التجارب الصاروخية الأخيرة شملت نظام أسلحة فرط صوتي    ترامب: لا أشعر بالقلق من أن يؤدي الوضع في فنزويلا إلى تورط طويل الأمد    موعدنا اليوم.. منتخبنا أمام بنين في ليلة الحسم بكأس أمم إفريقيا 2025    البنك الأهلي ووادي دجلة في مواجهة مصيرية بكأس عاصمة مصر    الأهلي يدرس استكمال بطولة كأس عاصمة مصر بمدرب فريق الشباب    ميكالي يدخل حسابات الزمالك لخلافة أحمد عبد الرؤوف    وزير التعليم العالي يستقبل سفير طاجكستان بالقاهرة لبحث آفاق التعاون    وزير التعليم العالي يبحث مع سفير طاجكستان تعزيز التعاون في المنح الدراسية    حملات أمنية مكبرة تضبط مخدرات وأسلحة وتنفيذ أكثر من 60 ألف حكم    إعادة فتح الطريق الإقليمى بعد غلقه بسبب الشبورة المائية فى المنوفية    إنقاذ 28 شخصا على متن مركب سياحي بعد شحوطه في منطقة حماطة    طلاب أولى ثانوى فى 11 محافظة يؤدون امتحان البرمجة والذكاء الاصطناعى    هيئة السكك الحديدية: خفض سرعة قطارات بحري بسبب الشبورة    وزارة «العمل» تعلن توفير 7293 وظيفة في 12 محافظة    المخرج حسني صالح يغير مكان وموعد تشييع جثمان والدته    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    منة عرفة تُبدل دورها في مسلسل «وننسى اللي كان»    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    وزيرة التضامن تلتقي مديري مديريات التضامن الاجتماعي بالمحافظات    الصحة: 2026 و2027 عاما التحدي لتحقيق معدل إنجاب 2.1 طفل    مدير فرع هيئة الرعاية الصحية بجنوب سيناء يتابع التشطيبات النهائية بمستشفى نويبع تمهيدا لافتتاحه    انقاذ شاب تعرض لبتر كامل بإصبع الابهام نتيجه ساطور بمستشفى سوهاج الجامعي    ننشر أسماء المصابين في حادث «صحراوي» قنا    وزير الدفاع يهنئ البابا تواضروس بمناسبة عيد الميلاد المجيد (فيديو وصور)    البابا تواضروس الثاني ووزير الثقافة يطلقان مبادرات للحفاظ على التراث القبطي    تراجع جديد في أسعار الذهب بمصر مع بداية تعاملات الاثنين 5 يناير 2026    استخدام المروحة والجوارب.. نصائح هامة لمواجهة الشعور بالبرد داخل المنزل    مدرب جنوب إفريقيا يوضح أسباب الإقصاء من كأس الأمم    روزينيور في لندن لحسم تعاقده مع تشيلسي    تقلب أسعار النفط مع تقييم تداعيات اعتقال مادورو وفائض المعروض العالمي    جيمي كيميل يسخر من ترامب في حفل جوائز اختيار النقاد (فيديو)    أيمن منصور: أمم إفريقيا لا تعترف بالأسماء.. وبنين اختبار حقيقي للفراعنة    أسعار اللحوم الحمراء اليوم الإثنين 5 يناير    فيلم «جوازة ولا جنازة».. شريف سلامة يكشف سر انجذابه لشخصية «حسن الدباح»    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



معالم تناصيّة في رواية " زينابرطة "
نشر في صوت البلد يوم 22 - 05 - 2017

تبحث الدّراسات التّناصيّة في أصول الإبداع ومكوناته الجنينية، وتهتمّ بالكشف عن التّعالق والتّأثّر والتّأثير والجدل بين النّصوص على المستويات الدّلاليّة والشّكليّة والتّيميّة، وثمّة من عدّ كافة الأشكال الثّقافية هجينة مولّدة مزيجة مشوبة غير نقية، ومن ثمّ فإنّ النصوص الإبداعيّة ما هي إلّا حالة من: "امتصاص ومحاكاة للنصوص السّابقة، وتفاعل معها عبر عمليات الحوار والنّقد والأسلبة والتّهجين والباروديا والسّخرية والحوارية"، وفي النقد العربي يحمل مصطلح التّناص دلالات تتعلق بالتّضمين والاقتباس والإحالة والإيحاء والإشارة، والسّرقات الشّعرية التي تصنّف في سياق التّناص أيضًا.
وبناءً عليه تحاول هذه القراءة تبيّن الملامح التناصيّة في رواية "زينابرطة"، وكيف استطاع الكاتب توظيف آليات التّناص لإبراز التّيمات التي سعى لمعالجتها جماليًّا.
بدايةً نشير إلى أنّه يمكن تصنيف هذه الرّواية ضمن روايات التّخييل التّاريخي، إذ عالج الكاتب فيها التّجربة العاطفية والسّياسية لزينب بنت الشيخ بكري زمن احتلال الحملة الفرنسية مصر في سنة 1898، وتداعيات هذه التّجربة على صاحبتها وسط المجتمع الإسلامي المحافظ المتخلّف الذي لفظ حداثة بونابرت الدّعيّة والمواربة.
وردت مأساة زينب بنت الشيخ بكري في المصادر التّاريخية، ولم يضفِ الكاتب لزينب سمات جمالية مختلفة عن شخصيتها الحقيقية، فذكر اسمها ونسبها صراحة ووصف أباها وأمّها وحدّد عمرها وعلاقاتها العاطفية مع نابليون وغيره، وقد غيّر من اسمها في عنوان الرواية، إذ نحت لها اسم زينابرطه، وهو مكوّن من زينب وبونابرت، وحاول أن يجعل منه، في سياق الرّواية، مفارقة مع اسم كليوباطرا عندما كانوا ينادونها كليوبرطه.
تقوم حكاية هذه الرّواية على علاقة غراميّة ربطت بين زينب (زينابرطة) ونابليون، برضى أبيها (نقيب الأشراف) تساوقًا مع انحرافه السّلوكي المتسم بالسّادية مع جاريته زلفى والمثليّة مع الصّبي ضيا، ثمّ استكملت زينب تلك العلاقة مع الضّباط الفرنسيين بعد مغادرة بونابرت إلى فرنسا، وتطابق حلمها مع التّقدم الحضاري الفرنسي، فاصطدمت بداية بزيف تلك الحضارة، ثمّ بنفق الظّلمة المتخلّف الذي أودى بحياتها، ومثّل بجثمانها بعد فصل رأسها عنه.
تجلّت معالم تناصيّة كثيرة في سياق نصّ زينابرطة، ومنها ما هو تناص خارجي متعلّق ببداية اليقظة العربية في أثناء الحملة الفرنسيّة، وقت أن كان النّاس في حيرة وقلق إزاء ما يحصل، وقد اختار الكاتب شخصيات روايته من تلك الشخصيات المصرية القلقة، (زينب وأباها مثلًا)، وشخصيات أخرى من الفرنسيين الذين أخفوا مقاصدهم العدوانيّة الباديّة في اللمحات الاستشراقية الواضحة في سياق الرّواية مثل: اعتراض مسيو جينولييه عندما قرّر: "لكن الرجل الفرنسي متحضّر" في مقابل حالة التّحجر غير محدّدة المعالم في مصر، وبعد أن تعترض زولي على طريقة تعامل بونابرت مع زينا (زينب) ابنة السّتة عشر ربيعًا يردّ عليها قائلًا: "له عالمه ولها عالمها، كانت تحلم ببيت صغير، بينما استغرقته أحلام الإسكندر الأكبر بأن تكون له ممالك واسعة،..".
ثمّ يقول: "... وسياق تعامله معها كان الأقرب لسبايا الحرب، لم يكن لها الحقّ في الحياة،..." (ص128، 129 من الرواية). إنّ الكاتب تطرق للرؤية الاستشراقية الاستعلائيّة التي حكمت الاستعمار الغربي بوعيّ، وجسّدها في الكثير من العلاقات بين شخصيات مصرية وأخرى فرنسيّة، لقد أدرك الكاتب أهميّة دفع قارئه للتفكّر والتأمّل بمصير وطنه من خلال السؤال: تُرى ألا يمكن أن تكون زينب هي مصر التّوّاقة للحريّة التي اصطدمت بعقول التخلّف وسلوك الهمجية لدى تعصّب سلفيي مصر، وبفرنسا المراوغة والطّامعة وحكامها الرّأسماليين وجيشها القاتل؟ ألا تمثّل الأحداث الراهنة في أوطاننا عودة إلى المربع الأول والبدء بأسئلة النهضة من جديد؟ هل توقّف التكفيريون عن قطع الرءوس منذ أكثر من مئتي سنة، وهل توقّف الغرب الرأسمالي عن تدخله السافر ليبقي الأمة على تخلفها وتشرذمها وضعفها؟
أسئلة لا تزال مُشرعةٌ أمام قارئ رواية شريف عابدين زينابرطه التي تحفّز متلقيها على اتخاذ موقف مما جرى في أحداث الرواية التاريخية، وما يجري واقعًا مع شخصيات تعيد أسئلة النهضة المطروحة منذ تلك الأحداث، وتعيش في ذات تجربة شخوص الرواية الذين عاشوا محاولة النهوض وداخلها، أسئلة تهمّ القارئ الذي يعيش في لظى تجربة الموت المكرورة مع التكفريين والطامعين من القوى الخارجيّة بالسيطرة على مقدرات هذا الشعب.
يقتضي التفاعل مع الإجابة عن الأسئلة السابقة البحث في فعاليات التناص في سياق نصّ الرواية، وأهمها التناص الدلالي إذ اشتغل الكاتب على تفريع الحبكة السّرديّة الكبرى المبيِّنَةِ للتيمة الرّئيسة المتعلقة بجدل الموقف من الحملة الفرنسية من خلال حكاية زينب المركزية في السّرديّة، وتناسل السّرد عبر سرديات صغرى تعضد التيمة الرئيسية ومقولاتها، ومنها: سردية زلفى جارية أبي زينب نقيب الأشراف الشّيخ خليل البكري، وقصة رستم الذي أحبّته زينب في طفولتها وشوَّهه أبوها، وقصة نجاتي، وضياء الجميل ضحية الشيخ البكري، وقصة طبّال الفرقة الموسيقية الأعمى الذي أحبّته زينب، وسرديات عن الجنّي والغيبيات، وأخرى تتعلق بالضّباط الفرنسيين وأنماط حياتهم مع نسائهم ... الخ.
لقد تمكّن الكاتب أن يعضد السرديّة الكبرى في الرواية بتلك السرديّات المستمدّة غالبًا من التاريخ التي ضمّنها دلالات تكشف حاضر زمن قراءتها الراهن من خلال أحداث طازجة تشير للحرب الأهلية في سوريا، نادين الهاربة من الدمار في سوريا، وزلاتيا التي تعرضت لاعتداء أخيها الذي التحق بالحرب في سوريا، وهي لا تزال تنظر إلى سلوك زينا المختلف كونه فجورًا كان يحتاج إلى ترويض أهلها لتسيطر على غرائزها، ثمّ تناقضَ حكيها بأحلامها التي رمزت لخطيئة زينا بمقارنتها باستقائها سيناريو جلاتيا الذي أيقظ غرائز الأنثى.
وعلى الرغم من تنوّع الوقائع الجزئيّة وكثرتها في سياق الرواية، وهي مبثوثة بكثرة في كتب التاريخ، إلاّ أنّها لم توظَّف في الرّواية وقائع نوعيّة وردت في التّاريخ، ومنها على سبيل المثال: سخط مدام تامبييه على بونابرت عندما وصف د. ديجينيت بجبن النّساء، إذ أعلنت أنّها: "على استعداد لمبارزة بونابرت، وأنها ستريه، وكان المسدس في يدها، أنّ الخوف لا يملأ قلوب جميع النساء"(ج. كرستوفرد هيرولد، بونابرت في مصر، ص223)، فهذه الواقعة لم ترد في سياق روايته على الرّغم من أهميتها لإظهار قضية المرأة التّواقة للحرية في الغرب أمام المرأة المحطّمة في المجتمعات المتخلّفة.
في سياق السّرد، إذن، كثير من السّرديات الصغرى المدعِّمة لبنية الرّواية، ومنها ما يمثّل تناصًّا تاريخيًّا مقترنًا بوثائق فرنسية أو محلّية مصرية أو معاصرة كمحاولة الكاتب الإشارة إلى استمرار المفاهيم المتخلّفة منذ بدايات اليقظة وبقاء أسئلتها مشرعةً أمام واقعنا الراهن، ومنها الأمر الذي دفع الأخ إلى أن يودِع شقيقته زلاتيا، التي تمثّل أحد أصوات السّرد البارزة في الرّواية مصحّة نفسية، ثمّ باع إرثها وتوجّه إلى سوريا ليكرّر تجربة جريمة قتل زينب التي حصلت منذ أكثر من مئتي سنة مضت بقطع رقبتها، زينب التي كانت متحمسة لشعبها وتّواقة لتحرّره من أوهام الماضي.
ثمّ يقدّم الكاتب نادين الهاربة من دمار سوريا معادلًا للشقيق السّلفي في برنامج تلفزيوني، وزولي التي تتحدث عن زينب عندما التقت بجينولييه ليبحثا عن مخطوطات زبيدة، ولكن كثرة الأحداث المرويّة والمبالغ في عدد شخوصها أخرجت كثيرًا منها من سياق الحكاية، وبالتالي أصاب بنيتها شيءٌ من التّفكّك والتشتت غير المسوّغ له، ممّا أدّى إلى بعض المباشرة والخطابية في لغة الرواية الأسلوبية وخطاباتها المتنوعة.
اضطربت بنية السّرد منذ بداية الرّواية، وربّما لو بدأ الكاتب روايته من بعد الصّفحة 78، وضمّن ما قبلها في سياقات السّرديات الكثيرة لكان تخلّص من اللغة الخطابية والدّعائية التي لم تنصهر في بنية السّردية الروائية الأساسية (قصة زينابرطه)، بل أدخلتها في حيّز السّرد التّاريخي على حساب السرد الروائي، على الرّغم ممّا قدّمه الكاتب من سردٍ روائيٍّ جميل وراقٍ بدت ملامحه في كثير من جوانب الرّواية.
ومن أنواع التّناص الكثيرة في الرّواية: التّناص العلمي، إذ أظهر الكاتب معرفة بمسائل علمية معاصرة كتوظيفه للأحلام والطّفل الفرويدي، التّأثير الحراري، الطّاقة البيولوجية، الهوية الكهرومغناطيسية وموجاتها، الفيروسات، عالم الرّياضيات بابتيست، DNA،...ومنها الفني كلحن الأبا الرّاقص، أمّ كلثوم، زكية الحامولي، وفيلم بنت المحروسة.
الواقعية الرّوحية، ومنها التناص المكاني كمكتبة الإسكندرية، ونقابة الأطباء، برج العرب، المجمع العلمي، دار الكتب والمخطوطات، جامع بيبرس، الكتبخانة في باب خلق، النيل، الأزبكية،... ومنها التقني المعاصر، كمواقع التّواصل الاجتماعي والشّبكات، جوجل، الطّب النّفسي، والاهتمام الإعلامي والقنوات الفضائية، شرائح السّيليكون.
ومنها أيضًا: التناص مع الأمثال الشعبية والعيوب النسقية ك: ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع، ختان البنات، وداوها بالتي كانت هي الدّاء، اللي يخاف من العفريت يطلع له،... والتناص الديني أو الأسطوري: ك "قل هو الله أحد"، الصّوفية، علماء الأزهر، القرآن الكريم الذي تنبأ، عروس النّيل والدّميات التي كانوا يرمونها في مجراه، واستخدم أيضًا بعض مواقف السّخرية مثل المفارقة بين (الجني والجنيه المصري) ص45، أو عندما تناديه مداعبة بونا بونا يحسبها تطلب الحلوى، ص176.
أمّا التناص التاريخي والسياسي فكاد أن يسم الرواية به إذ وظّف الكاتب الكثير مما قاله المؤرخون، واعتمد على وثائق متنوعة بعضها محلي وبعضها مصادر فرنسيّة، وقد ذكر الجبرتي ومينو وكليبر والفنان أندريا أبياني والشّيخ محمد المهدي وزينب ونقيب الأشراف، محمد جبريل، ماركيز، محمد علي، جوزفين، ألف ليلة وليلة، ووثيقة بارتيملي، والمخابرات الأميركية، موقعة هليوبوليس، بيجماليون، جيهان ديفريه وسليم فهمي... إلخ.
هذه أمثلة لتوظيف الكاتب للتناص بهدف إقامة الحوار والجدل بين الماضي والحاضر، رغبة من المؤلّف في تأسيس حالة وعيّ جديدة تقوم على بناء أنساق ثقافيّة على أنقاض العيوب النسقيّة المنتشرة في بنية مجتمعنا وفي سلوك أبنائه المتحدّرة من الماضي البعيد والماضي القريب.
أخيرًا وليس آخرًا، يستحقّ الرّوائي د. شريف عابدين الثّناء الكبير على اختياره هذا الموضوع الشائك الذي تعالق فيه الماضي مع الحياة المعيشة، والذي أراد له أن يكون صرخة بمواجهة تخلّف الحاضر، وقد نجح في الكشف عن آثار الغرب الرّأسمالي الذي أسهم في تحديد معالم هويتنا الثّقافيّة الحديثة المفعمة بالظّلم الاجتماعيّ والموت المتوالد من حولنا وفينا حتّى هذه الأيّام؛ لقد عالج هذا الموضوع معالجة جادّة مقتربًا من المسكوت عنه والمحرَّمات وآليات عملها في أبنية مجتمعاتنا المتخلّقة والقهريّة، إذ يعدّ الخوض في الممنوعات بداية درب المقاومة الثّقافيّة المؤسّسة لأنماط جديدة في السلوك والفكر.
تبحث الدّراسات التّناصيّة في أصول الإبداع ومكوناته الجنينية، وتهتمّ بالكشف عن التّعالق والتّأثّر والتّأثير والجدل بين النّصوص على المستويات الدّلاليّة والشّكليّة والتّيميّة، وثمّة من عدّ كافة الأشكال الثّقافية هجينة مولّدة مزيجة مشوبة غير نقية، ومن ثمّ فإنّ النصوص الإبداعيّة ما هي إلّا حالة من: "امتصاص ومحاكاة للنصوص السّابقة، وتفاعل معها عبر عمليات الحوار والنّقد والأسلبة والتّهجين والباروديا والسّخرية والحوارية"، وفي النقد العربي يحمل مصطلح التّناص دلالات تتعلق بالتّضمين والاقتباس والإحالة والإيحاء والإشارة، والسّرقات الشّعرية التي تصنّف في سياق التّناص أيضًا.
وبناءً عليه تحاول هذه القراءة تبيّن الملامح التناصيّة في رواية "زينابرطة"، وكيف استطاع الكاتب توظيف آليات التّناص لإبراز التّيمات التي سعى لمعالجتها جماليًّا.
بدايةً نشير إلى أنّه يمكن تصنيف هذه الرّواية ضمن روايات التّخييل التّاريخي، إذ عالج الكاتب فيها التّجربة العاطفية والسّياسية لزينب بنت الشيخ بكري زمن احتلال الحملة الفرنسية مصر في سنة 1898، وتداعيات هذه التّجربة على صاحبتها وسط المجتمع الإسلامي المحافظ المتخلّف الذي لفظ حداثة بونابرت الدّعيّة والمواربة.
وردت مأساة زينب بنت الشيخ بكري في المصادر التّاريخية، ولم يضفِ الكاتب لزينب سمات جمالية مختلفة عن شخصيتها الحقيقية، فذكر اسمها ونسبها صراحة ووصف أباها وأمّها وحدّد عمرها وعلاقاتها العاطفية مع نابليون وغيره، وقد غيّر من اسمها في عنوان الرواية، إذ نحت لها اسم زينابرطه، وهو مكوّن من زينب وبونابرت، وحاول أن يجعل منه، في سياق الرّواية، مفارقة مع اسم كليوباطرا عندما كانوا ينادونها كليوبرطه.
تقوم حكاية هذه الرّواية على علاقة غراميّة ربطت بين زينب (زينابرطة) ونابليون، برضى أبيها (نقيب الأشراف) تساوقًا مع انحرافه السّلوكي المتسم بالسّادية مع جاريته زلفى والمثليّة مع الصّبي ضيا، ثمّ استكملت زينب تلك العلاقة مع الضّباط الفرنسيين بعد مغادرة بونابرت إلى فرنسا، وتطابق حلمها مع التّقدم الحضاري الفرنسي، فاصطدمت بداية بزيف تلك الحضارة، ثمّ بنفق الظّلمة المتخلّف الذي أودى بحياتها، ومثّل بجثمانها بعد فصل رأسها عنه.
تجلّت معالم تناصيّة كثيرة في سياق نصّ زينابرطة، ومنها ما هو تناص خارجي متعلّق ببداية اليقظة العربية في أثناء الحملة الفرنسيّة، وقت أن كان النّاس في حيرة وقلق إزاء ما يحصل، وقد اختار الكاتب شخصيات روايته من تلك الشخصيات المصرية القلقة، (زينب وأباها مثلًا)، وشخصيات أخرى من الفرنسيين الذين أخفوا مقاصدهم العدوانيّة الباديّة في اللمحات الاستشراقية الواضحة في سياق الرّواية مثل: اعتراض مسيو جينولييه عندما قرّر: "لكن الرجل الفرنسي متحضّر" في مقابل حالة التّحجر غير محدّدة المعالم في مصر، وبعد أن تعترض زولي على طريقة تعامل بونابرت مع زينا (زينب) ابنة السّتة عشر ربيعًا يردّ عليها قائلًا: "له عالمه ولها عالمها، كانت تحلم ببيت صغير، بينما استغرقته أحلام الإسكندر الأكبر بأن تكون له ممالك واسعة،..".
ثمّ يقول: "... وسياق تعامله معها كان الأقرب لسبايا الحرب، لم يكن لها الحقّ في الحياة،..." (ص128، 129 من الرواية). إنّ الكاتب تطرق للرؤية الاستشراقية الاستعلائيّة التي حكمت الاستعمار الغربي بوعيّ، وجسّدها في الكثير من العلاقات بين شخصيات مصرية وأخرى فرنسيّة، لقد أدرك الكاتب أهميّة دفع قارئه للتفكّر والتأمّل بمصير وطنه من خلال السؤال: تُرى ألا يمكن أن تكون زينب هي مصر التّوّاقة للحريّة التي اصطدمت بعقول التخلّف وسلوك الهمجية لدى تعصّب سلفيي مصر، وبفرنسا المراوغة والطّامعة وحكامها الرّأسماليين وجيشها القاتل؟ ألا تمثّل الأحداث الراهنة في أوطاننا عودة إلى المربع الأول والبدء بأسئلة النهضة من جديد؟ هل توقّف التكفيريون عن قطع الرءوس منذ أكثر من مئتي سنة، وهل توقّف الغرب الرأسمالي عن تدخله السافر ليبقي الأمة على تخلفها وتشرذمها وضعفها؟
أسئلة لا تزال مُشرعةٌ أمام قارئ رواية شريف عابدين زينابرطه التي تحفّز متلقيها على اتخاذ موقف مما جرى في أحداث الرواية التاريخية، وما يجري واقعًا مع شخصيات تعيد أسئلة النهضة المطروحة منذ تلك الأحداث، وتعيش في ذات تجربة شخوص الرواية الذين عاشوا محاولة النهوض وداخلها، أسئلة تهمّ القارئ الذي يعيش في لظى تجربة الموت المكرورة مع التكفريين والطامعين من القوى الخارجيّة بالسيطرة على مقدرات هذا الشعب.
يقتضي التفاعل مع الإجابة عن الأسئلة السابقة البحث في فعاليات التناص في سياق نصّ الرواية، وأهمها التناص الدلالي إذ اشتغل الكاتب على تفريع الحبكة السّرديّة الكبرى المبيِّنَةِ للتيمة الرّئيسة المتعلقة بجدل الموقف من الحملة الفرنسية من خلال حكاية زينب المركزية في السّرديّة، وتناسل السّرد عبر سرديات صغرى تعضد التيمة الرئيسية ومقولاتها، ومنها: سردية زلفى جارية أبي زينب نقيب الأشراف الشّيخ خليل البكري، وقصة رستم الذي أحبّته زينب في طفولتها وشوَّهه أبوها، وقصة نجاتي، وضياء الجميل ضحية الشيخ البكري، وقصة طبّال الفرقة الموسيقية الأعمى الذي أحبّته زينب، وسرديات عن الجنّي والغيبيات، وأخرى تتعلق بالضّباط الفرنسيين وأنماط حياتهم مع نسائهم ... الخ.
لقد تمكّن الكاتب أن يعضد السرديّة الكبرى في الرواية بتلك السرديّات المستمدّة غالبًا من التاريخ التي ضمّنها دلالات تكشف حاضر زمن قراءتها الراهن من خلال أحداث طازجة تشير للحرب الأهلية في سوريا، نادين الهاربة من الدمار في سوريا، وزلاتيا التي تعرضت لاعتداء أخيها الذي التحق بالحرب في سوريا، وهي لا تزال تنظر إلى سلوك زينا المختلف كونه فجورًا كان يحتاج إلى ترويض أهلها لتسيطر على غرائزها، ثمّ تناقضَ حكيها بأحلامها التي رمزت لخطيئة زينا بمقارنتها باستقائها سيناريو جلاتيا الذي أيقظ غرائز الأنثى.
وعلى الرغم من تنوّع الوقائع الجزئيّة وكثرتها في سياق الرواية، وهي مبثوثة بكثرة في كتب التاريخ، إلاّ أنّها لم توظَّف في الرّواية وقائع نوعيّة وردت في التّاريخ، ومنها على سبيل المثال: سخط مدام تامبييه على بونابرت عندما وصف د. ديجينيت بجبن النّساء، إذ أعلنت أنّها: "على استعداد لمبارزة بونابرت، وأنها ستريه، وكان المسدس في يدها، أنّ الخوف لا يملأ قلوب جميع النساء"(ج. كرستوفرد هيرولد، بونابرت في مصر، ص223)، فهذه الواقعة لم ترد في سياق روايته على الرّغم من أهميتها لإظهار قضية المرأة التّواقة للحرية في الغرب أمام المرأة المحطّمة في المجتمعات المتخلّفة.
في سياق السّرد، إذن، كثير من السّرديات الصغرى المدعِّمة لبنية الرّواية، ومنها ما يمثّل تناصًّا تاريخيًّا مقترنًا بوثائق فرنسية أو محلّية مصرية أو معاصرة كمحاولة الكاتب الإشارة إلى استمرار المفاهيم المتخلّفة منذ بدايات اليقظة وبقاء أسئلتها مشرعةً أمام واقعنا الراهن، ومنها الأمر الذي دفع الأخ إلى أن يودِع شقيقته زلاتيا، التي تمثّل أحد أصوات السّرد البارزة في الرّواية مصحّة نفسية، ثمّ باع إرثها وتوجّه إلى سوريا ليكرّر تجربة جريمة قتل زينب التي حصلت منذ أكثر من مئتي سنة مضت بقطع رقبتها، زينب التي كانت متحمسة لشعبها وتّواقة لتحرّره من أوهام الماضي.
ثمّ يقدّم الكاتب نادين الهاربة من دمار سوريا معادلًا للشقيق السّلفي في برنامج تلفزيوني، وزولي التي تتحدث عن زينب عندما التقت بجينولييه ليبحثا عن مخطوطات زبيدة، ولكن كثرة الأحداث المرويّة والمبالغ في عدد شخوصها أخرجت كثيرًا منها من سياق الحكاية، وبالتالي أصاب بنيتها شيءٌ من التّفكّك والتشتت غير المسوّغ له، ممّا أدّى إلى بعض المباشرة والخطابية في لغة الرواية الأسلوبية وخطاباتها المتنوعة.
اضطربت بنية السّرد منذ بداية الرّواية، وربّما لو بدأ الكاتب روايته من بعد الصّفحة 78، وضمّن ما قبلها في سياقات السّرديات الكثيرة لكان تخلّص من اللغة الخطابية والدّعائية التي لم تنصهر في بنية السّردية الروائية الأساسية (قصة زينابرطه)، بل أدخلتها في حيّز السّرد التّاريخي على حساب السرد الروائي، على الرّغم ممّا قدّمه الكاتب من سردٍ روائيٍّ جميل وراقٍ بدت ملامحه في كثير من جوانب الرّواية.
ومن أنواع التّناص الكثيرة في الرّواية: التّناص العلمي، إذ أظهر الكاتب معرفة بمسائل علمية معاصرة كتوظيفه للأحلام والطّفل الفرويدي، التّأثير الحراري، الطّاقة البيولوجية، الهوية الكهرومغناطيسية وموجاتها، الفيروسات، عالم الرّياضيات بابتيست، DNA،...ومنها الفني كلحن الأبا الرّاقص، أمّ كلثوم، زكية الحامولي، وفيلم بنت المحروسة.
الواقعية الرّوحية، ومنها التناص المكاني كمكتبة الإسكندرية، ونقابة الأطباء، برج العرب، المجمع العلمي، دار الكتب والمخطوطات، جامع بيبرس، الكتبخانة في باب خلق، النيل، الأزبكية،... ومنها التقني المعاصر، كمواقع التّواصل الاجتماعي والشّبكات، جوجل، الطّب النّفسي، والاهتمام الإعلامي والقنوات الفضائية، شرائح السّيليكون.
ومنها أيضًا: التناص مع الأمثال الشعبية والعيوب النسقية ك: ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع، ختان البنات، وداوها بالتي كانت هي الدّاء، اللي يخاف من العفريت يطلع له،... والتناص الديني أو الأسطوري: ك "قل هو الله أحد"، الصّوفية، علماء الأزهر، القرآن الكريم الذي تنبأ، عروس النّيل والدّميات التي كانوا يرمونها في مجراه، واستخدم أيضًا بعض مواقف السّخرية مثل المفارقة بين (الجني والجنيه المصري) ص45، أو عندما تناديه مداعبة بونا بونا يحسبها تطلب الحلوى، ص176.
أمّا التناص التاريخي والسياسي فكاد أن يسم الرواية به إذ وظّف الكاتب الكثير مما قاله المؤرخون، واعتمد على وثائق متنوعة بعضها محلي وبعضها مصادر فرنسيّة، وقد ذكر الجبرتي ومينو وكليبر والفنان أندريا أبياني والشّيخ محمد المهدي وزينب ونقيب الأشراف، محمد جبريل، ماركيز، محمد علي، جوزفين، ألف ليلة وليلة، ووثيقة بارتيملي، والمخابرات الأميركية، موقعة هليوبوليس، بيجماليون، جيهان ديفريه وسليم فهمي... إلخ.
هذه أمثلة لتوظيف الكاتب للتناص بهدف إقامة الحوار والجدل بين الماضي والحاضر، رغبة من المؤلّف في تأسيس حالة وعيّ جديدة تقوم على بناء أنساق ثقافيّة على أنقاض العيوب النسقيّة المنتشرة في بنية مجتمعنا وفي سلوك أبنائه المتحدّرة من الماضي البعيد والماضي القريب.
أخيرًا وليس آخرًا، يستحقّ الرّوائي د. شريف عابدين الثّناء الكبير على اختياره هذا الموضوع الشائك الذي تعالق فيه الماضي مع الحياة المعيشة، والذي أراد له أن يكون صرخة بمواجهة تخلّف الحاضر، وقد نجح في الكشف عن آثار الغرب الرّأسمالي الذي أسهم في تحديد معالم هويتنا الثّقافيّة الحديثة المفعمة بالظّلم الاجتماعيّ والموت المتوالد من حولنا وفينا حتّى هذه الأيّام؛ لقد عالج هذا الموضوع معالجة جادّة مقتربًا من المسكوت عنه والمحرَّمات وآليات عملها في أبنية مجتمعاتنا المتخلّقة والقهريّة، إذ يعدّ الخوض في الممنوعات بداية درب المقاومة الثّقافيّة المؤسّسة لأنماط جديدة في السلوك والفكر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.