مجلس الشيوخ يناقش تعديلات حازم الجندي بقانون التأمينات.. والنائب يدعو لفك التشابكات للحفاظ على أموال المعاشات    وقفة واجبة مع خطة الحكومة    وزير الداخلية يبحث مع وزير الأمن والحماية المدنية المالي تعزيز التعاون المشترك    محافظة القدس: اقتحامات مستمرة واعتقالات ومداهمات عنيفة شمال المدينة    رئيس البرلمان العربي يعزي رئيس الوزراء المصري في وفاة والده    روسيا: المحادثات بين بوتين وعراقجي كانت مفيدة    وزير الخارجية يؤكد ل«ويتكوف» أهمية الاستمرار في التفاوض لتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب    بيراميدز يفوز بالدوري في هذه الحالة    شوط أول سلبى بين الزمالك وإنبي    أحمد حسام وعمرو ناصر يساندان الزمالك في لقاء إنبي    إصابة 7 أشخاص إثر تصادم سيارتين ودراجة نارية على طريق الأوتوستراد بحلوان    نادية مصطفى تنفي شائعة وفاة هاني شاكر وتؤكد: المصدر الوحيد لأخباره أسرته أو النقابة    التحضيرات النهائية لحفل افتتاح مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. صور    جيسون ستاثام يعود بالأكشن والإثارة في Mutiny.. الموعد والقصة والأبطال    هل يجب إخبار الخاطب أو المخطوبة بالعيوب قبل الزواج؟ أمينة الفتوى توضح الضوابط الشرعية (فيديو)    حكم المصافحة بعد الصلاة في الجماعة.. دار الإفتاء المصرية توضح هل هي سنة أم بدعة    الفرق بين المشروبات المهدئة والمنشطة ومتى نستخدمهما ؟    رمضان عبد المعز يروى أجمل قصة عن الثقة في الله في "لعلهم يفقهون"    جنايات بنها تقرر حجز قضية «إسلام» للحكم في مايو 2026    الطقس غدا.. ارتفاع بالحرارة بمعدل 3 درجات وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 29    قيادات أزهر الأقصر يتابعون أعمال امتحانات آخر العام للمرحلة الإعدادية.. صور    العثور على جثمان غريق مجهول الهوية بالمنيا    تكريم الكليات الفائزة في مسابقة التميز البيئي بجامعة المنوفية    اعتماد رسمي لقيادات "الناصري"، محمد أبو العلا رئيسًا للحزب لدورة جديدة    وزير الاتصالات ومدير إنتل بالشرق الأوسط يبحثان التعاون في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني    أيمن بهجت قمر يحسم الجدل حول زواجه ويعلق على شائعات السوشيال ميديا    "قد تصل للشطب".. اتحاد الكرة يحذر أندية القسم الثاني من التلاعب بالمباريات    وزيرة الإسكان ومحافظ الأقصر يفتتحان مشروعات صرف صحي بمركز أرمنت    ضغوط بيعية فى أسواق الذهب .. العملات الرقمية مرشحة لموجة صعود جديدة    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    قبل ما تفسخ الخطوبة.. اعرف هتخسر إيه فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    تغيب متكرر.. العثور على طالب ترك منزله بإرادته في مدينة نصر    أبطال المشروع القومي يتألقون في بطولة الجمهورية للتايكوندو تحت 17 سنة    إصابة 4 سيدات إثر حادث تصادم سيارتين فى شربين بالدقهلية    فان دايك: صلاح يتعافى سريعًا من الإصابات.. وسينال وداعًا يليق بمسيرته في ليفربول    "قانون العمل الجديد والامتيازات المتاحة للمرأة" ندوة توعوية بجامعة العاصمة    محافظ البحيرة: توريد أكثر من 9603 طن قمح للشون والصوامع حتى صباح اليوم    شوارع الإسكندرية تتزين بشعار مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير قبل انطلاقه    وزير الصحة يشارك في افتتاح قمة الصحة العالمية بنيروبي    اتحاد المصارف العربية: الشمول المالي ركيزة أساسية لتحقيق النمو المستدام    إحالة عاطل للمحاكمة بتهمة غسل الأموال حصيلة تجارة المخدرات    البابا تواضروس يزور بطريركية الأرمن الأرثوذكس في إسطنبول    حفل جديد لفرقة الإنشاد الديني على مسرح معهد الموسيقى العربية    الأربعاء.. المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية يحتفل ب "اليوم العالمي للرقص"    القس أندريه زكي يتحدث عن دور الطائفة الإنجيلية وتأثيرها في المجتمع المصري | الجلسة سرية    التأمين الصحي الشامل ينقذ حياة طفلة بعد ابتلاع "دبوس" ودخوله إلى القصبة الهوائية    الرئيس السيسي يوجه بضرورة تقديم أقصى درجات الرعاية لأبناء الوطن في الخارج    غدا.. «العلم والإلحاد» حلقة خاصة لمعز مسعود على شاشة التليفزيون المصري    الرئيس السيسي يبحث سبل تعزيز العلاقات بين مصر وكينيا    وزارة «التضامن» تقر قيد 11 جمعية في 4 محافظات    هزة أرضية بقوة 4.56 ريختر على بُعد 400 كيلو متر شمال مرسى مطروح    الزمالك ينعى اللواء كمال مدبولى والد رئيس الوزراء    الصحة تطلق برنامجاً تدريبياً لتطوير فرق الطوارئ الطبية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية    تأجيل إعادة إجراءات محاكمة عامل بتهمة الشروع في قتل زميله بالمعصرة    ريال مدريد يشترط 60 مليون يورو لرحيل لاعبه    أيمن محسب: التحركات المصرية تعكس دورا محوريا فى قيادة جهود التهدئة بالمنطقة    القصر العيني يُطلق استعداداته للمئوية الثانية.. اجتماع اللجنة العليا السابع يُقرّ خطط التوثيق والإعلام والشراكات الدولية    أوباما يدين حادث إطلاق النار فى حفل عشاء مراسلى البيت الأبيض    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«فريدة» و«كمر»... سلاطين المقام العراقي
نشر في صوت البلد يوم 17 - 10 - 2015

في تاريخ المقام العراقي لم تكن المرأة فاعلة إلا في فترة إبراهيم الموصلي وإسحاق وزرياب، وانحسر دورها تماماً بعد ذلك، في فترات مظلمة تعاقبت على العراق ووسمت تأريخه بتقطيع تواصل سلاسل الجمال بمختلف صنوفه، ومنه الغناء.
حتى أواخر القرن التاسع عشر عادت المرأة لتشغل مساحة في عالم الجمال، حسب المنظومة الاجتماعية والدينية والثقافية التي تسمح لها أو تمنعها من أن تشغل مكانها الطبيعي في الغناء تحديداً، خصوصاً لو اعتقدنا أن عذوبة الصوت هبة ربانية، الغرض من خلقها في بعض الناس لتكون الحياة أجمل، وربما لكي نقول الله.. لدى سماعنا صوتا جميلا، وهذهِ عبادة مختلفة لها ما يسندها.
ظهرت صديقة الملاية وسليمة مراد وزهور حسين وعفيفة اسكندر وغيرهن من المغنيات العراقيات، اللواتي ذاع صيتهن، لكن لم تتخصص أي منهن في غناء المقامات، بل كل فنانة اختارت لها نوعا، إما الأغنية البغدادية أو أغنية الريف أو المزج بين أكثر من شكل، عدا سليمة مراد كانت تعرف الكثير عن المقام وتحفظ مقامات كاملة، لكن لم تقدم منه إلا القليل، كون هذا الشكل ارتبط في أذهان الجمهور على أنه غناء ذكوري بامتياز، ويحتاج مساحات صوتية كبيرة تصل إلى ثلاثة أوكتافات، والأوكتاف ثماني درجات صوتية، كما كانت مساحة أصوات محمد القبنچي ويوسف عمر وآخرين أوكتافين، أما طبيعة حنجرة المرأة في طريقة الغناء العربي فإنها لا تتجاوز الأوكتاف ونصف الأوكتاف، في أفضل الحالات، عدا من تعلّمت تكنيك أداء الأوبرا، فقد تصل لأكثر من ذلك بكثير لكن مع التمرين الطويل والدراسة.
ثم ظهرت شابة تغني المقام العراقي بشكل فيه ما يلفت انتباه الأذن العراقية، وتحفظ الكثير من المقامات وتغنيها عن قناعة وأحساس وفي عمر مبكّر، وحضور جيد جداً ولديها ثقافة الغناء العراقي العربي والكردي، اسمها فريدة، وللأنسان دوماً نصيب من اسمه فقد ظلت فريدة، فريدة في عالم الغناء الذكوري، بل مواظبة على تأسيس اسمها ليصبح ملازما لكلمة المقام العراقي (هو شكل غنائي صارم انتقل شفاهاً عبر مئات السنين مع ضوابط لا يمكن المساس بها ودرسناها في ست سنوات) كانت فريدة زميلتنا ولاقت التشجيع من كل أساتذتنا، وزملائنا الطلبة ثم انقطعت فجأة ولفترة سنين ومن دون مقدمات، لتعود معوضة انقطاعها ولكنها كانت لا تجد نفسها إلا وسط فن المقام، وتعمقت تجربة فريدة وكبرت بشراكة فنية مع فنان آلة الجوزة محمد حسين كمر (وآلة الجوزة عبارة عن نصف جوزة هند تغلف بجلد يخترقها عمود دائري وعليها أربعة أوتار) وهذهِ الآلة ملازمة لمغني المقام مع آلة السنطور والإيقاع، وتسمى هذه المجموعة في كل الفترات الماضية ولغاية اليوم بفرقة «الچالغي البغدادي». تلك الشراكة جاءت خيراً، لتواصل فريدة مشروعها وتألقها وأصبحت شراكة حياة أثمرت ثريا، صبية جميلة تفخر بوالديها.
ثم وبسبب ظروف العراق القاسية هاجرت فريدة وشريكها محمد إلى هولندا، وهناك لم تستكن ولم تسترخِ وتنتظر هبات الدولة الحضارية، لكنها عملت ومجموعتها كخلية نحل، ليصبح صوت المقام حاضراً في كل المحافل الدولية، ويصبح حضورهما لافتا لكل المهرجانات الدولية ومسارح العالم، ودوماً تحت اسم المقام العراقي، الذي تعلمناه معاً من أساتذة كبار أمثال الراحل شعوبي إبراهيم أستاذنا جميعاً، وكذلك معلمنا وصديقنا فنان المقام الكبير حسين الأعظمي، الذي سأتناوله لاحقاً بمقال منفصل، كان المناخ مشبعا بالأصالة، وجئنا للوسط مع دخول العلم في الموسيقى، وبصحبة جيل واع وجميل ومتعلم فلم نعانِ ما عانته قبلنا أجيال.
ظلّت فريدة متمسكة بأصالة الأداء، واعتمدت على التراث منهلا تعبر من خلاله عن قدرات حنجرتها، واختارت المقامات التي تناسب روحها فقط ، تقف على المسرح حتى أيامنا هذه محافظة على تقاليد الغناء العراقي الأصيل، غير مهتمة بما يستجد على الساحة الغنائية فلها منطقتها التي لا ينازعها أحد عليها، منطقة مسنودة بحنجرة قادرة على أداء أصعب المقامات وأيضاً تسندها الآن خبرة طويلة.
تقف في منتصف المسرح، وتدرك دائما أن هناك جمهورا جديدا جاء للاستكشاف، لكنها لا تمهد، بل تأخذ جمهورها معها فورا إلى منطقتها الصعبة التي تحلق بها عاليا. لم تكترث كثيرا بشكل وقوفها، كانت معنية بالتاريخ الذي تغنيه كله في لحظة واحدة، واضعة تراث العراق وأصالته الفنية وخصوصيته أمام عينيها، فلا ترى ولا تسمع غير صوت حنجرتها يردد إبداعا عمره مئات السنين.
تغني فريدة كما يغني أساطين الغناء العربي، تمسك ناصية الفن من جهة وناصية التقاليد الفنية من جهة أخرى، لا تتنازل عن أولويات ولا تكترث كثيرا بلفت نظر الإعلام، مع أنه حلقة مهمة في عقد ومسيرة أي فنان، تحضر إعلاميا، لكنها كونها تعيش في هولندا تبدو بعيدة أحيانا عن المطحنة اليومية للإعلام العربي التي تفضل عادة السريع والجاهز، وقلَّ ما تنتبه إلى الأصيل البعيد، ومع هذا استطاعت فريدة وشريكها كمر الوصول إلى الإعلام العالمي الذي احتفى بخصوصيتها وأصالة هذه الخصوصية. ولأنها فريدة فقد احتفظت بقاعدة راسخة في التاريخ الذي يسطر غدا للفن العراقي اليوم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.