رئيس الوزراء يصدر قرارًا بإسقاط الجنسية المصرية عن 5 أشخاص    البابا تواضروس الثاني يستقبل وفد الحزب المصري الديمقراطي للتهنئة بعيد الميلاد المجيد    تراجع معظم مؤشرات الأسهم الآسيوية بعد تلاشي زخم ارتفاع وول ستريت في بداية العام    اعتماد تعديل بالمخطط التفصيلي ل3 مدن بمحافظة كفر الشيخ    وزير «التعليم العالي» يبحث سبل تعزيز التعاون الأكاديمي مع جامعة ولفرهامبتون    محافظ المنوفية يتابع آليات التشغيل التجريبي لمجزري شبين الكوم وجنزور ببركة السبع    رئيس وزراء إسبانيا: مستعدون لإرسال جنود ضمن قوات لحفظ السلام في فلسطين    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره البوركيني سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين    مزارعون فرنسيون يشقون طريقهم إلى باريس بجرارات للاحتجاج على اتفاق تجارة حرة    تقرير- مصر تبحث عن الفوز السابع في ربع نهائي كأس أمم أفريقيا    برشلونة يحدد توقيت الإعلان الرسمي عن عودة جواو كانسيلو    وزير «الرياضة» يصدر قرارًا بتشكيل اللجنة المؤقتة لإدارة الاتحاد المصري للألعاب المائية    تهدد المحاصيل والمواطنين.. تغير المناخ يحذر بشتاء أكثر برودة وتقلبات حادة    مديرية تموين الجيزة تضبط 14 طن دقيق بلدي مدعم خلال حملة ليلية    كيفية استعدادات الطلاب لامتحانات نصف العام؟.. نصائح خبير تربوي    عرض «تكنزا.. قصة تودة» يتألق خلال فعاليات برنامج أهلًا بمهرجان المسرح العربي    أنغام وتامر عاشور يجتمعان في حفل غنائي مشترك بالكويت 30 يناير    وكيل وزارة الصحة بأسيوط يعقد اجتماعا لبحث تطوير الرعاية الحرجة وتعزيز الخدمات الطبية للمواطنين    في غياب محمد صلاح.. تشكيل ليفربول المتوقع لمواجهة آرسنال    ميلان يستضيف جنوى سعيا لفوز ثالث تواليا بالدوري الإيطالي    وزيرة التنمية المحلية تعلن إطلاق مبادرة «أنا متعلم مدى الحياة»    السبت.. وزير الاستثمار والتجارة الخارجية يزور قنا    أكثر من مليون أسرة في أوكرانيا أصبحت بلا تدفئة ولا مياه    مصرع سائق في حادث مروع بطريق القاهرة أسيوط الغربي    مياه الفيوم: نتخذ إجراءات استباقية لمواجهة السدة الشتوية وتوفر سيارات مياه نقية مجانية    اسعار المكرونه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى محال المنيا    شروط مسابقة الأم المثالية لعام 2026 في قنا    بعد أزمة زوجها | ريهام سعيد توجه رسالة دعم ل« لقاء الخميسي»    تعرف على متحف قرّاء القرآن الكريم بمركز مصر الإسلامي بالعاصمة الجديدة (صور)    التعامل مع 9418 شكوى موظفين و5990 اتصالات خلال ديسمبر 2025    بدء ثاني جلسات محاكمة المتهمين بالتسبب في وفاة السباح يوسف محمد    جدول ترتيب دوري المحترفين قبل الدور الثاني    معتمد جمال: لم أتردد في قبول مهمة تدريب الزمالك.. واللاعبون مظلومون    إصابة 3 مواطنين فى مشاجرة لخلافات على قطعة أرض بحوض 18 بالأقصر    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : و يا لها من رفقة!?    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    "مودة" ينظم المعسكر التدريبي الأول لتأهيل كوادر حضانات مراكز تنمية الأسرة    أسباب الشعور ببعض الاضطرابات بعد عمر ال 35    البابا: الرئيس رسخ تقليدًا وطنيًا بزيارة الكاتدرائية عبر فيه عن مصر الأصيلة وقيادتها الحكيمة    القومي للطفولة والأمومة يتقدم ببلاغ بعد استضافة طفلين في برنامج للمواعدة    مصرع عنصرين إجراميين شديدي الخطورة في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة بالشرقية    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    حالة الطقس في الكويت اليوم الخميس 8 يناير 2026    تراجع أسعار الذهب بضغط من الدولار وترقب تقرير الوظائف الأمريكي    فوائد الترمس الحلو ودوره في دعم استقرار سكر الدم    لبنان.. انهيار مبنى سكني في طرابلس    وزير الثقافة ينعى المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة    اليمن.. قرارات رئاسية تطال محافظ عدن وعددا من القيادات العسكرية البارزة    رمضان 2026.. رياض الخولي وسامي مغاوري على قنوات «المتحدة»    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    حرب المخدرات على طاولة الحوار بين كولومبيا وترامب    رئيس المجلس الأوروبي: الاتحاد يدعم جرينلاند والدنمارك ولن يقبل بانتهاك القانون الدولي    شركة النفط الفنزويلية: محادثات مع إدارة ترامب لتخفيف انتقائي للعقوبات    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النفحة التربوية في الفيلم الأمازيغي
نشر في صوت البلد يوم 08 - 06 - 2019

إن الدراما الأمازيغية دراما القضايا الاجتماعية ، ومنذ بداية الفيلم الأمازيغي وهو منكب على معالجة القيم الإنسانية النبيلة التي يتميز بها المجتمع الأمازيغي على مر التاريخ ،ولا نبالغ إذا قلنا إن الفيلم الأمازيغي في مجمله فيلم تربوي تصحيحي للمعتقدات والمعاملات السلبية ،ومنفر من السلوكات الخادشة لنبل الأخلاق والتواصل والتفاعل الإيجابيين أسريا واجتماعيا. ورغم بساطة المعالجة الجمالية والتقنية للفيلم الأمازيغي استنادا إلى مستوى الوسائل والدعم المعتمد عليه في الانتاج والإنجاز ،فإن هذا الفيلم كان وما يزال وسيلة هادفة وفعالة في توجيه الجمهور للتفكير في وجودهم وعلاقاتهم ومصائرهم.
وقد كانت محاور هاته الأفلام مطردة بين الدفاع عن القيم في علاقتها بالهوية في زمن هول العولمة الناسفة للقيم والثقافات. ورغم أن الوظيفة المثلى في الفيلم في رأي البعض هي المتعة والترفيه ،فإنه وسيلة ناجعة في التوعية عبر المتعة والتشويق وعبر رسم نظرة مائزة إزاء الحياة والمجتمع. فما نشاهده يؤثر علينا عبر تفاعلنا معه مما يجعله يحدث تغييرات في شخصياتنا وسلوكنا وأفكارنا، لذا ينبغي اختيار المضامين القيمة أخذا بعين الاعتبار ما ينتظر غرسه في نفوس المشاهدين من الفتيان والشباب بصفة خاصة.
ففي كل فيلم رسائل مستهدفة حتما تحاول أن تجعلنا أمام وقائع هي جزء من حياتنا اليومية بما تحمله من صراعات من أجل إعادة النظر في الممدوح وفي المذموم منها ،ومشاهدتنا للفيلم مشاهدة لبعض ما يعترينا ويعتري علاقاتنا كي نرسم الطريق لمصائر أكثر إنسانية وجمالية.
قصة الفيلم :
من هذا المنطلق جاء فيلم الطمع طاعون لمخرجه إبراهيم الليموني ، و يندرج في مجال الأفلام الدرامية الاجتماعية الموجهة إلى عموم الجماهير . وتتعلق قصته بطمع أخ في ميراث أخيه المتوفى مخلفا وراءه امرأته وبنته ، وقد حاول هذا الاخ الالتجاء إلى كل الحيل التي بإمكانها أن تحقق له مراده غير آبه بمشاعر الأرملة وبنتها ، وقد تبدى له أن المنزل القديم الذي تركه يحمل كنزا ، وحين يذهب إليه رفقة شخصين من ذوي تجربة في المجال تباغته الأرملة ، ويغضب وتسكت غضبه بتسليمه وثيقة تركها أخوه كدليل على مكان وجود الكنز ، وحين يفتحها يجد أن المقصود بالكنز هو نفسه، ويقتنع بذلك ، ويؤمن بحقيقته عازما على أن يؤدي ما عليه من مسؤوليات إزاء أسرة أخيه .
الفيلم يعالج مشكلة اجتماعية معروفة في كل المجتمعات البشرية قديما وحديثا معالجة درامية تحتد الصراعات فيها وتكاد تنتهي نهاية مأساوية لولا تفهم الأخ الطامع من ميراث أخيه ما له وما عليه.
عنوان الفيلم :
جاء العنوان جملة اسمية متكونة من مبتدأ وخبر وتحمل معنى تاما مفاده أن الطمع بمثابة الطاعون ويقصد به الوباء أو الموت من الوباء 1. و" الطمع عبارة عن رغبة جامحة لامتلاك الثروات أو السلع أو الأشياء ذات القيمة المطلقة بغرض الاحتفاظ بها للذات، بما يتجاوز احتياجات البقاء والراحة بكثير. وهو يسري على الرغبة الطاغية والبحث المستمر عن الثروة والمكانة والسلطة. والطمع هو الهوس بامتلاك جميع الثروات والسلع لإبهار المجتمع المحاط بنا.
و"كمفهوم علماني نفسي، يعتبر الطمع، بنفس الطريقة، رغبة جامحة للحصول على أكثر مما يحتاجه الشخص وامتلاكه. وهو يستخدم بشكل نموذجي من أجل انتقاد أولئك الذين يسعون خلف الحصول على الثروة المادية الزائدة عن الحد، رغم أنه يسري على الحاجة إلى الشعور بالأخلاقيات الزائدة عن الحد أو الاجتماعية أو الشعور بأن الفرد أفضل من الآخرين" )انظر موسوعة ويكيبيديا( .
.
وقد أخرج الإمام الطبراني ،عن جابر رضي الله عنه ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال، يا رسول الله أوصني، قال :إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وإياك وما يعتذر منه ) صححه الألباني. و الطمع مصدر الكثير من السلوكات السلبية والمؤذية ومنها الكذب والسرقة والاحتيال والوصولية والانتهازية والانتقام والأنانية والارتشاء .
والعنوان مَثل مغربي معروف يحيل على نفور المغاربة من الطمع والجشع باعتباره وباء قاتلا يدفع بصاحبه إلى تمني نيل ما ليس له من غيره فيستبد به الحقد الذي يجعله كالمصاب بالطاعون ، ولأنه ينتشر بسرعة بعيدا عن القيم الأخلاقية والدينية فهو أشبه بالطاعون الذي يبدأ وسرعان ما تتوسع الرقعة المصابة به.
كل هذه المعطيات التي يوحي بها العنوان واردة في سلوكات بطل الفيلم الحاج مبارك الذي جسده الممثل المقتدر والشهير في الفيلم الأمازيغي منذ بدايته محمد برداوز .
شخصيات يحركها الطمع :
يبدأ الفيلم بمشهد سيكون الشرارة التي ستؤجج الطمع في نفسية الحاج مبارك وهو يرى أخاه يفارق الحياة قبل أن يهمس له بكونه قد ترك له الكنز الذي لا يفنى ، وربما فهم الحاج قوله خطأ حين فكر في السطو على كل ممتلكاته غير آبه بحقوق زوجة وبنت أخيه الهالك.
إلى جانب الحاج نجد أماغوس الحريص على معرفة كل تحركات الحاج الذي تغير سلوكه منذ أن فارق أخوه الحياة مما أثار شكوكه وشكوك المحيطين به ،ولكل تغير أو إسداء معروف سبب.
وسيتصارع أماغوس مع الحاج منذ بداية الفيلم حتى النهاية باعتبار أرملة المتوفى خالته و بنتها عائشة امرأته مستقبلا ،وبذلك صار يحركه الطمع بدوره في أخذ حق خالته من الميراث متحديا الحاج الذي يحاول السطو على كل شيء.
الحاج مبارك حاول الحصول على مراده بطريقة غير شرعية من خلال :
استمالة فقيه وإمام الدوار للإفتاء لصالحه بصدد تفويت ثروة أخيه إليه.وقد دفع به ذلك إلى حد دفع رشوة (سمن وعسل)
اتخاذ "فظمة" وسيطة ومتجسسة على الأرملة مع محاولة إخضاعها بشتى الطرق كي تستجيب لمطالب الحاج.
محاولة إرضاء "أماغوس" بتحقيق رغباته بهدف الإيقاع به بطريقة أو بأخرى.
اتخاذ خادمه البشير كمتجسس على تحركات وكلام الأرملة.
التفكير في تزويج البشير بتلايتماس وأماغوس بعائشة كي يخلو له المجال من أجل تحقيق مراده.
كل هذه المحاولات منحت الفيلم بعدا دراميا مشوقا لا يخلو من مواقف كوميدية ممتعة. ومنها ما يصدر من "عدي" المتقاعد الذي كان يشتغل منجميا فصار شبه مجنون يتحدث عن عمله وكأنه يتحدث عن بطولته في ذلك.وإلى جانبه ابنته التي تبدو ساذجة جدا تتحدث عن رغباتها وسط قريناتها بشكل فكاهي يثير ضحكهن وسخريتهن.
شخصيات الفيلم تحركها التناقضات والمتعارضات الدرامية المتفاوتة من حيث درجة حدته وفق قيمة وقدر مصالحها ، وإذا كان الطمع هو المحرك الرئيسي في أحداث الفيلم فإن درجته غير العادية أسندت إلى بطل الفيلم مما حولها إلى الجشع (الدرجة القصوى من الطمع).
ختاما
الموسيقى التصويرية المحلية منسجمة مع الأجواء التي اتخذها الفيلم كفضاء للأحداث وبساطة عيش أهل القرية وهم يحملون همومهم اليومية متحاورين حولها باحثين عن حلول لها.
ولقد تمكن المخرج من المحافظة على التوازن في إرساء المشاهد المفعمة بالتوتر والانفعال وفي وثيرة تحريكها إلى النهاية حيث سيكتشف البطل تفاهة وخطورة ما أقدم عليه وهو الغني الذي له أملاك كثيرة تعفيه عن طلب المزيد ، على أن هذه النهاية تبدو وكأنها تمَّت بسرعة، وكان من الممكن التريث لجعل البطل ينزوي ويجلس دارفا دموعه ،وهو يظهر الندم عما فات بدل أن يقتنع بمجرد قراءة وصية أخيه الذي يؤكد له فيها بأنه هو الكنز الذي لن يفنى ، وعليه مسؤولية إعالة أسرته بدل الطمع سلب ممتلكاتها.
أما أحداث الفيلم والفضاءات والملابس وتحركات وحوارات الشخصيات فقد جاءت متوافقة مع القرية الأمازيغية المتخيلة وفق العادات والقيم والملامح المميزة للمجتمع الأمازيغي .
ويبقى الفيلم ملمحا إبداعيا يحمل قيما ويحمل مشاهد تجعلنا نعتز بتراثنا الأمازيغي الجميل الذي نخشى أن نفارقه وفي ذلك مفارقة لهويتنا الفريدة.
هامش:
+ فيلم الطمع طاعون : من إخراج إبراهيم الليموني ، وسيناريو : الطيب بلوش إبراهيم الليموني.
1 المنجد في اللغة والإعلام دار المشرق بيروت الطبعة الأربعون ص 466.
إن الدراما الأمازيغية دراما القضايا الاجتماعية ، ومنذ بداية الفيلم الأمازيغي وهو منكب على معالجة القيم الإنسانية النبيلة التي يتميز بها المجتمع الأمازيغي على مر التاريخ ،ولا نبالغ إذا قلنا إن الفيلم الأمازيغي في مجمله فيلم تربوي تصحيحي للمعتقدات والمعاملات السلبية ،ومنفر من السلوكات الخادشة لنبل الأخلاق والتواصل والتفاعل الإيجابيين أسريا واجتماعيا. ورغم بساطة المعالجة الجمالية والتقنية للفيلم الأمازيغي استنادا إلى مستوى الوسائل والدعم المعتمد عليه في الانتاج والإنجاز ،فإن هذا الفيلم كان وما يزال وسيلة هادفة وفعالة في توجيه الجمهور للتفكير في وجودهم وعلاقاتهم ومصائرهم.
وقد كانت محاور هاته الأفلام مطردة بين الدفاع عن القيم في علاقتها بالهوية في زمن هول العولمة الناسفة للقيم والثقافات. ورغم أن الوظيفة المثلى في الفيلم في رأي البعض هي المتعة والترفيه ،فإنه وسيلة ناجعة في التوعية عبر المتعة والتشويق وعبر رسم نظرة مائزة إزاء الحياة والمجتمع. فما نشاهده يؤثر علينا عبر تفاعلنا معه مما يجعله يحدث تغييرات في شخصياتنا وسلوكنا وأفكارنا، لذا ينبغي اختيار المضامين القيمة أخذا بعين الاعتبار ما ينتظر غرسه في نفوس المشاهدين من الفتيان والشباب بصفة خاصة.
ففي كل فيلم رسائل مستهدفة حتما تحاول أن تجعلنا أمام وقائع هي جزء من حياتنا اليومية بما تحمله من صراعات من أجل إعادة النظر في الممدوح وفي المذموم منها ،ومشاهدتنا للفيلم مشاهدة لبعض ما يعترينا ويعتري علاقاتنا كي نرسم الطريق لمصائر أكثر إنسانية وجمالية.
قصة الفيلم :
من هذا المنطلق جاء فيلم الطمع طاعون لمخرجه إبراهيم الليموني ، و يندرج في مجال الأفلام الدرامية الاجتماعية الموجهة إلى عموم الجماهير . وتتعلق قصته بطمع أخ في ميراث أخيه المتوفى مخلفا وراءه امرأته وبنته ، وقد حاول هذا الاخ الالتجاء إلى كل الحيل التي بإمكانها أن تحقق له مراده غير آبه بمشاعر الأرملة وبنتها ، وقد تبدى له أن المنزل القديم الذي تركه يحمل كنزا ، وحين يذهب إليه رفقة شخصين من ذوي تجربة في المجال تباغته الأرملة ، ويغضب وتسكت غضبه بتسليمه وثيقة تركها أخوه كدليل على مكان وجود الكنز ، وحين يفتحها يجد أن المقصود بالكنز هو نفسه، ويقتنع بذلك ، ويؤمن بحقيقته عازما على أن يؤدي ما عليه من مسؤوليات إزاء أسرة أخيه .
الفيلم يعالج مشكلة اجتماعية معروفة في كل المجتمعات البشرية قديما وحديثا معالجة درامية تحتد الصراعات فيها وتكاد تنتهي نهاية مأساوية لولا تفهم الأخ الطامع من ميراث أخيه ما له وما عليه.
عنوان الفيلم :
جاء العنوان جملة اسمية متكونة من مبتدأ وخبر وتحمل معنى تاما مفاده أن الطمع بمثابة الطاعون ويقصد به الوباء أو الموت من الوباء 1. و" الطمع عبارة عن رغبة جامحة لامتلاك الثروات أو السلع أو الأشياء ذات القيمة المطلقة بغرض الاحتفاظ بها للذات، بما يتجاوز احتياجات البقاء والراحة بكثير. وهو يسري على الرغبة الطاغية والبحث المستمر عن الثروة والمكانة والسلطة. والطمع هو الهوس بامتلاك جميع الثروات والسلع لإبهار المجتمع المحاط بنا.
و"كمفهوم علماني نفسي، يعتبر الطمع، بنفس الطريقة، رغبة جامحة للحصول على أكثر مما يحتاجه الشخص وامتلاكه. وهو يستخدم بشكل نموذجي من أجل انتقاد أولئك الذين يسعون خلف الحصول على الثروة المادية الزائدة عن الحد، رغم أنه يسري على الحاجة إلى الشعور بالأخلاقيات الزائدة عن الحد أو الاجتماعية أو الشعور بأن الفرد أفضل من الآخرين" )انظر موسوعة ويكيبيديا( .
.
وقد أخرج الإمام الطبراني ،عن جابر رضي الله عنه ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال، يا رسول الله أوصني، قال :إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وإياك وما يعتذر منه ) صححه الألباني. و الطمع مصدر الكثير من السلوكات السلبية والمؤذية ومنها الكذب والسرقة والاحتيال والوصولية والانتهازية والانتقام والأنانية والارتشاء .
والعنوان مَثل مغربي معروف يحيل على نفور المغاربة من الطمع والجشع باعتباره وباء قاتلا يدفع بصاحبه إلى تمني نيل ما ليس له من غيره فيستبد به الحقد الذي يجعله كالمصاب بالطاعون ، ولأنه ينتشر بسرعة بعيدا عن القيم الأخلاقية والدينية فهو أشبه بالطاعون الذي يبدأ وسرعان ما تتوسع الرقعة المصابة به.
كل هذه المعطيات التي يوحي بها العنوان واردة في سلوكات بطل الفيلم الحاج مبارك الذي جسده الممثل المقتدر والشهير في الفيلم الأمازيغي منذ بدايته محمد برداوز .
شخصيات يحركها الطمع :
يبدأ الفيلم بمشهد سيكون الشرارة التي ستؤجج الطمع في نفسية الحاج مبارك وهو يرى أخاه يفارق الحياة قبل أن يهمس له بكونه قد ترك له الكنز الذي لا يفنى ، وربما فهم الحاج قوله خطأ حين فكر في السطو على كل ممتلكاته غير آبه بحقوق زوجة وبنت أخيه الهالك.
إلى جانب الحاج نجد أماغوس الحريص على معرفة كل تحركات الحاج الذي تغير سلوكه منذ أن فارق أخوه الحياة مما أثار شكوكه وشكوك المحيطين به ،ولكل تغير أو إسداء معروف سبب.
وسيتصارع أماغوس مع الحاج منذ بداية الفيلم حتى النهاية باعتبار أرملة المتوفى خالته و بنتها عائشة امرأته مستقبلا ،وبذلك صار يحركه الطمع بدوره في أخذ حق خالته من الميراث متحديا الحاج الذي يحاول السطو على كل شيء.
الحاج مبارك حاول الحصول على مراده بطريقة غير شرعية من خلال :
استمالة فقيه وإمام الدوار للإفتاء لصالحه بصدد تفويت ثروة أخيه إليه.وقد دفع به ذلك إلى حد دفع رشوة (سمن وعسل)
اتخاذ "فظمة" وسيطة ومتجسسة على الأرملة مع محاولة إخضاعها بشتى الطرق كي تستجيب لمطالب الحاج.
محاولة إرضاء "أماغوس" بتحقيق رغباته بهدف الإيقاع به بطريقة أو بأخرى.
اتخاذ خادمه البشير كمتجسس على تحركات وكلام الأرملة.
التفكير في تزويج البشير بتلايتماس وأماغوس بعائشة كي يخلو له المجال من أجل تحقيق مراده.
كل هذه المحاولات منحت الفيلم بعدا دراميا مشوقا لا يخلو من مواقف كوميدية ممتعة. ومنها ما يصدر من "عدي" المتقاعد الذي كان يشتغل منجميا فصار شبه مجنون يتحدث عن عمله وكأنه يتحدث عن بطولته في ذلك.وإلى جانبه ابنته التي تبدو ساذجة جدا تتحدث عن رغباتها وسط قريناتها بشكل فكاهي يثير ضحكهن وسخريتهن.
شخصيات الفيلم تحركها التناقضات والمتعارضات الدرامية المتفاوتة من حيث درجة حدته وفق قيمة وقدر مصالحها ، وإذا كان الطمع هو المحرك الرئيسي في أحداث الفيلم فإن درجته غير العادية أسندت إلى بطل الفيلم مما حولها إلى الجشع (الدرجة القصوى من الطمع).
ختاما
الموسيقى التصويرية المحلية منسجمة مع الأجواء التي اتخذها الفيلم كفضاء للأحداث وبساطة عيش أهل القرية وهم يحملون همومهم اليومية متحاورين حولها باحثين عن حلول لها.
ولقد تمكن المخرج من المحافظة على التوازن في إرساء المشاهد المفعمة بالتوتر والانفعال وفي وثيرة تحريكها إلى النهاية حيث سيكتشف البطل تفاهة وخطورة ما أقدم عليه وهو الغني الذي له أملاك كثيرة تعفيه عن طلب المزيد ، على أن هذه النهاية تبدو وكأنها تمَّت بسرعة، وكان من الممكن التريث لجعل البطل ينزوي ويجلس دارفا دموعه ،وهو يظهر الندم عما فات بدل أن يقتنع بمجرد قراءة وصية أخيه الذي يؤكد له فيها بأنه هو الكنز الذي لن يفنى ، وعليه مسؤولية إعالة أسرته بدل الطمع سلب ممتلكاتها.
أما أحداث الفيلم والفضاءات والملابس وتحركات وحوارات الشخصيات فقد جاءت متوافقة مع القرية الأمازيغية المتخيلة وفق العادات والقيم والملامح المميزة للمجتمع الأمازيغي .
ويبقى الفيلم ملمحا إبداعيا يحمل قيما ويحمل مشاهد تجعلنا نعتز بتراثنا الأمازيغي الجميل الذي نخشى أن نفارقه وفي ذلك مفارقة لهويتنا الفريدة.
هامش:
+ فيلم الطمع طاعون : من إخراج إبراهيم الليموني ، وسيناريو : الطيب بلوش إبراهيم الليموني.
1 المنجد في اللغة والإعلام دار المشرق بيروت الطبعة الأربعون ص 466.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.