التموين تعلن أسعار الخضروات واللحوم المخفضة    فريق «فالكيري ريسينج» يستبدل إطارات بورش 356A بزلاجات ثلجية (فيديو)    خبير بترولي : مصر تصدر كمية كبيرة من فائض الكهرباء والغاز    عبد العاطي يستقبل نائب وزير المياه والبيئة والزراعة السعودي    أخبار المنوفية اليوم.. حملة لإزالة التعديات وتطوير المنطقة الصناعية    إيطاليا تغلق المدارس والمتنزهات ومراكز التطعيم بسبب سوء الأحوال الجوية    اليسار الإسرائيلي يُهاجم حكومة بينيت لتوسعها الاستيطاني في الضفة الغربية    المبعوث الأمريكي السابق لأفغانستان: واشنطن لم تنجح في بناء دولة ديمقراطية بأفغانستان    مفوضية الانتخابات العراقية تبدأ بإعادة الفرز يدويا ل13 محافظة الأربعاء المقبل    تباين في إصابات فيروس كورونا بالدول العربية    الخارجية الفلسطينية: مواصلة إسرائيل الاستيطان استهتار صارخ بالمطالب الأمريكية والدولية    سيف زاهر: نجم الأهلي طلب من موسيماني الرحيل في يناير    الأهلي ضد الإسماعيلي .. الموعد والتشكيل والقنوات الناقلة    باريس سان جيرمان بعشرة لاعبين يتعادل سلبيا مع مارسيليا فى قمة فرنسا    سواريز ينقذ أتلتيكو مدريد من الخسارة أمام ريال سوسيداد فى الدوري الإسباني    التحقيق في مصرع طفل وإصابة 7 أشخاص أثناء نقل جهاز عروس بسوهاج    أحمد موسى ينفعل على الهواء بعد دهس قطار لتوك توك بروض الفرج    أمين «الأعلى للآثار» عن اكتشاف أبو الهول جديد: لم يتضح صخرة أم تمثال    تفاصيل جديدة من مسلسل محمد رمضان الجديد رمضان 2022    «الصحة»: قوائم الانتظار لتلقي رسائل لقاحات كورونا «صفر» في 15 محافظة    الفنان أحمد كمال: تدخلات العبقري داود عبدالسيد سر نجاح «الكيت كات»    هذا الفنان يتسلم تكريم سمير غانم في ملتقى القاهرة الدولي للمسرح    مجلس جامعة أسيوط: تعيين 20 أستاذًا بعدد من كليات الجامعة    تثبيت «فيتش»    نقيب الفلاحين: التصنيع الزراعي ضرورة لضبط الأسعار    بلعب لعبة السيرك مع زميلي.. اعترافات المتهم بقتل صبي جزار في الهرم    دوري أبطال أفريقيا .. وفاق سطيف والهلال السوداني إلى المجموعات    البيت الفني للمسرح يستعد لاستقبال الدفعة الثانية من ورشة مواهب مصر    استمرار فعاليات التدريب المصري الروسي المشترك «حماة الصداقة 5»    التعاطي انخفض ل1.5%.. صندوق مكافحة الإدمان: فحص 15 ألف سائق مدارس سنويًا    بينها رفع المقررات الدراسية على المنصات .. 15 قرار من الأعلي للجامعات اليوم    مذكرة تفاهم بين تنسيقية شباب الأحزاب ووزارة الرياضة لتأهيل الشباب ودعم مشاركتهم الفعالة    وزير الرياضة يهنئ منتخب الكاراتيه بفوزه بالمركز الأول ببطولة البحر المتوسط    عبد الله النجار عن «مصطفى راشد»: يلجأ للآراء الشاذة ويسير بمبدأ «خالف تعرف»    مونت كارلو: محمد صلاح أقرب المرشحين لجائزة الكرة الذهبية ولا يرى منافسيه    الكشف على 986 مريضا بقافلة طبية مجانية في المنشية بكفر الشيخ    بالفيديو| رمضان عبدالمعز: البعض يعمل حساباً للناس ولا يخاف الله    البابا تواضروس يستقبل مجمع كهنة شبين القناطر    نائب بالشيوخ: قانون النفاذ يحافظ على حقوق مصر في مواردها الإحيائية    شروط التحويل بين كليات الجامعات الخاصة 2021    أفغانستان.. اشتباكات عنيفة في مدينة هرات.. و"طالبان" تصدر توضيحًا    وزيرة الصحة: الاتحاد الأوروبى قدم لمصر 6 ملايين جرعة من لقاح "أسترازينيكا"    ضبط مصنع دون ترخيص يقلد علامة تجارية بالفيوم    «اليونان» ضيف شرف معرض الكتاب 2022    الموت يفجع المطربة «أحلام الشامسي»    السبكي: التمريض ركيزة أساسية لنجاح أداء الخدمات الطبية للمرضى    تناولوا وجبة فاسدة.. تسمم 4 أشخاص من أسرة واحدة في كفر الشيخ    مرتضى منصور .. تفاصيل قرار عودة المستشار لمجلس إدارة الزمالك.. صور    أمطار وشبورة مائية وغيوم.. «الأرصاد» تعلن حالة الطقس من الاثنين إلى السبت المقبل    سعد سمير قبل أول مهمة مع فيوتشر: تحدي جديد    رئيس دينية الشيوخ: الطب يحتل مكانة عظيمة في منظومة الحضارة والتعمير    تشميع 35 محلا لمزاولة نشاط بدون ترخيص بالجيزة.. صور    سميحة أيوب و«المناوي» وبطرس دانيال في ضيافة «نجوم الضهر» (صور)    مفتى الجمهورية: يجب رفع درجة الوعى عند المواطنين بمخاطر الإقدام على الطلاق    اختيار 8 أساتذة بأزهر أسيوط ضمن الأكثر تأثيرا فى مجالات العلوم بتقرير جامعة ستانفورد الأمريكية    مصر تشارك في اجتماعات لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة «سيداو» بجنيف    محافظ كفر الشيخ يفتتح مدرسة قلين الثانوية التجارية بتكلفة 7 ملايين جنيه (صور)    مورينيو: لست وغدا.. الإدارة ورثت كومة من القذارة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدكتور عبد الحليم قنديل يكتب عن :استنساخ طالبان المستحيل
نشر في الزمان المصري يوم 24 - 09 - 2021

هل حركة "طالبان" قابلة للاستنساخ عربيا ؟ ، الإجابة القاطعة فيما نتصور هى "لا" بالتأكيد .
"طالبان" أفغانية لحما ودما وسلوكا ولسانا ، وتأثيرها أفغانى محصور غالبا فى مناطق قبائل "البشتون" ، وفى امتدادات مجاورة من باكستان ، حيث مناطق "البشتون" بالذات ، وعدد هؤلاء ضعف أرقام "البشتون" فى أفغانستان ، ويصل إلى 40 مليونا ، بينما كل عدد سكان أفغانستان حاليا أقل من الأربعين مليونا ، ونصفهم من "البشتون" متعددى القبائل ، وهو ما يؤثر مباشرة على طرائق التفكير ، فهناك "طالبان باكستان" المختلفة عن "طالبان أفغانستان" ، وكانت موردا لكثير من عناصر "داعش أفغانستان" المعروفة باسم "ولاية خراسان" ، وهى تكفر الجميع بمن فيهم "طالبان أفغانستان" ، وفى الأخيرة نفسها اتجاهات بحسب المحاور القبلية "البشتونية" ، فشبكة "حقانى" مثلا تختلف عن جماعة "قندهار" ، والأخيرة هى مورد قادة طالبان الأكثر نفوذا ، من المؤسس "الملا عمر" إلى "الملا هبة الله زاده" إلى "محمد يعقوب" نجل الملا عمر ، وقد شغل "يعقوب" منصب وزير الدفاع فى حكومة طالبان ، بينما يشغل "سراج الدين حقانى" منصب وزير الداخلية ، وكلها محاور خلافات مرشحة للتفاقم ، فوق صراعات الأعراق الأفغانية المتعددة ، لكن الأصول التاريخية تبدو هى ذاتها بين فرقاء "طالبان" ، فكلهم دينيا تابعون لما يعرف باسم "المدرسة الديوبندية" ، التى يطلق عليها أحيانا اسم "الأزهر الهندى" ، وقد أخذت "الديوبندية" صفتها من مدينة "ديوبند" فى الهند ، وقد نشأت فيها أول مدارسها للتعليم الدينى فى ستينيات القرن التاسع عشر ، وانتشرت منها إلى غيرها مع تكريس الاحتلال البريطانى للهند ، وتوالدت بكثرة فى "باكستان" بعد انفصالها عن الهند عام 1947 ، ونظام التعليم فى هذه المدارس يقوم على مذهب الإمام "أبو حنيفة النعمان" ، وعلى العقيدة "الماتريدية" نسبة لأبى منصور الماتريدى ، وعرفت هذه المدارس عند بدايتها باسم "المدارس العربية الإسلامية" ، وكان للتعريف الأصلى دواعيه ، فقد كانت عقيدة المسلمين بالهند وقتها محاطة بمخاطر ، من هجمات "التشيع الصفوى" الإيرانى ، ومن تيارات الهندوسية والسيخية ، ومن طرق "الدروشة" الصوفية الموالية للاحتلال البريطانى ، وإن كان "الديوبنديون" عموما ، ممن لا يمانعون فى الانتساب لطرق دفاعية صوفية من نوع "النقشبندية" و"القادرية" وغيرها ، لكن طابع الدمج بين الأعراق القبلية وفهم الشريعة ظل غالبا ، خصوصا فى "طالبان أفغانستان" ، وهم فى الأصل طلبة علم فى المدارس "الديوبندية" ، قبل أن يندفعوا أو يدفع بهم فى صراع مع جماعات "إسلامية" أخرى ، كانت تتصارع بدورها على الغنائم والسلطات والجرائم بعد هزيمة الغزو السوفيتى عام 1989 ، فيما بدت "طالبان" حين ظهرت فعليا عام 1994 ، أكثر براءة وبساطة والتزاما خلقيا ، وهو ما مكنها من هزيمة الآخرين بسرعة ، وقصم ظهر "الجمعية الإسلامية" بزعامة برهان الدين ربانى ، وغريمها "الحزب الإسلامى" الذى يمثل جماعة الإخوان فى أفغانستان .
وإعادة النظر فى الصورة تظهر المعنى ببساطة ، فأفغانية طالبان ، و"ديوبنديتها" الحنفية ، و"بشتونيتها" القبلية ، كلها عناصر امتياز للحركة فى بيئتها التاريخية والاجتماعية ، فقد كانت قبائل "البشتون" هى مصدر السعى غالبا لحكم أفغانستان ، وحتى الذين حكموا فى ظل الاحتلال الأمريكى ، كانوا من "البشتون" بمحاورهم القبلية المتعددة ، بحكم غلبتهم العرقية ، وبحكم لغتهم "البشتونية" المتمايزة عن "الفارسية الدرية" المنتشرة بين الأعراق الأخرى ، وبحكم أدوراهم التاريخية فى صد غزوات الأجانب ، وبما جعل أفغانستان الشهيرة بقسوة تضاريس الجبال وتضاريس البشر فيها ، تحصل على لقبها المميز كمقبرة للإمبراطوريات ، و"طالبان" بصرف النظر عن التفاصيل ، كادت تنفرد بالحرب حتى النصر على الاحتلال الأمريكى ، فى حين بدت الأطراف الأخرى حتى ذات النسب الأفغانى منها ، إما فى خانة التواطؤ والعمالة للاحتلال ، أو فى خانة التقاعس والتخلى عن المعنى المقاوم ، كما فى حالة "الحزب الإسلامى" بزعامة قلب الدين حكمتيار ، وبسلوك لم يكن مختلفا كثيرا عن سلوك حزب الإخوان فى العراق تحت الاحتلال الأمريكى ، والمحصلة ظاهرة ، فقد بدا تأثير الجماعات "الإسلامية" عربية المنشأ سلبيا بامتياز فى أفغانستان ، ليس فقط بدلالة سلوك جماعة وحزب الإخوان الأفغانى ، بل أكثر بدلالة سلوك جماعات ما بعد الإخوان ، من نوع "القاعدة" عربية الأصول ، وقد كانت سببا فى دمار أفغانستان ، وخليفتها "داعش خراسان" ، التى نشأت كفرع من تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية ، ودولة خلافته الخرافية ، التى دمرت نصف العراق وثلث سوريا ، وانطوت على أبشع صور الإساءة لمعنى الإسلام دينا وشريعة ، ومراجع الإخوان والقاعدة وداعش عربية المنشأ كما هو معروف ، وبمزيج خطر من التشدد "الوهابى" وكتابات "سيد قطب" منظر الإخوان ، أى أن التأثير العربى المنشأ كان مدمرا لأفغانستان ، وبأسباب بينها أيدلوجيات الجماعات "الإسلامية" عربية المنشأ ، والكثير منها أقرب لتفسيرات ضيقة الأفق للمذهب الحنبلى المتشدد أصلا ، ولا مكان فيه لنظر العقل فى النقل ، وحرفيته مفرطة مانعة للتجديد مغرقة فى اتباع السلف ، وقابلة مع إساءة التفسير للتحريض على التكفير فالتفجير وقطع الرءوس إلى ما لانهاية ، وبصورة لم تكن واردة طبعا فى حساب الإمام أحمد بن حنبل نفسه ، فوق أن دمار أفغانستان لم يكن فقط نتيجة لجرائم الاحتلال ، ولا لغزو البيئة الدينية الأفغانية من جماعات التكفير ذات المنشأ العربى ، بل أيضا بسبب سلوك نظم حكم عربية خاضعة للهيمنة الأمريكية ، خصوصا نظام الرئيس السادات فى مصر ، ودور الفوائض المالية فى ممالك الخليج ، وقد لعب الطرفان أدوارهما بتنسيق مركزى من المخابرات الأمريكية ، ودفعا بعشرات الآلاف من الشباب "الإسلامى" المصرى والعربى إلى أفغانستان زمن الغزو السوفيتى ، وفى جهاد "أمريكانى" تماما ، كانت دواعيه ظاهرة فى رغبة واشنطن بالانتقام من موسكو ، التى دعمت المقاومة الفيتنامية ضد الاحتلال الأمريكى ، وأرادت أمريكا أن ترد الجميل الحربى بمثله ، ووجدت ضالتها فى دعم ما يسمى "المجاهدين العرب" ، ودفعهم إلى ساحة الحرب ضد "الكفرة" السوفييت ، وهزم السوفييت كما هزمت أمريكا من بعد ، لكن بعد تحويل أفغانستان إلى أطلال وأوكار وملاعب تدريب مثلى لجماعات إرهاب عربية ، عادت وقتلت من العرب والمسلمين أضعاف أضعاف من قتلتهم أمريكا و"إسرائيل" معا .
وإعادة النطر فى الصورة مجددا ، تكشف ببساطة فداحة وإجرام التأثير العربى ، واستنساخ أبشع صور التخلف العربى فى أفغانستان ، فالأخيرة على نحو ما هى ضحية زمن التخلف ذى المنشأ العربى حكاما ومحكومين ، بينما لم يكن لأفغانستان القبلية البدائية ذنب فيما جرى ، وفى مراحل تاريخية سبقت كان الوضع معكوسا ، وكان المعنى "الأفغانى" مختلفا فى وجداننا ، ففى العام 1955 ، زار الزعيم جمال عبد الناصر أفغانستان ، وكان استقباله جماهيريا حافلا كما توثقه الصور، وقتها ذهب عبد الناصر فى زيارة واجبة إلى ضريح "جمال الدين الأفغانى" بالعاصمة كابول ، وقرأ الفاتحة ترحما على روحه الطاهرة ، على سبيل الامتنان والعرفان بدور الأفغانى فى تاريخ الحركة الوطنية المصرية والعربية ، كان الأفغانى رائدا لمدرسة "الجامعة الإسلامية" ، وكان يحمل على تخلف وعجز الإمبراطورية العثمانية فى وقته ، ويتهمها بمحاولة "تتريك" العرب بدلا عن فريضة "تعريب" الترك ، وكان يشحذ الهمم لحشد المقاومة ضد زحف الاستعمار الغربى ، ويؤازر ثورة "أحمد عرابى" طلبا للاستقلال والدستور والجمهورية ، وكان جل تلاميذ الأفغانى من العرب ، على طريقة "محمد عبده" فى مصر ، و"عبد الرحمن الكواكبى" من سوريا ، وصولا إلى "عبد الحميد بن باديس" فى الجزائر ، كان الأفغانى الذى مات غيلة فى "الآستانة" عام 1897 ، يمثل النور الذى جاءنا من جبال أفغانستان البعيدة ، وسعى لاستزادة ودور مركزى فى عواصم العرب ، وفى القاهرة بالذات ، كان التأثير العربى لغة وحيوية يضئ القلب الأفغانى ، وعلى عكس ما جرى فى عقود سوداء قريبة ، استشرت فيها أمراض وجماعات التخلف والتكفير والتفجيرعربيا ، وكفرت جمال الدين الأفغانى نفسه ، تماما كما كفرت مولانا "جلال الدين الرومى" الأفغانى الأصل .
إنه زمن التخلف العربى الذى رمى بظلاله وشروره على أفغانستان ، وليست حركة "طالبان" التى لا تبارح بدائيتها حدود أفغانستان المنكوبة ، وتكاد تتهجى حروف و"ألف باء" الدولة الحديثة فى زماننا ، وتخلط بينها وبين التركيب القبلى العرفى ، وتتصور أن "البرقع الأفغانى" هو حجاب النساء الشرعى ، وأن السماح بعمل النساء فى عصرنا تلزمه فتوى الملالى ، وأن الديمقراطية والانتخابات رجس من عمل الشيطان ، ومثال من هذا النوع الطالبانى شبه الداعشى ، لن يكون مغريا باستنساخ عند أغلب الجمهور العربى فى هذه اللحظة الفارقة ، التى تخرج فيها جماعات اليمين الدينى بعد إخفاقات مفزعة من مراكز السلطة تباعا ، وعلى حلقات كان آخرها هزيمة "حزب الإخوان" المدوية فى دولة المغرب .
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.