مرحلة متطورة من العلاقات بين سلطنة عمانوقطر على جميع المستويات وفى مختلف القطاعات توقيع عدة اتفاقيات تمثل شراكة عصرية حقيقية.. والاتفاق على أهمية الحوار لمعالجة قضايا المنطقة حرص السلطان هيثم بن طارق، سلطان عمان، منذ توليه مقاليد الحكم فى 11 يناير 2020م، على تأكيد- وفى أكثر من مناسبة- أن سياسة سلطنة عمان الخارجية ثابتة، تقوم على التعايش السلمى بين الأمم والشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للغير واحترام سيادة الدول والتعاون الدولى فى مختلف المجالات.. كما حرص على مواصلة تعزيز التعاون الخليجى، وأكد ذلك مراراً وتكراراً بحرصه الدائم على مساندة كل الجهود التى تحقق التقارب بين دول مجلس التعاون الخليجى، حتى أصبحت السمة المميزة للمنحى الجديد للعلاقات بين عمان ودول الخليج «آفاق مستقبلية واعدة للعلاقات الاستراتيجية العمانية الخليجية». زيارة تاريخية وقد حظيت الزيارة التاريخية التى قام بها السلطان هيثم بن طارق الأسبوع الماضى لدولة قطر بالاهتمام الكبير على المستويين الرسمى والشعبى، وحملت الزيارة العديد من الآفاق والمؤشرات لمرحلة متطورة تدخلها العلاقات بين مسقط والدوحة فى جميع الأصعدة ومختلف قطاعات الحياة، خاصة أنها تأتى مع أجواء احتفالات سلطنة عمان بالعيد الوطنى الحادى والخمسين المجيد، الذى يوافق 18 نوفمبر من كل عام، وسط مكانة مرموقة حققتها السلطنة على كل المستويات العربية والإقليمية والدولية. وهو ما أكده البيان المشترك الذى تمخض فى ختام زيارة ال«دولة» التى قام بها السلطان هيثم بن طارق للدوحة، واستغرقت يومين حافلين بالأنشطة الكثيفة، ما بين المباحثات الرسمية وتوقيع الاتفاقيات المشتركة والزيارات لعدد من المؤسسات الرياضية والثقافية داخل دولة قطر. فقد أكد البيان المشترك أن المباحثات الثنائية الموسعة بين السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثانى أمير قطر، استعرضت العلاقات بين البلدين وسبل تعزيزها وتطويرها فى كل المجالات، وشملت تبادل وجهات النظر حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وعكست هذه المباحثات عمق العلاقات الثنائية وتطابق مواقف البلدين بشأن القضايا الإقليمية والدولية، لا سيما أهمية الحوار والدبلوماسية فى معالجة كل قضايا المنطقة. قوة الإرادة وعلى مستوى العلاقات الثنائية، أكد الجانبان قوة الإرادة السياسية للقيادة فى البلدين للارتقاء بكل أوجه التعاون على جميع المستويات، وأن الزيارة التاريخية لسلطان عمان إلى قطر ستفتح آفاقاً جديدة من التشاور والتنسيق والتعاون بين البلدين. وأشاد القائدان بما يجمع البلدين من علاقات التعاون والشراكة المتميزة فى كل المجالات، وأكدا الرغبة المشتركة فى التعاون فى مجال الطاقة النظيفة، والتعاون المشترك فى تبادل الخبرات للحد من التغير المناخى. كما أكد الجانبان أن الفرص الحقيقية والمتنوعة فى البلدين تشكل أساساً متيناً لتعزيز العلاقات، وزيادة فرص الاستثمار، وإقامة الشراكات، وإنجاز مشاريع ذات قيمة مضافة فى العديد من القطاعات والميادين، فضلاً عن زيادة حجم التبادل التجارى وتنويعه، وتعزيز دور القطاع الخاص بما يحقق التكامل فى مصالح البلدين. اتفاقيات تعاون وأوضح البيان المشترك العمانى – القطرى، أن البلدين وقعا اتفاقية حول التعاون العسكرى بين الحكومتين، واتفاقية تجنب الازدواج الضريبى، واتفاقية تعاون فى مجال الاستثمار، واتفاقية تعاون بشأن الاستثمار فى الشركة العمانية للنقل البحرى، واتفاقية تعاون حول الاستثمار فى قطاع الضيافة، إلى جانب مذكرة تفاهم فى مجال العمل وتنمية الموارد البشرية. وأشار البيان إلى أن سلطنة عمان عبرت عن اعتزازها باستضافة قطر لبطولة كأس العالم FIFA قطر 2022، وأعربت عن ثقتها فى نجاح قطر فى تنظيم هذا الحدث العالمى الكبير بصورة غير مسبوقة تعكس إرث المنطقة وإمكاناتها الكبيرة. الأمن والاستقرار وعلى المستويين الإقليمى والدولى، اتفق الجانبان على أهمية مجلس التعاون لدول الخليج العربية فى تعزيز أمن واستقرار المنطقة، كما شددا على ضرورة تعزيز التشاور وتنسيق المواقف على المستوى الثنائى، وفى مختلف المحافل الإقليمية والدولية؛ من أجل خدمة القضايا العربية والإسلامية، ودعم القضايا الإنسانية العادلة، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية، وتعزيز الأمن والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط والعالم. وفى ختام الزيارة، أعرب الشيخ تميم بن حمد عن تقديره واعتزازه بهذه الزيارة التاريخية لأخيه السلطان هيثم بن طارق، والذى أعرب عن خالص شكره وتقديره على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة اللذين حظى بهما والوفد المرافق له خلال الزيارة، كما وجه السلطان هيثم الدعوة للأمير تميم لزيارة سلطنة عمان. إرادة وطموح لا شك أن هناك إرادة وطموحاً كبيرين لقيادتى البلدين، لجعل هذه الزيارة منصة انطلاق لبنية جديدة لنقل العلاقات إلى أفق أرحب وإقامة الشراكات المرتقبة وإنجاز جملة من المشروعات ذات المنظور المستقبلى. وكان من أبرز السمات خلال تلك الزيارة التاريخية، تبادل سلطان عمان وأمير قطر أرفع الأوسمة، حيث أهدى السلطان هيثم وسام عمان المدنى من الدرجة الأولى إلى الشيخ تميم؛ وذلك تقديراً له وتعبيراً عن متانة وعراقة العلاقات الأخوية بين الشعبين العمانىوالقطرى، حيث يعتبر وسام عمان المدنى من الدرجة الأولى من أرفع الأوسمة العمانية، ويمنح لملوك ورؤساء الدول الذين ترتبط دولهم بعلاقات متميزة بسلطنة عمان، ولكبار الشخصيات التى تحظى بالتقدير السامى لدى سلطان عمان. كما أهدى أمير قطر وسام سيف المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثانى إلى سلطان عمان؛ وذلك تجسيداً لعرى الأخوة التى تجمع بين الشعبين، وما يكنه الشيخ تميم شخصياً للسلطان هيثم من مشاعر المودة والتقدير، حيث يعتبر «سيف المؤسس» أرفع الأوسمة القطرية التى تهدى للملوك وأمراء ورؤساء الدول. العلاقات السياسية والاجتماعية إن العلاقات السياسية والاجتماعية العمانية- القطرية ليست طارئة فرضتها التحولات الجديدة فى منطقة الشرق الأوسط، أو فرضتها موازين القوى السياسية والاقتصادية التى تشكلت فى السنوات الخمس الأخيرة فى المنطقة متأثرة بالمتغيرات الجذرية التى يشهدها العالم، بل هى علاقات قديمة لها جذور سياسية واجتماعية وثقافية عندما كان التاريخ واحداً وكانت الجغرافيا وحدة لا تتجزأ. لذلك جاء استقبال دولة قطر أرضاً وشعباً وأميراً للسلطان هيثم بن طارق بحفاوة بالغة، امتداداً لتلك الجذور التاريخية والاجتماعية فى بعدها الجغرافى، وتلك الجذور يمكن أن تكون اليوم أفضل أرضية تقف فوقها الرغبات الجديدة فى تعزيز التقارب من نوافذ المشروعات الاقتصادية الثنائية بين البلدين والتعاون المثمر فى مختلف المجالات ليس بدءاً من الاستثمار، وليس انتهاء بالجوانب العسكرية والأمنية العليا. ولقد عززت التجارب التى مرت بها المنطقة ثقة العالم أجمع بالسياسة العمانية وبثوابتها، كما عززتها أكثر فى وجدان الأشقاء الذين وجدوا عمان دائماً فى صفهم فى مواجهة كل التحديات التى تعصف بالمنطقة. وتفتح الاتفاقيات التى وقعتها مسقط والدوحة ضمن الزيارة، آفاقاً جديدة للشراكة الحقيقية بين البلدين وتتويجاً عصرياً لذلك الامتداد التاريخى. التعاون الاقتصادى وبالحديث عن التعاون الاقتصادى بين عمانوقطر، ارتفعت وتيرة التعاون والتبادل التجارى والاقتصادى بين البلدين خلال الأعوام الماضية، مسجلة نمواً كبيراً فى حجم وقيمة المشاريع الاستثمارية بينهما، بالإضافة إلى الدخول فى شراكة استثمارية فى عدد من المشاريع الكبيرة فى المناطق الاقتصادية والمدن الصناعية، مع دخول شراكات فى تطوير المجمعات السكنية السياحية وتعزيز الأمن الغذائى وإنشاء سلسلة من المجمعات التجارية للمواد الاستهلاكية. وبلغ التبادل التجارى بين مسقط والدوحة العام الماضى ما يقارب 490 مليون ريال عمانى، وبلغ إجمالى الصادرات العمانية إلى قطر 234 مليون ريال عمانى، وتوزعت فى مواد البناء والمحاجر والمعادن والقمح، واستحوذت المنافذ البحرية على القيمة الأعلى من إجمالى الصادرات ليصل خلال عام واحد إلى 223 مليوناً و52 ألف ريال عمانى، تليها المنافذ الجوية بقيمة 11 مليوناً و76 ألف ريال عمانى من إجمالى الصادرات خلال العام الماضى. وفيما يتعلق بواردات السلطنة من قطر فقد بلغ إجمالى قيمتها 256 مليون ريال عمانى خلال العام الماضى، وسجلت قطاعات الألومنيوم والمعادن والأدوية الطبية الأعلى بين الواردات، واستحوذت المنافذ الجوية على القيمة الأعلى من إجمالى الواردات لتبلغ 203 ملايين و955 ألف ريال عمانى، يليها المنافذ البحرية بقيمة 52 مليوناً و377 ألف ريال عمانى، وبلغت قيمة واردات السلطنة من قطر 435 ألف ريال عمانى. الشراكة العصرية ويرى المختصون فى مجال الاقتصاد والسياسة، أن التبادل التجارى بين عمانوقطر حتى الآن لا يعكس العلاقات السياسية بين البلدين ولا يعكس أيضاً الامتداد التاريخى لها، والرؤية نفسها التى ينطلق منها رجال السياسة والاقتصاد فى النظر إلى العلاقات بين البلدين، تؤكد أن كل المتغيرات الجيوسياسية تدفع نحو تعزيز الشراكة العصرية عبر الاقتصاد بين البلدين. وهذا ما تذهب إليه جهود القيادتين ويتطلع إليه شعبا البلدين، وكل تنمية تظهر فى سلطنة عمان أو فى دولة قطر لا بد أن ينعكس أثرها على البلدين الشقيقين، وتملك عمان موقعاً جغرافياً قادراً على أن يكون قبلة العالم الجديد للاستثمار وليس فقط قبلة للأشقاء.