تقرير: روبيو يقول إن الولايات المتحدة تهدف لشراء جرينلاند ويقلل من احتمالية الخيار العسكري    تعاون بين سيمنز وإنفيديا لنقل الذكاء الاصطناعي من المحاكاة إلى واقع الإنتاج    وزيرا الدفاع والداخلية في فنزويلا على قائمة الأهداف الأمريكية المحتملة    بث مباشر هنا Barcelona VS Athletic.. ازاي تشوف ماتش برشلونة أتلتيك بلباو النهارده من غير اشتراك؟    محافظ سلطة النقد يبحث مع رئيسة البنك الأوروبي سبل دعم القطاع المصرفي الفلسطيني    دعاء أم يشعل السوشيال.. حنان ترك تتصدر تريند جوجل بعد رسالة مؤثرة لابنها    نيكول سابا تشعل السوشيال ميديا من جديد.. إطلالة مثيرة للجدل ونجاح فني متواصل    إيمان البحر درويش يتصدر جوجل.. تساؤلات واسعة تعيد الحديث عن أزمته الصحية    «ترامب» يتعهد بخطة جديدة لإدارة عائدات بيع النفط    اليوم، انتظام صرف السلع التموينية بالتزامن مع إجازة عيد الميلاد المجيد    محمد علي السيد يكتب: أنا يا سيدي مع الغلابة!!    رامي وحيد يكشف حقيقة جزء ثاني لفيلم حلم العمر» ويرد على هجوم المؤلف نادر صلاح الدين    المسلمون يشاركون المسيحيين احتفالاتهم.. ترانيم وقداس عيد الميلاد المجيد بكنائس سوهاج    مصطفى محمد لا بد منه، ضياء السيد يقدم روشتة الفوز على كوت ديفور ويوجه نصيحة لحسام حسن    فيديو | بالزغاريد والفرحة والدعوات.. أقباط قنا يحتفلون بأعياد الميلاد    فرحة تحولت لأحزان.. 4 وفيات و15 مصابًا حصيلة حادث حفل زفاف المنيا (أسماء)    ارتفاع الحصيلة ل 4 وفيات و15 مصابًا.. نائب محافظ المنيا يزور مصابي حادث حفل الزفاف    وسط إقبال كبير للأقباط.. أجراس كنائس سوهاج تدق وتُعلن بدء قداس عيد الميلاد المجيد    اليوم، الإدارية العليا تواصل استقبال طعون جولة الإعادة في ال 19 دائرة الملغاة    إصابة فلسطينيين واعتقال آخرين في قرية الرشايدة شرق بيت لحم    فرنسا تعلن عن تفاصيل عدد القوات الأوكرانية بعد انتهاء النزاع    اشتعال النيران في صهاريج نفط في «بيلجورود» الروسية بسبب هجوم أوكراني    أول تحرك من وزارة الصحة بعد فيديو وفاة مريض داخل مستشفى شهير بأكتوبر بسبب الإهمال    د. أشرف صبحي: ماراثون زايد الخيري نموذج رائد لتكامل الرياضة والعمل الإنساني    قرار هام بشأن مطرب المهرجانات إسلام كابونجا بسبب «انا مش ديلر يا حكومة»    محافظ القليوبية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة العذراء ببنها.. ويؤكد على قيم الوحدة الوطنية    فلسطين.. 7 إصابات بالاختناق والضرب خلال اقتحام بلدة عقابا شمال طوباس    رئيس مياه القناة يشدد على استغلال الأصول غير المستغلة وتقليل تكلفة التشغيل    المتهم بقتل حماته يمثل جريمته في مسرح الجريمة بطنطا    رئيس المحطات النووية ومحافظ مطروح يبحثان دعم مشروع الضبعة    أمم إفريقيا - رياض محرز: عرفنا كيف نصبر أمام الكونغو.. وجاهزون لنيجيريا    طلاق نيكول كيدمان وكيث أوربان رسميا بعد زواج دام 19 عاما    صدور «ثلاثية حفل المئوية» للكاتبة رضوى الأسود في معرض القاهرة للكتاب 2026    بيان الجابر وباسندوة: بوصلة سياسية لتعزيز الدولة واستقرار اليمن    الأسهم الأمريكية تعزز مكاسبها قبل ختام التعاملات    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    وزير الزراعة: مضاربات في السوق على أسعار الكتاكيت.. والارتفاعات غير مبررة    وزير الزراعة: أسعار «الكتاكيت» مبالغ فيها.. وأتوقع انخفاضها قريباً    خطاب التماسك الوطني.. ماذا قال الرئيس السيسي في الكاتدرائية؟    إصابة 4 إسرائيليين وقتيل حصيلة حادث دهس حافلة لمتظاهرين من التيار الحريدي بالقدس    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب حفل الزفاف بالمنيا إلى 3 وفيات و16 مصابا    وفاة المطرب ناصر صقر بعد صراع مع السرطان    أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف في المنيا    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وضع خارطة طريق لإطلاق منصة رقمية لمركز الفرانكفونية بجامعة عين شمس    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    الجزائر في اختبار صعب أمام الكونغو الديمقراطية.. من سينجو ويبلغ دور الثمانية؟    بث مباشر مباراة مصر وبنين.. صراع أفريقي قوي واختبار جاد للفراعنة قبل الاستحقاقات الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حارة اليهود.. من دون يهود.. فهل يعودون
نشر في الوفد يوم 08 - 01 - 2013

بخفة أوصدوا الباب..أحاطوا خطواتهم بالصمت، هبطوا الطابق الثانى فالأول، ثم إلى الزقاق الضيق.
كثرة الأحمال والأزقة تُربكهم، ويزيد الأمر تعقيداً مع الاقتراب من قنديل قديم يتدلى من واجهة أحد المحلات المصطفة بالحارة.. الريح الخفيف يأخذ نور القنديل ذهاباً وإيابًا ليكشف عن الوجوه الخائفة من افتضاح أمرها، فيختلط الخوف مع تخيلات تحقق حلمهم ليكون لا مفر من مواصلة سيرهم.
لعل جميع جيرانهم يغطون فى ثُبات عميق، أما هم فلا نوم قبل الخروج من تلك البقعة التى ضاقت بهم، فما جدوى العيش فى بلد آخر مهما كانت درجة ارتباطهم به طالما أرض الميعاد تنتظر مجيئهم ليبدأوا حياة أخرى على جثث عربية.
وكالعادة تستيقظ الحارة ذات الأزقة المتعددة صباحاً لتكتشف اختفاء أسرة يهودية أخرى، فيتحسر الجيران على طول العشرة ويهرولون طامحين لشراء ممتلكاتها من مسئولى الطائفة اليهودية، فتبدأ السيطرة اليهودية على المنطقة فى التآكل حتى النسيان.
قبل نحو ستين عاماً كانت الأسر اليهودية تهرب من حارة اليهود ومن مناطق عدة تمركزوا بها بتلك الطريقة، فيجمعون كل مايستطيعون حمله من ملابس وأموال ثم يتخفون فى عتمة الليل ليرحلوا بحراً إلى اسرائيل تاركين خلفهم وطناً يسمى عدو الآن فى كتب أولادهم وأحفادهم المدرسية.
كانت الأمور عادية قبل انتهاء الأسبوع الماضى، فاليهود الإسرائيليون بالنسبة للمصريين فى الألفية الثانية هم أعداء يحتلون قطعًا من الأرض العربية، ويقتلون الفلسطينيين بغية القضاء على أصحاب الأرض، مع عدم تغافل كونهم عدوًا يطل برأسه كل حين لانتهاز فرصة انتزاع منطقة سيناء مرة أخرى، لكن ما بدا فى الأفق من تصريحات الدكتور عصام العريان مستشار رئيس الجمهورية ونائب رئيس حزب الحرية والعدالة المنبثق من جماعة الإخوان المسلمين، التى تدعو اليهود المصريين الذين هاجروا إلى اسرائيل للعودة إلى مصر واسترجاع ممتلكاتهم، يبث تخوفات من امكانية تلبية الدعوة بالفعل ومطالبة الدولة المصرية بتعويضات عن الممتلكات سواء التى تم بيعها أو تركها دون بيع أو ما تم تأميمه.
حارة اليهود..بدون يهود
ضجيج الباعة وضيق الأزقة المتداخلة التى تفضى نهاياتها إلى لا شىء، يجعل السير داخل حارة اليهود ليس بالأمر اليسير.. البنايات قليلة الطوابق وذات الجدران المتآكلة تتوه وسط زحام المارة والسلع المعروضة للبيع.
وكأن الحارة شقت لنصفين، السفلى منها يعيش حياة الألفية الثانية وسط بهجة محلات سكنت الأدوار الأرضية للبنايات لتبيع معظمها لعب الأطفال والإكسسوارات النسائى، والعلوى منها يحيا هناك وسط ذكريات تراكمت عليها الأتربة فتلاشت عن غير مدققى الرؤية.
أصوات تتلقفنى لدخول المحلات ورؤية المنتجات.."لن أشترى" بحزم أرد على الباعة، فى البداية تخيلت أن تصميم حارة اليهود كباقى الحارات لكنها مختلفة فهى تضم نحو 350 زقاقا، أى أن غير الدارس لطبيعة المكان يحمل لقب تائهة من الدرجة الأولى، فلا أمل فى الوصول إلى المبتغى دون السؤال كل عشرة أمتار من السير.
ذهب اليهود ومعهم كل شىء إلا اسم حارتهم تركوه؛ ليجعلوا كل من يمر بها يسأل عن سر التسمية فيجيبه متطوعون غالباً يكونون من الباعة، وحتى اليهود القلائل الذين رفضوا الهجرة إلى اسرائيل وترك وطنهم تُوفوا تباعاً ولم يبق منهم أحد، وبحسب الاحصاءات فيعيش أربعون يهوديًا فقط فى مصر كلها منهم ثلاثون فى الاسكندرية وجميعهم طاعنون فى السن.
وتتبع حارة اليهود حى الجمالية وكان بها 13معبدًا للطائفة اليهودية، لكن لم يتبق منهم سوى ثلاثة فقط وهم "موسى بن ميمون" و"بار يوحاى" و"أبو حاييم كابوسى".
أسطورة بن ميمون
سور حديدى منخفض يسهل اجتيازه لأى راغب يحيط بالمعبد ذو الطابق الواحد، لا شىء يبدو نشازاً فى المشهد سوى تلك المئذنة الملاصقة له، فمسجد الرحمن لا يفصله عن موسى بن ميمون سوى متر ونصف.
يقابل الزائر لوحا رخاميا مكتوبا عليه باللغة العبرية ما معناه "معبد ومقام السيد موسى بن ميمون"، ولم تسلم واجهته الخارجية من أيادى صبيان الحارة فكتبوا بخطوط مهتزة "شياطين الجمالية".
"موسى بن ميمون" أهم معبد فى الحارة خاصة بعد ترميمه قبل أربعة أعوام، ويتداول أهالى حارة اليهود أسطورة أن المقام يخلو من رفات صاحبه فقد أُخذ بعد نكسة 1967 ليستقر فى إسرائيل، كما يروون لصغارهم أن بن ميمون كان الطبيب الخاص لصلاح الدين الأيوبى محرر القدس من سطوة الصليبين، وتستمر الأسطورة لتشمل اعتناق بن ميمون الإسلام قبل وفاته.
بلحية بدأ البياض يكسوها وأسنان آخذة فى الضياع، يجلس الحاج سيد حسن أمام ورشته، ينظر حيناً للمعبد اليهودى الذى يبرز فى خلفيته مئذنة المسجد ثم يباشر عمله.
تردد قبل الحديث معى عن ذكريات تمتد لأكثر من ستين عاماً، مبرراً ذلك بكون حديثه لن يعجب الكثيرين، أجابته "طالما رأيك واقعاً عشته فلتروى دون تردد".
أبداً لا يمكن أن ينسى طفولته فى الأزقة حيث اللعب مع أطفال اليهود، كانوا يأكلون سراً فى رمضان خشية إزاء مشاعر المسلمين، كما كان عادياً أن يتزوج المسلم من اليهودية ويترك لها زوجها الحرية فى أن تظل على ديانتها أو اعتناق الإسلام.
ثلاث عائلات مسلمة فقط كانت تقتطن الحارة والباقى من اليهود، كانت نظيفة تملأ شوارعها الزهور والعطور يوم السبت، لم يكن هناك ما يميز المسلم عن اليهودى، فالعيش فى سلام كان رغبة أصحاب الديانتين، كما يروى الحاج سيد.
يرتكن على الحائط المقابل للمعبد بعدما أحس بتعب الوقوف، ليؤكد أنه اشترى منزله المجاور لموسى بن ميمون من مسئولى الطائفة اليهودية، ثم قال :" فاتورة الكهرباء والمياه تأتينى حتى الآن باسم إليهوى شالوم وهو الشخص الذى كلف الطائفة قبل هجرته إلى اسرائيل ببيع أرضه التى بنيت عليها بيتى"، ونفى ذو الأسنان الآخذة فى الضياع الادعاءات القائلة إن المصريين استغلوا هروب اليهود ليشتروا ممتلكاتهم بأثمان باخسة، متابعاً حديثه:" اشتريت متر الأرض بنفس سعر السوق وهو 2,70جنيه"، لكن ذلك لا ينفى بحسب قوله إن هناك مَن احتلوا بعض البنايات دون شراء.
يفرك العجوز جبهته فى حركة دلالية على صعوبة استرجاع الذكريات، صمت قليلاً ثم أكمل :" لم يعد هناك أى يهود فى الحارة وآخر ما بقى منهم كانت الست سوسو وتوفيت منذ خمس سنوات"، ولم تكن سوسو التى توفت بعد سن الثمانين امرأة عادية فكانت تجوب محلات الحارة؛ لتغنى أغانى ليلى مراد ومحمد فوزى مقابل قليل من المال.
يشير بيد مرتعشة إلى المدرسة المقابلة للمعبد، مؤكداً أن مسئولى الطائفة اليهودية قد أجروها إلى وزراة التربية والتعليم.
رغم كل الذكريات التى تخلو من أى مشكلات مع اليهود، إلا أن العجوز يرفض عودتهم مرة أخرى، مستنكراً دعوة الدكتور عصام العريان.
ويبرر رفضه بكون اليهود مغتصبين لأرض الفلسطنيين قائلا:" كل اليهود الموجودين بإسرائيل عنصريون ولا يمكن عودتهم واذا كان لهم حق فى أى ممتلكات فهو يسقط بالتقادم"، مؤكداً أن من سيعودون هم أبناء وحفدة يهود مصر وكلهم مجندون فى الجيش الاسرائيلى أى أعداء.
حديقة معبد تتحول إلى محل إكسسوارات
واضعاً ساقاً فوق أخرى، مدققاً فى جريدة يمسكاً براحتيه، يجلس مجاهد إبراهيم الذى اغتال البياض سواد شعره، أمام محل اكسسوارات نسائى يديره ابنه الذى لم ياخذ كثيراً من قسمات وجه والده.
تكشف ضحكته التى قابلنى بها تلاشى الصف السفلى من أسنانه، لا شىء يؤثر طالما الضحكة باقية.. المعبد الملاصق للمحل تماماً مثل أسنان العجوز تلاشت ملامحه مع طول الهجرة.
أدخلنى المحل وجلس قبالتى واضعاً ساقاً فوق أخرى، مستمراً فى ضحكته التى اتخذت فى الاتساع مع بدء الحديث.
"المحل الذى نجلس فيه الآن هو حديقة معبد بار يوحاى الملاصق لنا" بذلك بدء حديثه، ليوضحه بكون صاحب البيت اشترى أرض الحديقة بعد هجرة اليهود من الطائفة اليهودية.
لا مجال للمقارنة بين الحارة قديماً والآن كما يؤكد ابراهيم، فالهدوء والنظافة كانوا سمة الماضى مرجعاً ذلك لاقتصار الحارة على السكن فقط فلم تكن هناك أى محلات إلى جانب قلة عدد الساكنين،" بعد الخامسة مساءً لم يكن أحد يمر بالشارع إلا فيما ندر"، أما مع تحول كل أدوار البنايات الأرضية إلى محلات ذاعت الضوضاء.
هاجر اليهود وابراهيم فى الثانية عشرة من عمره، ولم يبادل خروجهم فرحاً أو حزناً، لا يتذكر كثير من الأحداث لكنه يؤكد فى أكثر من جملة اهتمام الطائفة اليهودية بملابسهم وأنواع الأطعمة التى يأكلوها"، كما أنه يوضح أن المسلمين كان عددهم قليل جدا فى الحارة وتقتصر أعمالهم على خدمة اليهود فاشتغلوا بالسباكة وتربية الطيور والبقالة.
قبل الرحيل باع أكثرهم ممتلكاتهم إلى العاملين لديهم مكتفين بأخذ ما يملك العامل من أموال على أن يتم تسديد الباقى فيما بعد، ويتدخل ابنه خالد ليقول ساخراً " لا نعتقد أن العمال أرسلوا باقى مستحقات اليهود".
ويتابع الوالد أن مسئولى الطائفة اليهودية تكفلت ببيع كثير من ممتلكات اليهود إلى المصريين، وقد تم الاحتفاظ ببعض الأسماء كما هى حتى الان مثل بقالة اليهودى بيساح التى أصبح اسمها "سيد بيساح".
لا يمكن أن يتصور العجوز فكرة عودة اليهود مرة أخرى، لأن الحقد والكراهية تمكنت من قلوبهم كما يصف، ثم يكمل " لقد تشبعوا بالصهيونية لذا فرجعوهم خطر"، متوقعاً أن يكون الرجوع خطة لتكرار ما حدث فى فلسطين حيث شراء ممتلكات المصريين لتصبح أرضهم.
الأودش... مساكن الفقراء
تتفحصنى بنظرة متوجسة، فأبتسم لتبديد التوجس دون فائدة، هى عجوز يبدو أنها فارقت الثمانين عاماً، لا تصدق مطلقاً رغم محاولات إقناعها أنى لست يهودية، "أنتى صحفية يهودية ستأخذنى أخبارنا لتبثيها فى إسرائيل" هكذا أقنعت نفسها وتحاول اقناعى، ثم تلقى العجوز بمياه ملوثة أمامى لتدفعنى إلى الانصراف.
ترفض الحديث أو السماح لى بالتجول داخل "الأودش" وهو مبنى يتكون من طابقين به حجرات متعددة، وقد بناه اليهود ليسكن به فقراؤهم من الطائفة غير القادرين على بناء بيوت وكان الأغنياء يوفرون لساكنى "الأودش" الطعام والشراب وكل ما يحتاجونه.
الرفض يبدو منطقياً مع اكتشاف أن وجودهم فى "الأودش" غير قانونى فلا أوراق تثبت ملكيتهم للحجرات.
يمر رجل عجوز فاستوقفته طالبة منه التجول بالداخل لكنه أيضاً يرفض، فأسأله عن رأيه فى دعوة العريان لكنه لا يعرف مستشار الرئيس، فاشرح له الموقف ليبدو عليه الانزعاج ثم بعد تفكير يقول: "أوافق على العودة ولكن ليدفعوا لنا ثمن الرحيل من هنا".
استئذنتها فقط فى النظر داخل حجرتها التى تقع فى مقدمة الأودش فوافقت، طول الغرفة حوالى ثلاثة أمتار وعرضها متران، مرفقة بحمام، متهالكة كباقى المبنى، حتماً تُذكر بالعشوائيات.
قريباً من الأودش يجلس الحاج سمير محمود وشهرته "عنتر بلالا" أمام صندوق يطلى عبره المعادن، يؤكد لى أن فقراء اليهود كانوا ينعمون بحياة مرفهة داخل "الأودش" التى أسماها المسلمون "التكية".
الحاج سمير رغم اندهاشه من فكرة عودة اليهود لكنه عرض مساومة رآها عادلة وهى دفع إسرائيل تعويضات عن شهداء وجرحى حروب 1948و1956و1967و1973، مؤكداً أن اليهود قبل هجرتهم باعوا ممتلكاتهم وحصلوا على أثمان البيع وسمحنا لهم بذلك رغم أن كان بينهم جواسيس يعملون ضد مصر.
يهود مصر منذ القدم
أرسل ابنه الصغير مع إخوته بعد إلحاح ليساعدهم فى رعى الأغنام، فلم يعد الصغير، قالوا لآباهم سقط فى غيابات البئر، لم يصدقهم وقد صدق فكان ولده هناك داخل قصر الفرعون بعدما تأمرت نفوس الأخوة عليه، عاش هناك ونمى فكره حتى أمره الله ببدء الدعوة داخل سجنه، ليفك كربه ويعينه أميناً على خزائن الطعام.
ظل يعقوب بن اسحاق منتظراً ابنه، ولما أطاحت المجاعة ببطون الجائعين سافر باقى أبنائه إلى مصر التى عرفت بأمر الجفاف قبل قدومه؛ لعلهم يستطيعون الحصول على حبوب، وكان يمكنهم تخيل العودة دون الطعام ومن ثم الهلاك لكنهم أبداً لم يأتِ فى بالهم أن الشخص الذى سيطعم بطونهم الجائعة هو نفسه أخوهم الذى ألقوه فى البئر ليتخلصوا من حب أبيهم الزائد له.
كان مجىء أخوة سيدنا يوسف بن يعقوب إلى مصر هو أول دخول لليهود إلى أرض نهر النيل، ثم بعد ذلك بدأت نبوة سيدنا موسى فكلمه الله فى جبل الطور بسيناء وأنزل التوراة عليه قبل هروبه مع بنى اسرائيل من بطش فرعون بعدما آمن سحرته برسالة نبى الله.
وظلت العلاقة التجارية بين اليهود ومصر بعد استقرارهم فى فلسطين، لكن بدأ النزوح مرة أخرى إلي أرض الوادى فى عهد إرميا النبى رغم تحذيراته بعدم الذهاب، وكان ذلك متزامناً مع حكم ابريس من ملوك الأسرة السادسة والعشرين الفرعونية.
وعاشت الطائفة اليهودية على مر العصور داخل مصر بين ازدهار لتجارتها كما فى العهد الرومانى والطولونى والأيوبى، وسوء معاملتها مثلما حدث فى عهد الحاكم بأمر الله أحد حكام الدولة الفاطمية وكذلك فى عصر المماليك .
وفى القرنين الماضيين تغلغل اليهود داخل الاقتصاد المصرى وكان عددهم يقدر بمئات الآلاف، وعاش كثير مهم فى حارة اليهود ولكن من تزيد ثروته فكان ينتقل إلى أحياء عابدي وباب اللوق ومصر الجديدة.
وأمسك اليهود بزمام أهم الصناعات فامتلكوا محلات الذهب والنسيج والحلويات والحديد مثل صيدناوى وهانو، وأسسوا دور العرض السينمائى ومنها ريفولى، والبنوك كالبنك العقارى المصرى.
وجاءت بداية هجرتهم إلى اسرائيل بعد حرب 1948 عقب اعلان الدولة العبرية، ثم زاد الأمر بعد ثورة يوليو 1952، لكن اتضاح الصورة فى شكل هجرة كان مع العدوان الثلاثى على مصر واحتلال سيناء فى عام 1956، ومع عام النكسة 1967 أصبح لا يتعدى عدد اليهود الموجودين فى مصر سوى المئات إلى أن تقلصوا إلى عشرات.
تهريب وثائق ممتلكات اليهود
وأمام التخوفات من عودة اليهود ومطالبتهم بتعويضات عن أملاكهم سواء التى تم بيعها أو لم يتم، فتستوقفنا عدة حوادث منها ما نشر فى الصحف حول محاولة سيدة تهريب مستندات إلى الأردن ثم اسرائيل تضم أوراق ملكية بعض اليهود لممتلكات وأراضى دخل مصر.
وتبين أن الوئاثق تزن ألف كيلو من الورق القديم تعود عمرها إلى عام 1863، منها تأسيس أسر " سوارس ورولو وقطاوى" لبنوك، وعقود تأسيس سلاسل محلات تجارية منها صيدناوى، وهانو، وعدس وبنزايون وريفولى.
وقد أوضحت مصادر أمنية أن المستندات تم الحصول عليها من دار المحفوظات بشكل غير شرعى، وكشفت أن الوثائق تضمنت حسابات أمراء أقاموا فى مصر وقت حكم الخديوى اسماعيل ومنها أوراق امتلاك الأمير السورى لطف الله قصر بمنطقة الزمالك تبين أنه مكان "فندق ماريوت".
ولا يمكن تغافل التنازع على عدد من عقارات حارة اليهود بين رجال أعمال مصريين، كعقارى 9 و11 بدرب الكتاب، فعائلة على حسين شبانة تؤكد شرائها للعقارين من عائلة يهودية قبل هجرتها، لكن رجل أعمال يؤكد أنه اشتراه من الطائفة اليهودية، وكذلك العقار رقم 15 بحارة الصقالبة، الذى يتنازع عليه رجل الأعمال عبد الهادى حسن سلامة والطائفة اليهودية، واختصم رجل الأعمال الطائفة، بسبب رفضها تسليمه أرض المعبد البالغ مساحتها 462 مترا مربعا والتى قام بشرائها بعقود ابتدائية، بتاريخ 21-1-2006، مقابل مبلغ قدره مليون وتسعمائة وخمسين ألف جنيه، وأى كان الطرف الصادق فهناك كارثة فالتشكيك فى ملكية المصريين للمبانى يعنى امكانية دخول طرف ثالث فى النزاع وهو اليهود.
وتبرز الأزمة مع إلقاء الضوء على اثارة اسرائيل لقضية أملاك اليهود بين الحين والآخر، كما حدث فى عام 1979 بعد توقيع معاهدة السلام، وأيضاً فى عام 1998عقب اثارة القاهرة قضية الأسرى المصريين.
ولم تتمكن "الوفد" من اجراء حوار مع رئيسة الطائفة اليهودية فى مصر وهى "كارمن ويتشاين" لظروف سفرها خارج البلاد.
يهود يرفضون العودة
لا يمكن أن تمر تصريحات دكتور عصام العريان دون تعليق يهودى، خاصة عندما تصدر عن ممثل بارز لجماعة الاخوان المسلمين التى تبر بحكم اسلام للدولة المصرية، فوصف عازي نجار، رئيس جمعية يهود مصر في إسرائيل ورئيس جمعية مطالبي حقوق يهود الدول العربية، دعوة العريان بغير المنطقية، مؤكدا فى الوقت نفسه حب اليهود المصريين لبلدهم الأصلى.
وأضاف نجار أن العودة أصبحت مستحيلة لاستقرارهم فى اسرائيل مهما بلغت الأوضاع مثالية فى مصر، وتساءل قائلا: "لماذا نعود إلى دول لا تحترم حقوق الأقليات ونحن ننعم بالديمقراطية فى إسرائيل؟"، وتابع: "لسنا مجانين ولا أغبياء لنعود".
القانون لا يسمح بالعودة
قال الدكتور إبراهيم أحمد، رئيس قسم القانون الدولى الخاص بكلية الحقوق جامعة عين شمس، إن القانون الاسرائيلى يمنح أى خص يحمل الديانة اليهودية الجنسية الاسرائيلية بمجرد دخوله الدولة العبرية، موضحاً أن يهود مصر ذهبوا إلى اسرائيل بإرادتهم وفضلوا جنسيتها على المصرية.
وأشار إلى أن القانون المصرى ينص على إسقاط الجنسية المصرية عن أى شخص يتصف فى أى وقت من الأوقات بالصهيونية لذا فلا سبيل لعودة اليهود من أصول مصرية وفقاً للقانون.
وحول إمكانية حصول يهود مصر على تعويضات أو ارجاع ممتلكاتهم، نفى إبراهيم امكانية اللجوء إلى التحكيم الدولى لكون الأمر محل النزاع ليس بين الدولة المصرية وأفراد يهود بالاضافة إلى أن ذلك يقتضى موافقة الدول أطراف النزاع، لكن يمكن رفع دعاوى قضائية داخل مصر فى حال امتلاك اليهود لعقود ملكية، لافتاً إلى أن ذلك قد يفتح الباب لمطالبة الاسرائيليين بمبالغ خيالية لارتفاع قيمة العقارات والأراضى وهو ما سيكهل عبئاً اقتصادياً على الدولة المصرية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.