رأت مجلة " تايم " الامريكية أن إستراتيجية الأردن فى البقاء ومقاومة رياخ التغيير، بدأت تصطدم بالحائط، حيث أصبح من الصعب شراء التأييد الشعبى، فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وفرض مزيد من التقشف. وقالت المجلة إن العاهل الاردني الملك "عبد الله الثاني" حاول جاهدا تجنيب بلاده رياح الثورات التى هبت عن يمينه ويساره شمالا وجنوبا، واذا لم يكن هناك "ميدان تحرير" فى العاصمة الاردنية عمان كذلك الموجود فى القاهرة ، فإن تجمع ألفى متظاهر في قلب عمان ومئات آخرين في 12 مدينة أخرى يوم الثلاثاء للاحتجاج على ارتفاع أسعار الوقود، علامة على أن تحصن المملكة من حمى الربيع العربي قد انتهى. فقد اتخذ العديد من المتظاهرين خطوة غير مسبوقة من الهتاف ليس فقط لاستعادة دعم الوقود، ولكن للثورة وسقوط النظام. ورغم ان انتقاد الملك علنا جريمة يعاقب عليها بالسجن مدة تصل إلى ثلاث سنوات في الأردن، إلا أن المحتجين هتفوا "الحرية من عند الله، رغما عنك يا "عبد الله"." ودعا نشطاء الى اضراب عام اليوم (الأربعاء)، وبغض النظر عن مستوى تأييد هذه الدعوة ، فأن العوامل الدافعة للتحدي المتنامي للعرش الهاشمي ، هى منتجات للشعور بالضيق والتذمر من الاوضاع فى البلاد . صداقة إسرائيل والغرب فقد ظلت المملكة لفترة طويلة تشكل حجر الأساس في حلف الاستقرار الموالي للغرب والصديق لإسرائيل في العالم العربي، ولكن الهدوء السياسى الذى ظلت تتمتع به المملكة بدأ يتفكك. و شهدت عمان أكبر الاحتجاجات الشهر الماضي، حيث نجحت "جبهة العمل الإسلامي" التابعة لجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب اليسارية فى حشد 15 الف متظاهر ضد قانون الانتخابات الذى يحد من صلاحيات البرلمان ، ورغم أن نسبة المشاركة فى المظاهرات كانت أقل من ال 50 ألف التى وعد بها المنظمون، إلا أن مشاركة 15 الف في بلد يضم 6 مليون مواطن ، و يحكم بقبضة حديدية من قبل جهاز المخابرات ، يعتبر انجازا كبيرا . التلاعب بورقة الانقسامات الاجتماعية واستمرت الاحتجاجات المتقطعة طوال الاشهر الماضية، يغذيها مزيج سام من معدلات البطالة العالية و نقض الوظائف ، وانخفاض الدخول الحقيقية وارتفاع معدلات التفاوت، والغضب على نطاق واسع من الفساد المستشري والسلطوية الخرقاء ، الا أن النظام فى الاردن نجا من الأزمة لفترة طويلة من خلال التلاعب بمهارة بورقة الانقسامات الاجتماعية العميقة، وعلى الأخص بين القبائل البدوية الموالية تقليديا للملك والتى تعرف باسم سكان الضفة الشرقية ، والأغلبية الفلسطينية في المملكة. منطقة مهمة لأمريكا واشارت المجلة الى أن الموقع الجغرافى للأردن ، جعل منها دولة ذات أهمية أمنية للغرب ، كونها نقطة ارتكاز بين إسرائيل وسوريا والعراق ، وهو ما أعطي حافزا كبيرا للولايات المتحدة لمساعدتها على البقاء على قيد الحياة رغم تحديات مواطنيها المضطربة. ثورة القبائل وأكدت المجلة ان الملحوظ فى الاحتجاجات الاخيرة هو أن الغضب لم يكن مقصورا على جماعات أو تيارات معينة ، بل طال شباب تلك الهياكل القبلية التي ظلت لفترة طويلة حجر الأساس فى الولاء للنظام، حيث كان يتم تفضيلهم فى الوظائف العليا فى الدولة ، وخاصة في قوات الأمن. والحقيقة أن احتجاجات يوم الثلاثاء ، التي فجرها اعلان الحكومة من زيادة مفاجئة في أسعار الوقود ، تشير إلى أن الوضع الاقتصادي غير المستقر بشكل متزايد في المملكة ، أدى إلى تآكل قدرتها على شراء ذمم الدوائر الانتخابية الرئيسية. وحسب بعض التقديرات، فأن مختلف أشكال الدعم تقدر بثلث ميزانية الحكومة وأكثر من 8٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ويبدو أن السلطات لجأت لزيادة أسعار الوقود في محاولة يائسة لسد العجز في الميزانية المقدر بحوالى5 مليارات دولار. تفاقم الازمة الاقتصادية ولا يزال الاردن يعتمد اعتمادا كبيرا على دفعات نقدية كبيرة من المقرضين الدوليين والممالك النفطية الخليجية، وتأثرت المملكة بشدة بارتفاع تكاليف واردات الطاقة من العراق بعد أن توقف خط أنابيب الغاز الطبيعي من مصر عن العمل بعد عمليات التخريب المتكررة على يد مسلحين، بالاضافة الى وجود ما يزيد عن 100 الف سورى فى الاردن ، مما يزيد من العبء الناتج عن التوترات الاجتماعية. شكوك فى الوعود بالإصلاح وقد حاول الملك تجنب الاضطرابات من خلال مجموعة من التدابير الإصلاحية التجميلية إلى حد كبير ومن خلال الدعم المالي الخارجي، ولكن تزايدت الشكوك في مصداقية عملية الإصلاح، كما قامت دول الخليج بتسليم الاردن أموالا أقل بكثير مما وعدت به. واتهمت جماعات المعارضة القصر بالتراجع عن وعود الإصلاح، ووضع قيودا صارمة على سلطات البرلمان المقرر انتخابه يوم 23 يناير واعتماد قانون انتخابي يزيد بشكل واضح من عدد الدوائر الانتخابية الريفية وفى المناطق البدوية، في حين يقلص بشكل كبير عدد الدوائر فى المدن التى يعيش فيها السكان الفلسطينيين بكثافة ، والذين يمكن أن يوفروا قاعدة لجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب اليسارية. ومنذ أن شرع فى برنامج الإصلاح ، عين الملك عبدالله اربعة رؤساء للوزارة ، وهو ما يدل على عدم الاستقراروحالة التردد عن الملك. التشجع بموقف السعودية ويرى المراقبون في عمان أن ثقة الملك "عبدالله" في تجاوز الربيع العربي زادت بعد أن رأى أن المملكة العربية السعودية تقود الثورة المضادة، كما أصبحت القوى الغربية فى حالة قلق متزايد من مكاسب الاسلاميين في الديمقراطيات العربية الناشئة. ونتيجة لذلك - وربما عن طريق ضغط " المخابرات" وغيرها من العناصر الأساسية فى النظام الحالي غير المتحمسين للمساءلة والديمقراطية والشفافية_ فقد الملك حماسه لنظام سياسي مفتوح وتنافسي حقا . باختصار، قد يعتقد "عبد الله" أن الأردن بلد مهم جدا لمؤيديه فى الخارج ، بما لا يمكن أن يسمح لهؤلاء المؤيدين بسقوط النظام ، وبالتالي يتمكن من تحديد شروط وحدود أي تغيير سياسي . وقد دفعت تلك الحدود جبهة العمل الإسلامي لجماعة الإخوان المسلمين وأحزاب سياسية أخرى لمقاطعة انتخابات يناير ، والذي من شأنه أن يبطل العملية بكاملها عن طريق حرمان النظام من الشرعية التي ستنشأ من مشاركة المعارضة. وكما تبدو الأمور، فإن الجمع بين قانون الانتخابات والمقاطعة ، يعنى أن البرلمان الجديد سوف يشبه النظام الحالي، ويترك العملية السياسية غير قادرة على تهدئة السخط الشعبي أو توجيهه. الإصلاح الحقيقى طوق النجاة واضافت المجلة : " بدون إصلاح حقيقي يهدف إلى تأمين نظام سياسي أكثر شمولا ، من الصعب أن يستطيع الملك التعامل مع المشاكل الاقتصادية العميقة دون إثارة اضطرابات أوسع، ويحذر المحلل "بارنز داسي" من أن هذه الاحتجاجات الاخيرة قد تتلاشى بهدوء، ولكن الواقع هو أن المملكة تواجه تحديات خطيرة جدا ، مما يجعل الملك هدفا للغضب والاحتجاج المتزايد ، والحقيقة أن "عبد الله" يعرف أن وجوده على العرش يعتبر لا غنى عنها للقوى الغربية، والأنظمة الملكية الخليجية وإسرائيل ، ولكن مشكلته تكمن في إقناع شعبه بنفس الفكرة!