مبنى أثرى برائحة عثمانية وصورة سلبية اختلف عليه التاريخ واتفقت عليه البشرية «باب الشعرية».. منطقة مازالت تحتفظ بروائح العهد العثمانى القديم، فعلى بُعد كيلو متر من السير فى المنطقة، وبالتحديد فى شارع أمير الجيوش الجوانى، تظهر بعض المبانى ذات الطوابق القليلة، والورش الصاخبة من دق النحاس والألومنيوم، يتخللها مبنى مكون من طابق واحد، يُسدل عليه ستائر من حرير لتخطف أبصار المارة، كما تظهر على جدرانه بقايا التراث العثماني، الذى طالها الإهمال والنسيان، والقمامة المحاطة به من كل جانب، إلا أنه مازال يمتاز بجدران ضخمة عالية، وفتحات تهوية على طراز معمارى منظم، ولا يخلو من أشكال هندسية، وقبيل الدخول إليه، توجد لافتة من الطراز الحديث، مكتوب عليها «حمام الملاطيلي» وحمام بلدي، بالإضافة إلى بعض العبارات التى تختص بمواعيد العمل والمميزات المتواجدة بالحمام. وعند الوقوف أمام الحمام، يظهر المدخل الرئيسى، على بُعد سنتيمترات قليلة، للنزول منه إلى الحمام، ويوجد أكثر من 20 درجة من السلالم الحجرية، وكأنه عالم آخر، يعود إلى أكثر من 800 عام، فرائحة التاريخ وملامحة مازالت محتفظه ببقاياه على الحوائط والسلالم، التى بنيت من الحجر الجيرى العملاق، وتحيطها هالات البخار البيضاء، يحتمى بجدران من الطمى العتيق، ويتوسط المكان نافورة مياه حولها عدد من المقاعد الحجرية، خُصصت لجلوس الزائرين. «الملاطيلي».. يعد من أقدم الحمامات التى أنُشئت فى مصر، ولكن اختلف موعد إنشائه، حيث يقال فى بعض الروايات التاريخية، إنه أنشئ فى العصر الفاطمى، فى عهد الحاكم بأمر الله، الذى أمر ببناء 365 حمامًا آخر، بعدد أيام السنة، من أجل أن يقوم السلطان بالاستحمام كل يوم فى حمام مختلف، ويُعد ضمن العديد من العادات والتقاليد، التى دخلت على يد الفاطميين، ومنها ما اندثر بعض الشيء منذ سنوات، ومنها لايزال موجودًا فى مختلف أنحاء المحروسة، وذكرت بعض الكُتب التاريخية، أنه تم تشييده فى عام 1780 ميلادية، فى عهد الوالى العثمانى إسماعيل باشا، حيث خصص للرجال والنساء، ليغتسلوا بداخلها. «الحمام ده من أنضف الحمامات».. أجاب أحد المارة عند سؤاله عن «حمام الملاطيلي»، بتلك الكلمات البسيطة، قائلًا: «يا أستاذة الحمام ده من ييجى 500 سنة وأكتر من قبل ما أتولد، ومن ساعة ماجيت المنطقة عمرنا ولا شوفنا ولا سمعنا عنه شكوى، وزباينه على كل شكل ولون، وفيهم ناس أكابر كتير. وسطر فى أوراق التاريخ قديمًا، باسم «حمام سويد»، وذلك نسبةً إلى منشئه الأمير عزالدين السويد، ثم تغير اسمه إلى حمام مرجوش، نسبة لاسم المنطقة الحالية، أو حمام الملاطيلي، نسبة لسيد الملط، الذى اشتراه من العثمانيين، ويبلغ عمر الحمام، قرابة 532 عامًا، ويعتبر أحد أهم الحمامات المنشئة فى مصر خلال حقبة العثمانيين، فكان يستقبل الأمراء والملوك فقط. ولكن بمرور الزمن، أخذت «الحمامات البلدي» تنتشر انتشارًا سريعًا فى مختلف أحياء مصر، حتى وصل فى عهد من العهود القديمة، إلى ألف ومائة وسبعون حمامًا، وكان بعض هذه الحمامات خاص بالرجال، والبعض الآخر خاص بالنساء، فى حين كان قسم يفتح للرجال قبل الظهر وللنساء بعد ذلك، والذى يختلف عن الآن، حيث يفتح من الساعه ال9 صباحًا حتى ال5 مساءً للنساء، ويليها موعد الرجال. وعند التجول بأروقة الحمام، تظهر إحدى العاملات، والتى تدعي، «رقية عثمان»، شابة فى منتصف العشرينيات، ذات ملامح مصرية، خمرية اللون ذات شعر «مفلفل» يغطى منتصفه قطعة قماش وتسمى «القمطة»، وبدأت بوصف مراحل الاستحمام، قائلة: إن أفضل طريقة للاستفادة من الحمام، هى إنكى تبدئى بدش مياه ساقعة لمدة دقيقتين أو ثلاث، وبعد كده تخلصى وتروحى على أوضة البخار، وتفضلى فيها لمدة 5 دقائق، وتطلعى من أوضة البخار تروحى لحاجة زى مغطس صغير فيه مياه ساقعة، لمدة 5 دقائق برضه، ومنه تطلع على مغطس تانى فى مياه ساخنة جدًا، لنفس المدة، وتكرر العملية دى من 3 ل4 مرات. «دوام الحال من المحال»، طالت هذه الحمامات بوجه عام، ما طال تراثنا، الكثير من التغيير، حيث اختلف الحال اليوم كثيرًا عن ما سبق، وذلك لمحاولته فى أن ينافس وبشدة «البيوتى سنتر» أو بيوت التجميل؛ ليكون كالرقص على السلم، لا ظل حماماً كما كان، ولا لحق بيوت التجميل المتقدمة، لكنه يبقى مجتمعًا لتجمع الرجال، ولثرثرة النساء وحكاياتهن اليومية ب«الفوط البيضاء»، ليفرغن شكواهن عن حالهم، فضلًا عن دوره الآخر، فى استقبال العريس والعروس، فى حفلات الزفاف، للخروج منهم ك«الملائكة». ولكن السؤال هنا، قبل التفكير فى الدخول لمثل هذه الحمامات والتجرد من معظم ملابسك، هل من الممكن أن تشعر براحة فى الجسد، هل هذه الأسعار القليلة والتى تتراوح ما بين ال70 جنيهًا إلى 150 جنيهًا، من الممكن أن تغير من ذهنية الرجل وتجردها من التفكير وإيصالها إلى حالة الانتعاش والاستجمام، كما ستحقق للنساء النظافة الكاملة التى لطالما بحثن عنها فى مراكز التجميل ذات الأسعار الباهظة، وهل ستظل تلك الحمامات مع ذروة تطور ال«بيوتى سنتر» متواجدة، أم ستمحى وتتحول إلى أماكن أثرية، مثلما حدث لمثيلتها من الحمامات القديمة، وسيظل وجودها فى الكتب التاريخية فقط؟