مشهد أول: اتصال ما بعد منتصف الليل، قاربت الساعة عقاربها على الثالثة والنصف من صباح اليوم، أمسكت الهاتف لأجيب على المتصل، بدا الاسم واضحًا رغم خلعى لنظارتى الطبية، شريف أنور حيث الصوت هذه المرة غير مفعم بنشوة لقاء وزير أو محافظ أو مسئول بالبلاد، كان الصوت مشروخًا بالحزن، لنبرة الحزن إيقاع يصل للقلب بلا مقدمات، خارجًا من جوف المتحدث، حدثنى شريف بنبرة متقطعة، أخبرنى بحزنه لعلمه بوفاة صديق له من الطفولة، لم يكد يسترسل حتى غلب البكاء صوته، لم أره يبكى إلا فى مشهد جنازة والده وواقعة مواراة الجسد فى التراب، بدا أنه لا يريد إكمال المحادثة وود أن ينفرد بذاته مغلقًا هاتفه على جواب بفعل الصمت منى، حيث مهابة الموت، حضورها الطاغى الذى يكتم الأفواه ويعقد الألسنة. مثل شريف أنور لا يبكى إلا فى مواقف اعتصار الروح، وتكشف حقائق لا يمكن للنفس البشرية التحكم فى ثباتها الانفعالى، كونه رجلًا التحق بالملعب السياسى، هذا الملعب الذى أشبه بحلقات السيرك، حيث يروض الرجل الأسد، وهناك من يتلاعب بالثعابين وآخر يراقص القرود ونصفق جميعًا للذى يسير على الحبال ولا يقع، هذه سمة ذلك الملعب وذلك هو قانونه، لكنه فى هذا الاتصال تملك الحزن صوته وكأنما تدارك حقيقة أعاد على روحه فهمها وتأملها. أن الكل تراب. والكل إلى زوال. مشهد ثان: منذ قرابة شهرين ونصف، جاءنى الاتصال، دومًا تكون الأحداث مربوطة باتصال هاتفى يحمل ذلك الخبر الوافد على السمع، الاتصال كان هذه المرة يحمل خبر وفاة الحاج مصطفى أنور، ألح عليا أثناء مخاطبة محدثى وجهه الأبيض واستسلامه لقدر الله وقت مرضه، زرته قبل الرحيل، قبلت يده ورأسه ثم مضيت، وبقيت معى ابتسامته وجملته التى كان يرددها: «الحمد لله على كل شىء». وقتها أدركت معنى آخر للذات الإنسانية، حيث تكشف لى شريف آخر، النجل الأكبر للرجل الذى سيوارى جسده التراب، ملامح شبه مبعثرة، وعين شديدة الحمرة من أثر البكاء، التقيته عند مسجد عوارة، احتضنته وكان شبه مغيب عن الحضور، يرافقه هيثم زغلول الذى أحسده على ثباته وصلابته، كان يتعامل مع الأمر بمنطق الجراح أثناء العملية الجراحية، ملامح صلدة، وانفعالات شديدة الاتزان، كان الموقف بحاجة إلى رجل بمثل هذه الشخصية التى استشعرت فيها جبلًا من التبلد، لم يفلح صديق عمره إسلام الصناديلى من اختراق الموقف أو شد شريف من دائرة التوهة والغياب، حمل الجميع النعش، للموت والليل مهابة من نوع مختلف، نمر على شواهد القبور، كشافات الإضاءة تنير نتفًا من المكان فتظهر الأسماء مطموسة تحت جبروت الليل ومهابة الموت، ولا يزال شريف داخل دائرة التيه، دلفنا وتعرجنا مع شقوق الشوارع الضيقة داخل المقابر، تحرك أقدام الرجال ثبات المكان وسكونه، ويكسو الجميع صمت يبدده صوت رجل من وسط حملة النعش: «وحدوه» فيردد جمع الرجال: «لا إله إلا الله». حط الرجال النعش على الأرض، انهارت باقى القوة فى الكائن الآدمى الذى يحمل أمانة الروح، خرج شريف من دائرة التيه والغياب إلى دائرة الحقيقة الأبدية، انفجر فى البكاء كطفل، يمسك بثوب الأب لحظة زحام مخافة التوهة، بكى بحرقة هزت جمع الرجال، تمسك فى الجسد الذى يبحث عن مثواه فى التراب، طلب من الجمع أن يهبط مع أبيه، حيث المستقر الأبدى، قال الدفان: أستاذ شريف وأستاذ شهاب سينزلان معى فقط، بينما كان هيثم ذلك الجبل الإنسانى الصلب واقفًا على الحافة يرقب الجميع ويزيح الصخرة فى همة كأنما تربى على دفن الموتى، خرج شريف من جوف الأرض، مغبراً، وقد بانت حمرة العين، أزاح الرجل التراب وقد أسدله، معلنًا غلق المشهد وبناء الساتر بين أهل الدنيا وأهل ذلك البرزخ. مشهد ثالث: أقيم العزاء، وجه الدنيا يعود من جديد، البهرج والزخرف والزينة وتفاخر الأنساب والأموال، صوت المرتل يتلو القرآن مع إضاءة المصابيح، رجال فى زى رسمى أنيق، ورابطات عنق، صافحوا الحضور، هذه المرة استحوذ على روحى مشهد شهاب، الابن الأصغر، واقفًا حاضرًا لكنه مغيب بالكلية، عينه مثبتة فى الفراغ، يصافح القادمين بشكل آلى، كأنما لا يرى أحداً، يقف ويجلس، دون إعارة اهتمام لتفاصيل المشهد، عينه مثبتة فى الفراغ، استشعاره اليتم، أحسست هذا فى عينه، اليتيم الكبير، انكسارة الروح، تملك الوحدة على الجسد الآدمى، بحثه عن العم مصطفى رحمه الله، أمنيته لوقت من الزمن بعودة الأب، عناقه، تنسم ريحه فتسرى الطمأنينة بالفؤاد، تساؤله الصامت بثبات حركة العين، تنقيبه فى الحضور عن وجه أبيه، بدا هشاً، رقيقًا إلى درجة أوجعتنى، كان بحاجة ماسة لعناق ذلك الراحل، أشد لحظات الحزن هى لحظة تحجر العين وتوقفها عن البكاء. شهاب بعينه ووقفته وغيابه وحضوره، جلسته مستغرقًا فى النظر للفراغ، مصافحته الآلية. كانت التجربة، استكمال الحياة وحيدًا من غير أب، استشعار الوحدة والغياب والتيه، وقتها فقط كان بحاجة إلى عناق أخيه، والبكاء فى صمت، التشبث بفرع الشجرة الخارج من الجذر، حيث الجذر مدفون فى التراب. فات على الوفاة قرابة الشهرين، أول أيام العيد، حيث المكان هذه المرة المستقر للعم مصطفى، شريف وشهاب بصحبة الأم والأخت، استشعرت رغبة أن أقوم بزيارة الراحلين، قادتنى الخطى لضريح العم مصطفى، كان شهاب هذه المرة متماسكًا بنصف قوة، بينما أحس شريف بمسئولية قيادة السفينة، قطع مشهد الصمت رجل يرتدى بنطالًا شمره لما تحت الركبة بقليل، كان يتحدث بصوت مرتفع كأنما بصوته يزعج سكان المكان، ظل يثرثر عن كيفية إعمار وإعادة سقف المقبرة وتهيئتها، بدا من صوته أنه يود أن يتاجر بالموت، وأن مهنته هى إعمار بيوت الموتى بالثرثرة التى هزت الصمت وكسرته، جموع من النسوة متشحات بالسواد بصحبة الاطفال، يسقين أشجار الصبار، توزع فتاة قرص السمسم رحمة ونور على أرواح الراحلين. على المصطبة الرخام جاورنى شريف، سألته عن أخبار مستقبله السياسى، كان واجمًا صامتاً، وجدته يحول نظره لى، قال: «إحنا فى كدبة كبيرة يا رامى.. الحقيقة الوحيدة هى حقيقة ما نحن فيه الآن، خارج هذا المكان هناك قانون مزيف يحكم الناس، قانون المصلحة، الحقيقة الوحيدة تكشفت لى عندما نزلت لأودع أبى لمثواه، حيث يستقر الجسد على التراب، بلا مسند رأس، وحيدًا هنا بلا منصب أو مال أو حلم عضوية مجلس شعب أو نفوذ أو سلطة... هذه هى الحقيقة الوحيدة الملموسة والمرئية والمادية، لكن للأسف نحن نتغافلها»... وفد رجل فى العقد الخامس من عمره، جلس على الأرض، رتل آيات من سورة الرحمن، تملكنى دفء حروف الكلمات، معلنًا حقيقة وحيدة واحدة «كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».