طريق وممرات ملتوية ومتعرجة، ضجيج وصخب يسكن كل زوايا المكان، وبقايا أحجار و"رتش" تعرقل حركتك وتراب متناثر بالهواء، فعلى طريق الأوتوستراد بالقرب من حي المعادي، تقع المنطقة الصناعية "شق التعبان"، والذي يختلف غلافها الجوي عن باقي المناطق المجاورة فهو محاط بالأتربة البيضاء وكأنها بداخل بلون معبأ بالغبار. وبمرورك داخل المنطقة وعلى بعد خطوات يزداد صوت الضجيج ويلفت انتباهك رخام وجرانيت ألوان وأحجام مختلفة متراصة جنبًا إلى جنب، وأبنية ضخمة ومعلق بها تروس كبيرة تستخدم في تقطيع الاحجار القادمة من المحاجر، بجانب المصانع والورش الموجودة بالمنطقة والعديد من الماكينات الضخمة الخاصة بتلميع وتقطيع الرخام والجرانيت وغيرها. ويطلق العمال بالمنطقة الذين رفض اغلبهم التسجيل مع الصحافة حفاظُا على استمرار تواجدهم بالعمل، على المنطقة اسم "الجبل" وهي المنطقة العلوية بشق التعبان وتحتوي على العديد من الورش والمصانع للرخام والجرانيت. ويعاني العاملون بالمنطقة الصناعية"شق التعبان"، من انعدام المرافق، التي تعيق الصناعة بجانب مشكلات العمال فهم مهددون بإصابات بالغة الخطورة من بتر أطرافهم، أو العجز بجانب الأمراض المزمنة ولا يمتلك تأمينا يحميه أو عائدا يعينه، فضلًا عن أصحاب العمل الذين يحاولون الصمود أمام تفحش الأسعار وقدوم الصينين وغيرهم ممن أغلقت مصانعه وورشه وشرد عماله. "الركود في العمل وضعف الإنتاج وقلة التصدير وعدم القدرة على المنافسة" جميعها عوامل أصابت قطاع الرخام والجرانيت بمصر بالشلل التام، والتي أوضحها مصطفى الحلواني صاحب محجر للرخام والجرانيت، وصف حالهم كأصحاب عمل. وأرجع الحلواني، السبب وراء ذلك لغلاء الأسعار، التي تسببت في رفع سعر تكلفة المنتج المصري فأصبح غير قادر على منافسة قرينه الصيني والعماني. وأشار، إلى أن كل ما يخدم صناعة الرخام وتجهيزه يتم استيراده بالدولار، ما أدى لرفع سعر التكلفة بصورة مرتفعة، فضلًا عن إرتفاع شريحة الكهرباء، وشرائهم للمياه اللازمة للماكينات، كلها أسباب ترفع سعر الرخام المصري بمقابل وجود بديل من دول أخرى بسعر منخفض، وفي المقابل يتم التصدير بالجنيه المصري الذي قل قيمته بصورة كبيرة. وأضاف أنهم يعانوا أيضا من مشكلة الكارتة التي تزداد يوم تلو الأخر، موضحًا أنه كان يدفع 600 جنيه تقريبا اصبح يدفع 1200 عند مرور سيارته بالبضاعة. واعرب الحلواني عن استيائه، من الحديث عن تلك المشكلات التى باتت من سنين يتحدثون عنها ويطالبون بحلها بلا جدوى، مشيرًا إلى أن المنطقة معدومة المرافق، وأصحاب المصانع والمحاجر يحاولوا توفيرها بجهودهم الذاتية. وطالب صاحب المحجر، أن تنظر لهم الدولة باهتمام باعتبارهم عامل أساسي لتحسين الأقتصاد المصري، مشددًا أن الرخام المصري جودته جيدة وقادرة على المنافسة بشدة ولكن يحتاج لإزالة تلك المعوقات. وأكد الحلواني، أن هناك الكثير من الورش والمعارض والمصانع تم غلقها عقب بركان الغلاء الذي أصاب البلاد، مما إدى إلى تشريد الاف العمال، معتبرًا أن فئة العمال اضعف طبقة ولا تجد من يهتم بها ويؤمن لها حياة كريمة، منوهًا بأن يومية العامل مع الغلاء اليومي للسلع تجعله غير قادر على سد احتياجاته. وعن دخول الصينيين في مجال الرخام بشق التعبان قال الحلواني، أنهم أثروا بشكل سلبي عليهم لأنهم يستوردون ما يحتاجوه من بلادهم بسعر أرخص وبالتالي تكلفتهم أقل، قائلًا:"لو بيخسروا مش هيستمروا، حتى العمال بقوا صيني تلاقي 10 عمال صيني بالمصنع وخمسة مصري بس يعني العمالة المصرية مش لاقية شغل". واتفق معه أيمن قاسم، صاحب مصنع ومعرض للرخام والجرانيت بشق التعبان، أن الصينين أصبح عددهم كبير جدًا بالمنطقة وتعمقوا في هذا المجال، ويحصلوا على مميزات من بلدهم ومن مصر تختلف عن المصري، مما يجعل الدول تفضل منتجه الأرخص عن المصري. "مفيش فايدة اتكلمنا كتير اوي مع المسئولين ولا حياة لمن تنادي احنا بنشتري بمبالغ باهظة مياه الشرب وغيرها اللازم للماكينات" هكذا قال قاسم عن مشاكل المنطقة. وأكد قاسم أن من أبشع الأزمات فقر المنطقة من الإمكانيات الصحية قائلًا: "لو عامل حصله حادث اثناء العمل عقبال ما بننقله للطريق بيكون مات او تضرر اكتر وده حصل كتير، عندنا وحدة اسعاف فوق لكن بلا امكانيات نهائيًا يعني ملهاش لازمة". وعبر صاحب مصنع الرخام عن غضبه من تعامل الدولة مع المستثمر الأجنبي بصورة أفضل من المستثمر المصري، فتوفر للأول الامكانيات من كهرباء بسعر أقل ومكان متاح للعمل وتسهيل في الأجراءات بعكس "ابن البلد اللي بيطلع عينه"على حد وصفه. وعن حال العمال، أكد قاسم، أنه كصاحب عمل مهدد في ظل تلك الظروف المضطربة بالأغلاق وعدم الاستمرار وإهمال الدولة له فكيف يستطيع أن يوفر للعامل تأمينا وغيره، موضحًا أن أغلب العمال ليس لديهم تأمين لسوء حال المنطقة واصحاب العمل بها. معدل قوة العمالة بشق التعبان 80 ألف شخص تقريبًا، يقبلون من جميع المحافظات للعمل بشق التعبان، ويومية العامل تتراوح حوالي بين 100 ل130 جنيها، حسبما قاله "قاسم" عن نسبة العمالة وحال العمال بشق التعبان. واستاء صاحب المصنع، من خروج مصر من التصنيف العالمي لصناعة الرخام بعد أن كانت المركز الثالث على مستوى العالم في صناعته، لتحتل مكانها دولة عمان، قائلًا:"إحنا لو اهتمينا بالصناعة شوية هنوفر فرص عمل كتير خصوصا اننا بنصنع الرخام ومش بنصدره خام لتحقيق مكسب وعمالة اكتر، بجانب الدخل العائد على البلد وانتعاش الصناعة في مصر". وأضاف أبو الخير محمد، 54 عاما، احد العاملين بتقطيع الرخام بالمنطقة، أنه لا يملك تأمينا عليه بجانب أن يوميته 100 جنيه تقريبًا، ومهما كانت فهي لا تسد احتياجاته وأسرته في ظل غلاء الأسعار. وعن إصابة العمال بالأمراض الصدرية والجهاز التنفسي بسبب الأتربة والغبار بالمنطقة قال: "سبها على الله مفيش في ايدي حاجة وانا الحمدلله بشتغل في الماكينات اللي بتستخدم المايه بعيد عن الصاروخ اللي بيقطع والتراب بيجي منه، بس هنعمل ايه يعني مفيش شغل غيره ادامي ومفيش شغل اصلا في البلد كتير يعني واحنا عندنا عيال". واستوقفتني كلمة أحد اصحاب العمل أثناء الحديث الجانبي بأن العمال هنا مهددون ليس لهم ضمان فمن يصاب أو يعجز يفقد عمله ورزقه ولا أحد يهتم به. أكد طه عبد الحميد، استاذ الصدر والحساسية طب الأزهر، أن عمال الرخام والجرانيت عرضة لأنواع مختلفة من الحساسية والأزمات الربوية والتهابات الجهاز التنفسي العلوي والنزلات الشعبية الحادة والمزمنة وأخيرا تحجر الرئتين. وأوضح عبد الحميد، أنه يمكن اكتشاف ذلك خلال 3 سنوات، مشيرًا أنه يتسرب الأتربة للرئة ويؤدي لارتفاع ضغط الشريان الرئوي وهبوط حاد في عضلة القلب، وقد يسبب الوفاة. ونصح استاذ طب الصدر والحساسية، بجامعة الأزهر، أن العامل لابد أن يرتدي "ماسك وقائي" لمنع استنشاق الأتربة ولتقلل نسبة الإصابة، بجانب ضرورة الفحص الدوري وإجراء أشعة كل فترة قصيرة على الجهاز التنفسي. وحذر الطبيب، كل عامل من الإصابة بمرض مبدئي عليه أن يترك تلك المهنة نهائيًا، حتى لا توذي بحياته. شاهد الفيديو...