فرانس برس: ارتفاع سعر خام "برنت" بأكثر من 5% وسط مخاوف جديدة تتعلق بالإمدادات من الشرق الأوسط    الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير 5 مسيرات في منطقتي الرياض والشرقية    وزارة الداخلية البحرينية: إطلاق صافرات الإنذار    الجبهة الداخلية الإسرائيلية: نرصد هجومًا صاروخيًا إيرانيًا وشيكًا ضد المناطق الوسطى    ماكرون يقترح هدنة في الضربات على البنى المدنية خاصة في مجال الطاقة    قرقاش: الحرب مع إيران تعزز روابط الخليج بالولايات المتحدة وإسرائيل    إسرائيل تتعرض لهجات صاروخية عنقودية إيرانية وسقوط رؤوس متفجرة في عدة مناطق    رسميا، يويفا يحدد مواعيد ربع نهائي دوري أبطال أوروبا 2026    تعرف على المتأهلين إلى نصف نهائي كأس مصر للسيدات لكرة السلة    محافظ سوهاج يبحث مع نقيب المحامين سبل التعاون    اللقطات الأولى لحريق محل أسماك الطالبية بالجيزة وامتداده إلى 6 محال تجارية أخرى (فيديو)    ضبط تشكيل عصابى للاستيلاء على أموال المواطنين على تطبيق المراهنات "XBET1"    مياه سيناء: رفع درجة الاستعداد القصوى لاستقبال عيد الفطر    وننسي اللي كان الحلقة 29، جليلة تشترط على بدر كسب مباراة الملاكمة للزواج منه    أبطال وصناع فيلم إيجي بست يحتفلون بعرضه الخاص.. صور    «صحة القليوبية» تعلن حالة الطوارئ قبل عيد الفطر 2026    وكيل صحة سوهاج يتفقد مستشفى الحميات.. ويشيد بمستوى «العناية المركزة»    محافظ دمياط يرفع درجة الاستعداد القصوى استعدادا لعيد الفطر المبارك    حادث دراجة نارية ينهي حياة شاب بطريق المريوطية في أبو النمرس    شباب بلوزداد يستعد للمصري بالفوز على اوليمبي الشلف بهدفين لهدف    هيثم عرفة يشيد بحملة دعم السياحة واستمرار رحلات الشارتر رغم التوترات    تامر أفندى يكتب: المحبة في حرف    مصدر أمني ينفي ادعاءات «الإخوان» بشأن الأوضاع الصحية لنزلاء مراكز الإصلاح    نيابة السلوم تقرر عرض جثة رضيعة على مصلحة الطب الشرعي لبيان أسباب الوفاة    مواجهات نارية في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا ومواعيد المباريات    لا يزال أكثر من 19 صحفياً محبوسين احتياطياً .. إطلاق سراح محمد أوكسجين بعد 6سنوات من الحبس    محافظ الإسكندرية يتابع التجهيزات النهائية لاستقبال عيد الفطر المبارك    «يا ليلة العيد آنستينا».. عندما ألهم "بائع متجول" كوكب الشرق    ملتقى الأزهر بعد صلاة التراويح يناقش آداب العيد في الإسلام    محمد مختار يتراجع عن أفكار سردها في كتابه بعد ثلاثين عاما و 3 طبعات .. الأوضاع الاجتماعية للرقيق في مصر 642 م – 1924 م    أماكن صلاة عيد الفطر في الإسكندرية 2026.. تجهيز 612 ساحة لاستقبال المصلين    وزير الخارجية السعودي يدعو لوقف التصعيد والعودة للمسار الدبلوماسي    إيكتيكي: صلاح أسطورة.. أتيحت له فرص عديدة ولكن    جومانا مراد سفيرة ل أوتيزم مصر لدعم ذوي التوحد بعد نجاح مسلسل اللون الأزرق    الكنيسة أولًا | نيكول كيدمان تبدأ يوم الأوسكار بالصلاة.. طقوس صباحية تمنحها الاتزان    البوسعيدى: الولايات المتحدة فقدت السيطرة على سياستها الخارجية    بعد التراويح.. لقاءات مباشرة بين محافظ الأقصر والمواطنين في أجواء رمضانيةl صور    دعاء ليلة رمضان التاسعة والعشرين مستوحى من آيات القرآن الكريم.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    سوبوسلاي: مقارنتي بجيرارد شرف كبير.. وباريس سان جيرمان خصم قوي للغاية    رابطة التجار: زيادات مرتقبة بأسعار السيارات بعد العيد    مواجهات نارية في ربع نهائي الأبطال.. بايرن يصطدم بالريال وليفربول يتحدى باريس    فى أحضان الأهرامات.. أهالى نزلة السمان ينظمون إفطارا جماعيا مبهرا (صور)    الأنبا إقلاديوس يزور مدير أمن الأقصر لتقديم تهانئ عيد الفطر    بعد قرار الفيدرالي الأمريكي.. هبوط سعر الذهب والأوقية تتكبد خسائر تتجاوز 180 دولار    محمد فودة يكتب : القيادة السياسية تعيد رسم مستقبل التعليم العالي في مصر    محمد الفقي يكتب: "بوسه من بوقه" يا سيادة النائب    الأنبا نوفير والأنبا مرقس يهنئان قيادات القليوبية بعيد الفطر المبارك    مسلسل النص التانى الحلقة 14.. أحمد أمين يتعرض لأزمة صحية خطيرة وحمزة العيلى يقف بجواره.. والنص يطلب منه تنفيذ حيلة للهروب.. والدكتور جودت ينقذه من سم الضفدع والموت.. وشطا عمل فضيحة لأحمد أمين فى قلب الحارة    إضراب 2400 من أخصائيي الصحة النفسية في الولايات المتحدة بسبب مخاوف من الذكاء الاصطناعي    10 أهداف ذهابا وإيابا.. بايرن ميونخ لربع نهائي الأبطال على حساب أتالانتا    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يحيون الليلة التاسعة والعشرين من رمضان في المساجد الكبرى    في ليلة تألق صلاح.. ليفربول يكتسح جالاتا سراي ويتأهل لربع نهائي الأبطال    نائب رئيس إيجاس: جارى الإسراع بتنفيذ برنامج مسح سيزمى متقدم بالمتوسط    محافظ الدقهلية يتابع حملات إزالة التعديات ومخالفات البناء في مراكز المحافظة    انطلاق فعاليات مسابقة الأصوات المتميزة في تلاوة القرآن الكريم بجنوب سيناء    محافظ أسوان: توزيع بعض أعمال السمبوزيوم ضمن منظومة التطوير والتجميل    قصر العيني يحيي ذكرى مرور 199 عاما على إنشائه ويستعد لليوبيل المئوي الثاني    نصائح "الصحة" للوقاية من تداعيات التقلبات الجوية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نجيب محفوظ بلاد النور والعجائب
نشر في الوفد يوم 13 - 12 - 2011

عندما كتب الدكتور شكري عياد عبارة «أنسنة الدين» كان يقصد بها تحويل عباءة الروحانيات والأساطير الى مدلولات بشرية تقترب من العالم المادي الذي نعيشه ونحياه، وهذا الاتجاه القديم هو اتجاه حداثي فمنذ الاغريق وبدايات المسرح العالمي نجد أن الفن حاول تصوير القوى الطبيعية
من رياح وحروب وخصوبة وموت وجمال في صور إلهية لها صفات الألوهية والبشرية في آن واحد، وكان هذا بداية عالم الاسطورة السحري والمسرح، إذاً فالعالم الروحاني عالم يوحي بالأسرار والغموض وهو يحمل بداخله عوالم عدة تحفز المبدع على إسبار أغوارها وفك طلاسمها والدخول الى غياهب جوانحها.
وحين كتب نجيب محفوظ رواية «أولاد حارتنا» في سلسلة صحيفة الأهرام عام 1959 ثم نشرت عام 1962 قامت الدنيا ولم تقعد حتى يومنا هذا، انبرى مجموعة من رجال الدين والأزهر على رأسهم الدكتور الجليل محمد الغزالي ورفض نشر الرواية في مصر.
وإذا كان العديد من رجال الدين وبعض النقاد يرى أن الرواية رواية دينية تمس العقيدة وتتعرض للملحمة الكونية منذ بدء الخليقة وخلق آدم والصراع بينه وبين إبليس ثم قصة الخروج من الجنة وقابيل وهابيل ثم بعثة سيدنا موسى وعيسى ومحمد عليه وعليهما السلام فإن القارئ المتأني الواعي الدارس عليه ألا ينخدع بالتفسير السطحي والرمزي المباشر لهذا العمل، فالرواية في اطارها الأدبي رواية تحتمل «التأويل» و«ليس التفسير»، والتأويل هنا هو الدور الذي يلعبه القارئ تجاه النص، فكل قارئ يستطيع أن يؤول النص ويفرض عليه دلالات ومدلولات تناسب الزمان والمكان وحالة التلقي ذاته.
فالرواية حين تتعرض للملحمة الكونية وتتخذ أسماء وشخوصاً تقترب من الرسل أو من الذات الإلهية فإنها مجرد أطروحة فنية ومحاولة أدبية لفك شفرات الوجود والكينونة والبشرية، ولكن محفوظ لم يكن يعني المباشرة الشديدة الرمز حين ذكر «الجبلاوي» فتصور الجميع أنه يقصد الله عز وجل، لأنه بكل بساطة يجعله بشراً يموت في نهاية الرواية.
وهذا أمر لا يقبله عقل بشري قاصر على الوصول الى الحقيقة المطلقة، ومن ثم فإن جميع شخوص الرواية مجرد شخصيات خيالية رسمها الكاتب في عالمه الأبي وحاكها وبعث فيها الروح الأدبية لتعبر عن رؤيته الفلسفة في القضايا الجدلية عن الحق والعدل والخير والحب في مقابل الظلم والقهر والشر والكراهية فكانت الشخصيات ترمز الى حقب زمنية وإلى معانٍ روحانية وتستلهم المقدسات في تداعي فلسفي يحتمل الشك واليقين ولكنه أبداً لا يفقد بوصلة الإيمان.
إذاً الرواية في بنائها الأدبي سرد قصصي يحوي الحكايات المتناثرة ذات الأحداث المتتالية والشخوص المتفردة في تواجدها وتصورها فليست الشخصيات هي ذاتها انعكاساً لمرآة الرسل والأنبياء لأن التركيبة الشخصية والنفسية والعقلية مختلفة عن الحقيقة الدينية التي ذكرتها الكتب السماوية ولأن الاحداث ليست متطابقة مع ما ذكر في القرآن لتنصهر في العمل الادبي ولتسهم في رسم الحدود الجغرافية والتاريخية لتلك الشخصيات الاسطورية الملمح الروحانية الرمز، الفنية البناء، الفردية الوجود من همام وقابيل وأميمة وهند وجبل ورفاعة الى قاسم وعرفة وعواطف وحنش وإدريس وقنديل والجبلاوي، إذ إن المدخل النقدي لهذا العمل الادبي يعتمد على التناول الفني لموضوع استلهم بعض شخوصه وأحداثه من نصوص دينية بالأخص القرآن الكريم.
ولأن العمل الفني غايته الارتقاء والسمو بالمشاعر والفكر والوجدان وهدفه الأسمى أن تحيا البشرية في عالم أكثر إنسانية حيث الإخاء والمحبة والسعادة وحيث العدل والحق والقوة المشروعة من أجل الحب والسلام والمساواة فإن هذا العمل ينتهي نهاية إيمانية تدعو الى العقيدة الراسخة والايمان وتثبيت الايمان في العقول والقلوب معاً، فحين يموت الجبلاوي بعد مؤامرة عرفة وعواطف يحدث الخلل الكوني في الحارة ويكون الجميع في توجس ولا يكون إلا الموت بديلاً عن الحياة الى أن يدعو الراوي الى «لابد أن يكون للظلم من آخر، والليل من نهار ولترين في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب».
هنا على المتلقي أن يقرأ أعمال محفوظ الروائية في ثوبها الفني والأدبي كدعوة الى إعمال العقل والتفكير في الانسانية والوجود ونبذ الطغيان والعنف والبحث عن الحب والسعادة والنور، فلا نعرف لهما من مصير محتوم.. حتي أعمال محفوظ التي تصور جوانب من المجتمع المصري وبعض سلبياته فهي في قالبها الفني هرم ملحمي تتسلل بداخله روائح التاريخ الانساني وتعطره أسرار الوجود وبدايات الصراع البشري على الأرض والتي يكتنفها الطغيان السياسي والتسلط ويجتاحها في الكثير من الأحيان الظلم والفساد الى أن تخرج طاقات البشر ورسالات الحق والخير والعدل والمحبة والإخاء وتنشر الإيمان والسلام والجمال والنور الإلهي. إن قضية المنع أو الاتهام بالكفر لكاتبنا العالمي نجيب محفوظ هي نوع من الارهاب الفكري الذي يعود بالبشرية الى عصور الظلام ومحاكم التفتيش فابداع محفوظ وغيره من المبدعين لا يزدري الدين ولا يحض على الفجور والفسق ولكن الإبداع هو دعوة الى الايمان ومن ثم الى الإنسانية، فلماذا ذلك الجدل ولماذا هذا المنع والقهر.. فمتى نرى بلاد النور والعجائب التي يدعو إليها كل مبدع حقيقي.
د. عزة أحمد هيكل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.