تطورت الثورة السورية تدريجياً في العام ونصف العام الماضيين من عمرها من أزمة حكم داخلية مستعصية، إلى أزمة إقليمية، ومن ثم إلى أزمة دولية لا تقل استعصاء. خلال الأسابيع القليلة الأخيرة، أصبحت سورية واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية التي عرفها العالم منذ مطلع هذا القرن. ولا حتى في ذروة الصراع الطائفي في العراق، سجلت هذه الأعداد اليومية من القتلى، بعد أن تراجعت مقاربة المجموعة السورية الحاكمة من سياسة القتل وادعاءات الإصلاح، إلى مجرد إعمال آلة القتل على أوسع نطاق ممكن، وبأقل قدر من التحفظ، وباستخدام كل وسائل الحرب. كان قطاع صغير من السوريين، وبعض العرب، قد دعا، منذ تصاعدت أرقام الضحايا في صيف العام الماضي، إلى تدخل دولي، سواء بإقامة منطقة عازلة، حظر جوي، أو حتى بتدخل أوسع نطاقاً. ما دفع هؤلاء إلى دعوة التدخل كان تقديرهم المبكر بأن المجموعة السورية الحاكمة لن تتخلى عن السلطة إلا بالقوة، وأن الشعب السوري لا يملك من أدوات القوة المادية ما يمكنه خوض حرب ضد النظام وآلته العسكرية والأمنية. وما دفعهم كذلك، كان التدخل الدولي في ليبيا، الذي أفضى في النهاية، إلى سقوط الطاغية الليبي وحكمه. عدد كبير منا، بمن في ذلك كاتب هذه السطور، ظن في البداية أن الحركة الشعبية ستكون كافية لإحداث التغيير السياسي في سورية، سيما إن اتسع نطاق التظاهرات إلى المدينتين الكبريين: حلب ودمشق. مصدر هذا الظن كان ظناً آخر بأن نظام الحكم السوري، ومهما كان سجله في القمع الدموي، لا يفتقد كلية إلى العقلانية. وليس ثمة نظام يتمتع بقدر مهما كان ضئيلاً من العقلانية يمكنه الصمود في مواجهة حركة شعبية وطنية كاسحة وطويلة النفس، تطالب بسقوطه وذهابه. الآن، لم يعد هناك مجال من الشك بأن هذا التقدير لم يكن صحيحاً. فهذا نظام لا يملك أية درجة من العقلانية، ولا يعرف من السياسة سوى السيطرة، مهما بلغت التكاليف وأعداد الضحايا، ولن يسقط إلا بقوة مكافئة للقوة التي يملكها. الذين خلصوا إلى هذا التقدير لطبيعة المجموعة الحاكمة من البداية كانوا على حق. وربما كان هذا ما دفع الشعب السوري، بوعي وتقدير جمعي، ولدتهما وقائع الثورة وأحداثها، إلى التسلح منذ منتصف الصيف الماضي. ولكن الاعتقاد بأن هذه المعركة، بالغة الدموية والوحشية والألم، يمكن أن تنتهي بتدخل أجنبي، أو أنها لابد أن تستدعي تدخلاً أجنبياً، هو على الأرجح إعتقاد غير صحيح. في ضوء الانقسام الدولي الحاد في الموقف من الثورة السورية، يبدو أن التدخل الدولي الوحيد الممكن هو تدخل القوى الغربية، بمساعدة ربما من بعض الدولة العربية وتركيا. وما يعنيه التدخل الغربي، في الحقيقة، ليس إلا التدخل الأميركي. ليس ثمة دولة غربية أو غير غربية تمتلك القدرة على نشر القوة المسلحة حول العالم إلا الولاياتالمتحدة. وبالرغم من أن التدخل الخارجي في ليبيا ضم قوى أوروبية رئيسية، فإن العبء العسكري الأكبر وقع على كاهل الولاياتالمتحدة. ولكن التدخل الأميركي في ليبيا كان استثناء وليس أصلاً. توفر للتدخل الغربي في ليبيا غطاء من مجلس الأمن الدولي، ساهم في إنجازه المندوب الليبي في الأممالمتحدة، الذي انشق على النظام بدون أن يعلن انشقاقه، وتوفر غطاء عربي من الجامعة العربية. لكن الأهم، أن هذا التدخل خطط له بتفاهم قطري فرنسي، سرعان ما التحقت به دول أوروبية أخرى، استشعرت الخطر من تدهور الوضع الليبي وتحول ليبيا، التي تطل على المتوسط بساحل طويل، لا يمكن حراسته، إلى مركز للهجرات الأفريقية إلى أوروبا وللقوى الإسلامية الراديكالية المسلحة. كانت الولاياتالمتحدة الطرف الأكثر تردداً، ولم تلتحق بالعمليات العسكرية إلا بعد أن بدأت بالفعل، وبدا، على أية حال، أنها جرت إلى العملية جراً. والواقع أنه حتى بعد سقوط نظام القذافي، وبالرغم من الاحتفال الشعبي الليبي الكبير بالحرية، لم تحاول إدارة أوباما أن تعلي كثيراً من الإنجاز الذي حققه التدخل الأميركي في ليبيا، كما هي عادة الإدارات الأميركية، ولا عولت على هذا الإنجاز بأي صورة ملموسة في الحملة الرئاسية الانتخابية. مثل هذا السلوك لا يوحي إلا برسالة واحدة: أن التدخل في ليبيا كان الاستثناء الذي لا يجب أن يفهم بأنه سياسة هذه الإدارة. مثل هذه السياسة لا تعني أن إدارة أوباما تعمل على إخراج الولاياتالمتحدة من الساحة الدولية، أو أننا بصدد حقبة من 'العزلة' الأميركية غير المعلنة. الولاياتالمتحدة في الحقيقة أكثر انشغالاً بالسياسة الدولية وبالوضع العالمي مما كانت في أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية، وإدارة أوباما، كما كل الإدرات الأميركية السابقة منذ روزفلت، تعمل على تعزيز الدور الأميركي في شؤون العالم وفي قيادة توجهاته وتقرير أزماته. ولكن مقاربة أوباما للسياسة الأميركية الخارجية تختلف عن إدارة سابقه، الرئيس جورج بوش الابن. ولا يتعلق هذا الاختلاف في طبيعة شخصيتي الرئيسين، أو في خلفية كل منهما السياسية، أو حتى في الحزبين اللذين جاء منهما بوش وأوباما للبيت الأبيض. يتعلق هذا الاختلاف بجدل قديم ومتكرر في الثقافة السياسية الأميركية وفي رؤية المؤسسة الحاكمة لدور الولاياتالمتحدة في العالم وكيفية مقاربتها لهذا الدور. نمت القوة الأميركية سريعاً منذ منتصف القرن التاسع عشر، بعد الدخول الأميركي المتأخر لعصر الصناعة الحديثة. ولكن ليس حتى ما قبل الحرب العالمية الأولى بقليل أن وصل التوسع الأمريكي في نصف الكرة الغربية إلى نهاياته، واطمأنت واشنطن لدورها المهيمن في القارتين الأميركيتين، وبدأت في تطوير رؤيتها الاستراتيجية للعالم، التي لم تتغير سوى في تفاصيل صغيرة بعد ذلك. يعتبر الحفاظ على موقع السيطرة الكاملة في نصف الكرة الغربي، وخلو القارتين الغربيتين من أي تهديد ملموس، الهدف الأولي للاستراتيجية الأمريكية، وهو الهدف الذي دفع الرئيس كينيدي إلى الذهاب إلى حافة الحرب النووية لمنع الاتحاد السوفياتي من موطىء قدم نووي في كوبا. لكن مشكلة أميركا كانت دائماً في كيفية التعامل مع نصف الكرة الشرقي. دخلت أميركا غمار الحرب العالمية الأولى للحفاظ على توازنات القوة في القارة الأوروبية ومنع قوة واحدة من السيطرة على القارة؛ وهو ذات الهدف الذي سيدفعها لخوض الحرب الثانية، إضافة إلى التهديد الياباني. بعد الانتصار في الحرب الأولى، عادت أميركا للانسحاب من الشأن العالمي في نصف الكرة الشرقي. ولكن، مع نهاية الحرب الثانية، كانت رؤية أمريكا لذاتها وللعالم، وطبيعة الطبقة الحاكمة وتقديرها للقوى الأوروبية الأخرى، وحجم القوة والمقدرات الأميركية، كلها قد تغيرت، وأخذ الأميركيون قرارهم بالبقاء في الساحة الدولية والعمل على قيادة الشأن العالمي، سيما بعد الإنجازات الكبيرة التي حققها الاتحاد السوفياتي في نهاية الحرب داخل القارة الأوروبية. السؤال الذي طالما ولد الكثير من الجدل في الدوائر السياسية الأمريكية يتعلق بكيفية تصرف الولاياتالمتحدة في نصف الكرة الشرقي، وبمقاربة أميركا للأزمات والمتغيرات المتلاحقة في نظام دولي يتسم بالتدافع المستمر ويفتقد إلى اليقين. هدف الحفاظ على المصالح الأميركية الحيوية ودور الولاياتالمتحدة القيادي لاتجاه المتغيرات الدولية لا يتغير. ولكن السؤال هو كيف، كيف يتم تحقيق هذا الهدف. ويمكن القول بصورة عامة أن الأمريكيين انقسموا إلى معسكرين رئيسيين في إجابتهم على هذا السؤال. يرى المعسكر الأول أن الولاياتالمتحدة لابد أن تسارع إلى التدخل المباشر لتحقيق أهدافها، وبالقوة المسلحة، كلما استدعت الظروف والتحديات ذلك، قبل أن تفضي الأزمات إلى وقوع متغيرات دائمة تضر بالمصالح الأمريكية وموقع أميركا ودورها. ويقدم أنصار وجهة النظر هذه أدلة متعددة على مصداقية هذا النهج، من التدخل الأميركي في الحربين الأولى والثانية، إلى التدخل في فيتنام، الذي وضع حداً للتوسع السوفياتي في شرق وجنوب شرق آسيا، بالرغم من تكاليف الحرب الفيتنامية وأثرها على الرأي العام. في جهة أخرى، يجادل أنصار المعسكر الثاني بأن السياسة الأفضل والأعظم مردوداً أن تترك الولاياتالمتحدة توازنات القوى المحلية والإقليمية لتأخذ مداها، ولا تتدخل إلا بصورة غير مباشرة، لتحسين وضع القوى الحليفة والصديقة. التدخل المباشر، مثل حروب كوريا وأفغانستان والعراق، يقول هؤلاء، يوفر فرصة وذريعة لتحالف الخصوم، يضر بصورة الولاياتالمتحدة في العالم، ويلقي على كاهل أمريكا باعباء عسكرية واقتصادية ثقيلة وباهظة. تبنت إدارة بوش الإبن وجهة نظر المعسكر الأول، بينما تتبنى إدارة أوباما وجهة النظر الثانية. هذا لا يعني أن إدارة أوباما ستمتنع كلية عن التدخل العسكر المباشر في الأزمات. تقوم سياسة أوباما، كما كانت سياسة كلينتون، على تجنب التدخل العسكري المباشر ما أمكن، وعدم الذهاب إلى الخيار العسكري إلا عند الضرورة القصوى وفي ظل شروط مواتية إلى حد كبير، تماماً كما كان الأمر في حرب الناتو ضد صربيا في عهد كلينتون، وفي الحرب الأخرى ضد نظام القذافي في العام الماضي. ليس هناك ثمة مشاعر خاصة لدى إدارة أوباما تجاه الشعبين الليبي أو السوري. هذه حسابات سياسية باردة، ومجردة من أية اعتبارات إنسانية. وربما ترى واشنطن أن الأزمة السورية تمضي لصالحها، على أية حال. فالتوازنات الإقليمية تفعل فعلها، والشعب السوري ماض في ثورته مهما كانت التكاليف، والخصوم في روسيا والصين وإيران وحزب الله، يتكبدون خسائر فادحة على صعيد علاقاتهم بالشعب السوري والشعوب العربية. من جهة أخرى، لا يجب أن يكون هناك ثمة شك في أن تجنب واشنطن التدخل المباشر سيصب في النهاية لصالح سورية ومستقبلها، مهما كان حجم التضحيات التي يقدمها الشعب السوري، منفرداً، من أجل حريته.