صحيح أن الأممالمتحدة تمكنت من ترحيل 35 ألفا من النازحين إلى مناطق تقع في عمق الأراضي التشادية، أملا في تجنيبهم غارات المليشيات المسلحة ومذابحها. غير أن هناك أعدادا أكبر من المواطنين المفزوعين المحاصرين بالموت والجوع، ممن يأملون في النجاة بجلودهم، والفرار من ميادين النزاع والحرب. وحتى هذه اللحظة، فإن العالم لم يفعل شيئا يذكر للحيلولة دون تفاقم هذه المأساة، بينما انشغلت الدول العربية وجامعتها بمجريات وتطورات الأوضاع في العراق، فالتزمت الصمت هي الأخرى. ومن المهم أن نقول إن النزاع الدائر الآن في غرب السودان، يختلف عن ذلك الذي ظل يمزق نصفه الجنوبي، على امتداد عدة عقود مضت. \r\n \r\n لكن وعلى رغم هذا الاختلاف، إلا أنه يرتبط به على نحو غير مباشر. ففي حالة النزاع الشمالي- الجنوبي بين حكومة عمر البشير من جانب، والجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون قرنق من جانب آخر، نجد ظلالا وأبعادا دينية له، إلى جانب العوامل الأخرى. فالمعروف عن الشمال أنه تسوده الديانة الإسلامية، بينما تسود الجزء الغالب من الجنوب المعتقدات الأرواحية، وتنتشر فيه المسيحية جزئيا كذلك. أما في دارفور فإن النزاع يكتسب طابعا مغايرا تماما، لكونه عرقيا في الأساس وليس دينياً. ففي الغرب كما في الخرطوم، تسود الديانة الإسلامية بين الطرفين المتنازعين، إلا أن الشمال عربي، بينما تطغى الدماء الإفريقية السوداء على الجزء الغالب من غرب السودان. وعلى امتداد سنوات عديدة، ظلت القبائل الإفريقية في دارفور تشكو، من عنت التمييز الممارس ضدها، والمنحاز لصالح القبائل العربية في الولاية. \r\n \r\n وفي حالة النزاع الشمالي الجنوبي، فإن هناك بشائر تبشر بقرب التوصل إلى حل النزاع وذلك بفضل الضغوط التي مارستها الولاياتالمتحدة الأميركية على طرفيه. ونتيجة لذلك، فقد وقّع الطرفان على اتفاق يقضي باقتسام السلطة، والمسائل الأمنية، فضلا عن كيفية تقسيم الثروات النفطية بين الجنوب والشمال. كما اتفق الطرفان أيضا على أن السودان سيبقى دولة موحدة، خلال فترة مؤقتة مدتها ست سنوات، يظل خلالها عمر البشير، في منصبه الرئاسي الحالي، بينما يتولى منصب نائب الرئيس، العقيد جون قرنق. هذا وسوف يتلو فترة الحكم الانتقالي هذه، استفتاء شعبي يعطى فيه الجنوب حق البقاء في إطار السودان الموحد أو الانفصال. بيد أن الشكوك وانعدام الثقة، يلقيان بظلال كثيفة على كلا الجانبين، وتطال هذه الشكوك الكيفية والتاريخ اللذين ستنفذ بموجبهما تلك الاتفاقات. \r\n \r\n ولما كانت نذر عقد صفقة بين البشير وجون قرنق قد لاحت في الأفق، فقد شعر أبناء غرب السودان، أنه تم استثناؤهم و استبعادهم من الحوارات والاتفاقات التي ستبرم بين الطرفين، حول قضايا تهمهم بالدرجة الأولى، إضافة إلى مستقبل ومصير السودان كله. لذا فقد برزت مجموعتان متمردتان في غرب السودان هما: الجيش الشعبي لتحرير السودان، وحركة العدالة والمساواة. وتمكنت كلتا المجموعتين من تحقيق انتصارات عسكرية على القوات الحكومية، خلال المواجهات والمعارك الأولى التي جرت بين الطرفين. غير أن القوات الحكومية ردت لهما الصاع صاعين، فأغارت بطائراتها على القرى المحسوبة على التمرد، بينما لاحقت أهلها برا، بإطلاق مليشيات \" الجنجويد\" عليهم. ووصفت مجلة \"ذي إكونومست\" المليشيات المذكورة هذه، بأنها عبارة عن مليشيات وقوات عربية، مهمتها القتل وسفك الدماء لصالح حكومة الخرطوم. وخلال تلك الهجمات التي شنتها مليشيات \"الجنجويد\"، تمت إزالة قرى بكاملها، وذبح الشباب، واغتصبت النساء، بينما أرغم الآلاف على الهرب بحثا عن مأوى لهم من جحيم الحرب، وعبر الكثيرون منهم الحدود المشتركة بين تشاد والسودان الغربي. أبرز الاتهامات المثارة ضد حكومة الخرطوم، أنها تسعى لتطهير ولاية دارفور من القبائل ذات الأصول الإفريقية، سيما مجموعة الزغاوة، وهي عبارة عن مجموعة عرقية، تقطن على جانبي الحدود المشتركة بين تشاد والسودان. \r\n \r\n هذا ويلقي النزاع الدائر في غرب السودان بظلاله وتأثيراته التي تتخطى حدود السودان كله، لتؤثر على الجارة تشاد، وتسهم في زعزعة أمنها واستقرارها. ويذكر أن تشاد كانت قد شهدت في الفترة بين السادس عشر والسابع عشر من شهر مايو الجاري، محاولة انقلابية، قام بها بعض الضباط العسكريين المعارضين لنظام \"إدريس ديِبي\"، الحاكم في تشاد. ويشار إلى أن \"إدريس ديِبي\" نفسه، ينتمي إلى قبيلة الزغاوة، التي تمثل أقلية عرقية في تشاد. وكان \"ديِبي\" قد تمكن من تدبير وقيادة انقلابه العسكري من داخل الأراضي السودانية المتاخمة لتشاد، وببعض الدعم والمساندة من جانب حكومة الخرطوم، فتمكن من الإطاحة بالنظام القائم حينها في العاصمة التشادية أنجامينا، في عام 1990. \r\n \r\n ولا ريب في أن النزاع الدائر في غرب السودان، يشكل مصدر قلق ومعضلة كبيرة بالنسبة ل \"إدريس ديِبي\". فهو من ناحية، لابد أن يكون راغباً في تقديم يد العون والمساعدة لقبائل الزغاوة، التي تواجه حملات اضطهاد فظ من قبل مليشيات \"الجنجويد\" العربية. ومن جانب آخر، فهو محرج تجاه حكومة الخرطوم، ولا يريد عض يدها التي قدمت له العون وساعدته في الصعود إلى سدة الحكم، قبل نحو خمس عشرة سنة. ويرى المراقبون للمحاولة الانقلابية الأخيرة في تشاد، أن الضباط العسكريين الذين قاموا بها ودبروها، قد أقدموا على تلك الخطوة، بدافع الغضب من حكومة \"إدريس دِيبي\"، التي يتهمونها بأنها لم تفعل شيئا لإنقاذ الزغاوة من الفظائع والبشاعات التي ارتكبتها بحقهم مليشيات \"الجنجويد\". \r\n \r\n إلى ذلك، فقد أدار المجتمع الدولي بصره عما يجري في دارفور، مخافة أن يؤثر تدخله على البشائر الواعدة التي تلوح في أفق صفقة السلام المرتقبة بين الشمال والجنوب. غير أن الضغوط الممارسة على حكومة الخرطوم، بشأن تطورات الأحداث في دارفور، بدأت تتصاعد مؤخراً. كما استنكرت منظمات ووكالات الإغاثة الإنسانية العالمية، ما نسبته من سياسات منظمة من جانب حكومة الخرطوم، استهدفت تخريب الأراضي الزراعية في منطقة النزاع، مما عرض الكثير من المواطنين هناك لخطر المجاعة. ووفقا لتقديرات منظمة \"الإغاثة الأميركية\"، فإن عدد المواطنين الذين يحتمل أن يموتوا جوعاً هناك يصل إلى حوالي 350 ألفا، ما لم تتم السيطرة على النزاع، ويتمكن الآلاف من النازحين بسببه، من العودة إلى ديارهم وقراهم. ولما كان الموسم الزراعي للعام الحالي، قد ولى سلفا، وتمت إزالة الكثير من القرى الواقعة في مناطق النزاع، فإنه لا مناص من توجيه برنامج إغاثة دولي، تفاديا لوقوع مأساة إنسانية عميقة، لا تبقي ولا تذر هناك.