مثل أي نظام قمعي مستبد.. يكره نظام عبدالفتاح السيسي سيرة "جقوق الإنسان"، فتصيبه الكلمة بحالة هياج شديدة، وتشعره المنظمات العاملة في هذا المجال بنوبات غضب تصل لدرجة الصرع. إعلام النظام وبعض "الدولجية" لا يتوانون عن مهاجمة تقارير المنظمات الحقوقية، تارة تحت ستار أن هذه المنظمات مشبوهة وممولة، وأخرى من باب الدفاع عن استقلالية القرار المصري وسيادة الدولة، وأخرى بحجة كذب تقاريرها وخلوها من أي معلومات صحيحة. أما عن الحجة الأولى، فحتى لو كانت هذه المنظمات مشبوهة وممولة، فإن خطورتها لا تقارن مطلقا بخطورة أن يكون النظام الحاكم مشبوها وممولا ومتحالفا مع عدو الأمة.. لا يستوون مطلقا. وبخصوص استقلالية القرار المصري وسيادة الدولة، فإن النظام الحالي هو آخر من يتحدث عن الاستقلال والسيادة، بل إحقاقا للحق، فإن كل أنظمة مصر بعد كامب ديفيد لا تعرف مطلقا معنى الاستقلال والسيادة. لقد تحولت مصر إلى تابع ذليل -بفعل كامب ديفيد- إلى أي مجرم حرب يجلس على المكتب البيضاوي في البيت الأبيض أو على كرسي رئاسة حكومة العدو الصهيوني. أما النقطة الثالثة، فإن حالة حقوق الإنسان في مصر لا تحتاج إلى جهد جهيد لبيان ما وصلت إليه من انهيار. يكفي الإشارة فقط إلى عدد السجون التي بناها ويبنيها السيسي منذ انقلابه الدموي، ويكفي الإشارة إلى متابعة أخبار الاعتقالات اليومية بسبب منشور على فيسبوك، ناهيك عن مئات الآلاف من المعتقلين في السجون والمختفين قسريا. لسوء حظ السيسي، كانت منظمة مثل هيومن رايتس ووتش بالمرصاد لما يرتكبه نظامه من جرائم في حق الشعب المصري، ورغم أنها لم تفعل شيئا سوى رصد الأخبار المتداولة في المواقع المصرية والحالات المتواجدة في السجون والمعتقلات والمحاكم والنيابات، إلا أنها أرّقت النظام وقضت مضجعه. إعلام السيسي لا يترك مناسبة إلا ويشن هجومه الكاسح على المنظمة، رغم أنها لا تفعل شيئا سوى الرصد، في ظل "طرمخة" الغرب على جرائم نظام السيسي، التي لو حدث ربعها في دولة من تلك التي تعادي أمريكا، لصنفها المعتوه ترمب ضمن محور الشر. 6 قضايا أو جرائم رصدتها هيومان رايتس ووتش، سنستعرضها هنا، كانت كفيلة بإصابة النظام المصري بحالة سعار، جعلته يطلق كلابه -واللفظ هنا عن الإعلام كما يطلق عليه في الغرب- للتشكيك في تقارير المنظمة، رغم أننا كمصريين لا نحتاج لتقرير حقوقي لنعرف حجم القمع الواقع علينا. اقرأ أيضا: "ذو الوجهين".. السيسي "إنسان" مع الغرب ودموي مع الشعب الإخفاء القسري لم يكن مصطلح الاختفاء القسرى معروفًا فى مصر قبل انقلاب 2013، وترقى جريمة الاختفاء القسرى، إلى الجرائم ضد الإنسانية. وكانت هيومان رياتس ووتش قد أعلنت توثيق 50 حالة اعتقال تعسفى منهم 39 حالة اختفاء قسري، إضافة إلى 14 حالة قتل خارج إطار القانون في الفترة ما بين2015-2017. وقال مايكل بَيج، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، أن مصر لديها سجل حافل بالتعذيب المنهجي والاختفاء القسري والمحاكمات الجائرة للمعارضين. وفي ابريل الماضي، طالبت المنظمة السلطات المصرية بالكشف عن مكان 5 معارضين مصريين على الأقل رُحّلوا إلى مصر . ورحّلت السلطات الماليزية 4 رجال على الأقل إلى مصر في أوائل مارس، ورحّلت تركيا رجلا واحدا في يناير. اقرأ أيضا: قتلت 19 شخصا خلال 24 ساعة.. وزارة التصفية الجسدية "الداخلية سابقا" التصفية خارج القانون قالت "هيومن رايتس ووتش" في بيان لها، إن العديد من حوادث التصفية الجسدية في مصر بدا أنها عمليات قتل خلال إطلاق نار مُدبر خارج إطار القانون، شملت أشخاصا كانوا قد احتجزوا سابقا على أيدي قوات الأمن". وفي آخر تقرير للمنظمة، قالت انها وثقت 14 حالة قتل لمحتجزين خارج نطاق القضاء باستخدام أساليب تشبه حالات مماثلة وردت في تحقيق أجرته رويترز ونشرته في أبريل الماضي. جرائم حرب في سيناء قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته أواخر مايو الماضي، إن قوات الجيش والشرطة المصرية في شبه جزيرة سيناء ترتكب انتهاكات جسيمة وواسعة ضد المدنيين. ترقى بعض هذه الانتهاكات إلى جرائم حرب، وهي جزء من حملة مستمرة ضد جماعة "ولاية سيناء" المسلحة، المرتبطة بتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). يقدّم تقرير "´اللي خايف على عمره يسيب سينا!´: انتهاكات قوات الأمن المصرية ومسلحي ´داعش´ في شمال سيناء"، الصادر في 116 صفحة، صورة مفصلة لنزاع لا يحظى بتغطية إعلامية كافية وأسفر عن مقتل وجرح الآلاف، منهم مدنيون ومسلحون وأفراد أمن، منذ تصاعد القتال عام 2013. يُوثق هذا التقرير كيف نفذ الجيش والشرطة المصريَّين اعتقالات تعسفية منتظمة وواسعة النطاق طالت حتى الأطفال، والإخفاء القسري، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القضاء، والعقاب الجماعي، والإخلاءات القسرية - وهي الانتهاكات التي حاولت إخفاءها من خلال فرض حظر فعلي على أي رصد مستقل. ومن المحتمل أن يكون الجيش قد شن أيضا هجمات جوية وبرية غير قانونية قتلت العديد من المدنيين - بمن فيهم أطفال - واستخدم ممتلكات مدنية لأغراض عسكرية. بالإضافة إلى ذلك، قام بتجنيد وتسليح وتوجيه ميليشيات محلية، تورطت في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان مثل التعذيب، والاعتقالات التعسفية، وغالبا ما تستغل موقعها لتصفية حسابات شخصية. اقرأ أيضا: بين حبس "اعتباطي" وأحكام ظالمة.. قائمة محدثة بأسماء الصحفيين المعتقلين اعتقالات جماعية لمحامين وناشطين قالت "هيومن رايتس ووتش" إن الشرطة المصرية وقطاع الأمن الوطني المصري شنّا منذ أواخر أكتوبر 2018 حملة اعتقالات واسعة طالت 40 ناشطا حقوقيا ومحامين وناشطين سياسيين. أغلب الموقوفين هم أشخاص قدموا الدعم الإنساني والقانوني لعائلات المحتجزين السياسيين. تحدثت هيومن رايتس ووتش مع محام وناشط حقوقي وناشطَين سياسيَّين على تواصل مباشر مع عائلات المحتجزين. قالت هذه المصادر إن قوات الأمن لم تقدم أي مذكرة توقيف كما لم تستجب لمحاولة العائلات أو المحامين معرفة مكان احتجاز المعتقلين. ترقى بعض هذه الحالات إلى الإخفاء القسري. هناك 8 نساء من ضمن الموقوفين ومع أنه تم الإفراج عن 3 نساء منهن، لا يزال كل الآخرين قيد الاحتجاز في أماكن مجهولة. التعذيب وفي اكتوبر الماضي، نقلت هيومان رايتس ووتش تفاصيل تعرض احد المحتجزين للتعذيب. و قالت المنظمة إن السلطات المصرية أخفت قسرا سائق سيارة ليموزين مصري-أمريكي، قال إن السلطات عذبته واحتجزته سرا لأربعة أشهر. قدّم خالد حسن (41 عاما) ل هيومن رايتس ووتش، مزاعم مفصّلة عن تعذيبه، منها مزاعم بالاغتصاب مرتين. في مقابلات أُجريت عن بعد، قال حسن ل هيومن رايتس ووتش إنه في الأسابيع التي تلت اعتقاله في 8 يناير، ضربته قوات الأمن بشدة، وعرّضته إلى صعقات كهربائية شملت أعضاءه التناسلية، واغتصبته شرجيا في حالتين على الأقل، مرة بعصا خشبية ومرة من قبل رجل آخر. تمكنت هيومن رايتس ووتش من التحدث إلى فردين من عائلة حسن والاطلاع على اتصالاتهما بالسلطات بحثا عن معلومات حول مكانه. كما استعرض خبراء الطب الشرعي صورا عن جروحه التي التقطها حسن في السجن مؤخرا. قال الشخصان إن المسؤولين المصريين أمروا زوجة حسن وأولاده بمغادرة البلاد، ولم تعرض عليهم إمكانية اللجوء للقضاء. وهم يعيشون الآن في الولاياتالمتحدة. اقرأ أيضا: المكارثية السيساوية.. الفصل والتشريد عقوبة معارضي النظام التهجير القسري قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير لها في مايو من العام الماضي، إن الجيش المصري وسّع كثيرا من أعمال هدم المنازل والبنايات التجارية والأراضٍي الزراعية شمال محافظة سيناء، منذ 9 فبراير 2018، ضمن حملته العسكرية ضد مجموعة منتمية لتنظيم "الدولة الإسلامية" هناك. أعمال الهدم الجديدة التي طالت مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية وما لا يقل عن 3 آلاف بيت وبناية تجارية، فضلا عن 600 بناية تم هدمها في يناير، هي الحملة الأكبر من نوعها منذ بدأ الجيش رسميا أعمال الإخلاء في 2014. تجاوزت أعمال التدمير التي يُرجح أن أغلبها غير قانوني، المنطقتين العازلتين اللتين حددتهما الحكومة بمدينتي العريش ورفح. هدم الجيش أيضا عدة بيوت في العريش، في ما بدت أنها أعمال انتقامية من مشتبهين بالإرهاب ومعارضين سياسيين وأقاربهم.