استمرار الاختبارات والتقديم ل فرص العمل بمشروع الضبعة النووي    تراجع أسعار العملات العربية في ختام تعاملات اليوم 2 فبراير 2026    سموتريتش: مجلس السلام سينذر حماس بنزع سلاحها خلال شهرين    وول ستريت: ترامب طلب خيارات لضرب إيران من دون الدخول في حرب طويلة    تفاصيل عرض النجمة السعودي لضم دونجا من الزمالك    الداخلية تكشف حقيقة ادعاء تقاضي ضابط مباحث مبالغ مالية مقابل التحريات    وزراء وخبراء بمؤتمر الأزهر للمرأة يدعون لتضافر الجهود لمنع تطبيب ختان الإناث    مصرع وإصابة 17 مواطنا في حادث انقلاب ميكروباس    تدشين فرقة فنية لذوي الهمم بمركز فنون الإسماعيلية    فلسطينية مع ابنها المصاب أمام معبر رفح: مصر قابلتنا بكل ترحاب بشكل لم أتصوره    رمضان 2026.. ماجد الكدوانى يتوسط أبطال مسلسل كان ياما كان فى البوستر الرسمى    رمضان عبدالمعز: ليلة النصف من شعبان نفحة ربانية وفرصة للعفو    خطر إهمال الجيوب الأنفية وحساسية الصدر وتأثيرهما على التنفس    إكسترا نيوز: وصول أول حالة من الجانب الفلسطيني إلى الأراضي المصرية    كيفية إحياء ليله النصف من شعبان    متسابقو بورسعيد الدولية يروّجون لمعالم المدينة خلال جولة سياحية برفقة شباب المسابقة    رئيس الوزراء يتابع موقف تنفيذ المشروعات التنموية والخدمية بمحافظة السويس    استشهاد 3 فلسطينيين وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي على وسط وشمال غزة    نص كلمة رئيس محكمة الاستئناف بالمنيا فى واقعة مقتل أب وأبنائه الستة فى دلجا    محافظ كفر الشيخ يتقدم الجنازة العسكرية لمعاون مباحث مركز شرطة الحامول في بيلا    مدير مجمع الشفاء: 20 ألف مريض بحاجة ماسة للعلاج خارج غزة    قطع المياه 4 ساعات غدا بمنطقة 15 مايو بجمصة لتركيب أجهزة قياس التصرف    رونالدو خارج تشكيل النصر أمام الرياض في الدوري السعودي    وزير الرياضة يشيد بالتنظيم المتميز للبطولة العربية للشراع وحصد مصر 8 ميداليات    المركب هيغرق.. وائل القباني يحذر مسؤولي الزمالك من بيع عناصر الفريق الأساسية    الإطار التشريعي لحماية الطفولة.. تحليل مقترحات «الشيوخ» ومبادرات الدولة    رئيس جامعة بنها يفتتح مؤتمر "التمكين المهني والتقدّم الوظيفي استعدادًا لمستقبل العمل"    ملتقى الإبداع يناقش «حلم في حقيبة» بمعرض الكتاب    متحدث الصحة: دليل إرشادي موحد لتنظيم العلاج على نفقة الدولة بأكثر من 600 مستشفى    الطب البيطري بجنوب سيناء: توفير ملاجئ آمنة للكلاب الضالة    جوناثان الكاميروني ثاني صفقات كهرباء الإسماعيلية الشتوية    رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات حماية الشواطئ    المنتجة ماريان خوري تستقيل من مهرجان الجونة.. لهذا السبب    محمود عاشور يشارك في معسكر حكام الفيديو المرشحين لكأس العالم    مفوضة الاتحاد الأوروبي: أوكرانيا مستعدة لتقديم تنازلات صعبة    القاهرة الإخبارية: السوداني يبحث الاستحقاقات الدستورية مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني    الإفتاء توضح الأدلة على فضل ليلة النصف من شعبان.. تفاصيل    كريم بنزيما يرفض تجديد عقده مع اتحاد جدة ويتجه للهلال    شريف مصطفى يفتتح معسكر التضامن الأوليمبي الدولي للكونغ فو استعداداً لأولمبياد الشباب    مديرية التضامن الاجتماعي بالقليوبية تعقد اجتماعا لاختيار الأم المثالية    رئيس مجلس الشيوخ يهنئ رئيس الجمهورية بليلة النصف من شعبان    وزارة الزراعة تطرح كرتونة البيض ب 110 جنيهات بمعرض المتحف الزراعى بالدقى    القبض على 12 متهمًا أجبروا الأطفال على التسول    الرقابة المالية ترفع الحد الأقصى لتمويل المشروعات متناهية الصغر إلى 292 ألف جنيه    وزير المالية ومركز المعلومات يكرمان صاحب المبادرة المجتمعية الأعلى تقييمًا في «الإصلاح الضريبى»    وزير الثقافة ينعى الفنان التشكيلي حسام صقر    حالة الطقس.. أتربة عالقة وأجواء مغبرة تغطى سماء القاهرة الكبرى والمحافظات    4397 مستوطنا يقتحمون باحات الأقصى خلال يناير 2026    وزير التعليم العالي يتابع انتظام تنفيذ البرنامج التدريبي المتخصص للطلاب ذوي الإعاقة بجامعة الأقصر    أسعار الدواجن البيضاء والبلدى بالأسواق والمحلات فى الأقصر اليوم الإثنين    صوم يونان.. دعوة للقلب    غارة إسرائيلية تستهدف سيارة على طريق بلدة الزهراني بجنوب لبنان    رئيس جامعة أسيوط يشهد الحفل الختامي للمبادرة الرئاسية «تمكين» بمعبد الأقصر    تسليم نظارات طبية لأكثر من 5000 تلميذ بالمرحلة الابتدائية ضمن مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في بني سويف    محافظ الأقصر يحضر احتفال العائلة الحجاجية بالليلة الختامية لمولد أبو الحجاج    حياة كريمة.. صحة دمياط تستهل فبراير بقافلة شاملة تخدم 1217 مواطنا بفارسكور    جرامي ال68.. «الخطاة» يستحوذ على جائزة أفضل ألبوم موسيقي تصويري لأعمال مرئية    دار الإفتاء: صيام يوم النصف من شعبان من جملة الأيام البِيض من كل شهر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حركة مقاطعة "الكيان الصهيوني" بين الإنجازات والمعوِّقات
نشر في الشعب يوم 03 - 08 - 2015

يصادف الشهر القادم الذكرى العاشرة لتأسيس الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، والتي بدأت نشاطاتها مؤخرًا تأخذ زخمًا متصاعدًا؛ الأمر الذي دفع تل أبيب إلى التحذير بأن الحركة يمكن أن تشكِّل "خطرًا استراتيجيًّا" على دولة إسرائيل. تذهب هذه الورقة، وفقًا للحيثيات المعطاة، إلى أن الحركة ربما لن تجبر إسرائيل الآن على الركوع أمام المطالب الفلسطينية، ولكنها -بكل تأكيد- تشكل مرتكزًا حيويًّا في مراكمة الإنجازات التي يمكن البناء عليها مستقبلًا في التأثير على قرارات إسرائيل الاستراتيجية، وبالتالي تغيير قواعد اللعبة والاشتباك. فتراكم إنجازات الحركة يمكن أن يحدث اضطرابًا في السوق الإسرائيلية أو التدفقات الاستثمارية، وهو ما يمكن أن يشكِّل خطوة أولى يمكن أن تؤدي مع الوقت إلى تصاعد المقاطعة ضد إسرائيل بكافة أشكالها، ويحدّ من قدرة الشركات الإسرائيلية أو المستثمرين الأجانب على الاستخدام الفَعَّال والأمثل لموارد السوق. كما أن زيادة زخم التغطية الإعلامية لنشاطات الحركة وإنجازاتها يمكن أن يُسهِم تدريجيًّا في فرض الحركة كواقعٍ مؤثِّر ومُلهِم في المشهد الفلسطيني.
تناقش هذه الورقة أهداف الحركة، واستراتيجيتها، وإنجازاتها، وردّة الفعل الإسرائيلية على تعاظم حضورها على الساحة الإعلامية والدولية، وآفاق النزاع بين الطرفين.
مقدمة
تنامت مؤخرًا وبشكل سريع الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها أو ما تُعرف اختصارًا ب"بي دي إس"، على مستويات متعددة في أنحاء العالم، وهو ما أدى إلى اضطراب القيادة الإسرائيلية التي حذَّر رئيسها مؤخرًا، روفين ريفلين، من أن الحركة يمكن أن تشكِّل "تهديدًا استراتيجيًّا للدولة". فانخفاض التوقعات بجدوى عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية والسياسات العنصرية والقمعية التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين، اضطر الناشطين الفلسطينيين وحلفاءهم الدوليين للسعي لإيجاد بدائل متنوعة لعزل إسرائيل ومعاقبتها؛ بهدف إجبارها على الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. ونتيجة لتراكم إنجازات الحركة، فقد بدأت أهدافها تحظى بدعم عدد متزايد من الفنانين، والنقابات الطلابية والمهنية، والزعماء الدينيين في بلدان متعددة؛ مما صعَّد من الهجمة الإسرائيلية على الحركة وناشطيها بهدف محاصرتهم وتحجيمهم. تسلِّط هذه الورقة الضوء على الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها من حيث أهدافها، واستراتيجيتها، وإنجازاتها، وردّة الفعل الإسرائيلية على تعاظم حضورها على الساحة الإعلامية والدولية، وآفاق النزاع بين الطرفين.
ما هي بي دي إس؟
تأسست حركة بي دي إس عام 2005، وهي اختصار للكلمات الثلاثة: المقاطعة (Boycott) وسحب الاستثمارات
(Divestment) وفرض العقوبات (Sanctions)، أو ما يتم الإشارة إليه في أغلب الأحيان ب(BDS). مستلهمةً أهدافها
واستراتيجياتها من حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة مارتن لوثر كينغ، وحركة النضال ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا بقيادة نيلسون مانديلا. وقد وقّع أكثر من مائة وسبعين منظمة فلسطينية غير حكومية، وأحزاب سياسية، ونقابات مهنية، وهيئات واتحادات، وحملات شعبية على عريضة نداء حركة المقاطعة.
وكما يظهر على الموقع الإلكتروني للحركة، فإنّ نداء المقاطعة يطالب إسرائيل بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، والانصياع للقانون الدولي عن طريق:
أولًا: إنهاء احتلالها واستعمارها لكل الأراضي العربية وتفكيك الجدار.
ثانيًا: الاعتراف بالحق الأساسي بالمساواة الكاملة لمواطنيها العرب الفلسطينيين.
ثالثًا: تطبيق حق العودة بناءً على قرار ا?مم المتحدة رقم 194.
أي إنَّ أهداف الحركة الثلاثة ترتكز على مطالب ومظلومية جميع الفلسطينيين، وليس فقط فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة
الذين يشكِّلون فقط 38% من مجموع الفلسطينيين في العالم، حسب الحركة. فالحركة تريد أيضًا أن تعالج مطالب فلسطينيي
الشتات (يشكِّلون تقريبًا 50% من الفلسطينيين)، والفلسطينيين المقيمين في إسرائيل منذ عام 1948 (يشكِّلون 12% من مجموع
الفلسطينيين) والذين يتعرضون لتمييز عنصري متنامٍ من قِبل المجتمع الإسرائيلي.
تركيز الحركة على المظالم الواقعة على جميع الفلسطينيين جعلها عُرْضة لانتقادات متزايدة لضبابية مواقفها السياسية، وأنها لا
تطرح برنامجًا متماسكًا للحل السياسي، خاصة أن بعض مؤيدي الحركة والفاعلين فيها يتبنُّون فكرة حل الدولة الواحدة عوضًا عن
حل الدولتين.
الفاعلون واستراتيجيتهم
ينشط في الحركة مجموعة كبيرة من الفاعلين الذين يتجاوزون الحدود المحلية إلى المستوى الدولي. وعلى الرغم من أن مرجعية
الحركة وقيادتها تُعتبر فلسطينية كما يوضِّح عمر البرغوثي، أحد مؤسِّسي الحركة، إلا أنها تعتمد -وبشكل كبير- على الجهود
التطوعية لأفراد ومؤسسات مؤيدين لحقوق الفلسطينيين على مستوى العالم، إضافة إلى المبادرات الفردية والجماعية المنظمة؛ حيث
تنسق الحركة مع حلفائها حول العالم. كما ينتمي للحركة عدد قليل من الإسرائيليين المناصرين لها والمعادين للصهيونية والمتبنِّين
لأهداف الحركة المنادية بالمقاطعة الكاملة، وهو ما أسهم في نزع الفكرة الإسرائيلية التي تروِّج في الغرب على أن الحملة معادية
للسامية.
ويمكن تقسيم استراتيجية الحركة والمساندين لها إلى قسمين رئيسيين: قسمٍ يعمل خارجيًّا، وقسمٍ يعمل داخليًّا.
أولًا، العمل خارجيًّا: تعتمد استراتيجية بي دي إس على التغيير التدريجي الذي تسعى من خلاله كخطوة أولى إلى مقاطعة إسرائيل
وسحب الاستثمارات منها في كافة المجالات (الاقتصادية والأكاديمية والثقافية والرياضية والعسكرية)؛ وذلك للوصول إلى الخطوة
النهائية المتمثّلة في عزل إسرائيل وفرض حصار دولي عليها بأشكال متعددة.
تدرك بي دي إس تعقيد التحالفات الدولية الداعمة لإسرائيل واختلاف السياقات الدولية؛ لذلك تتبنَّى الحركة مبدأ "حساسية السياق"،
بمعنى أن نشطاء الحركة وحلفاءهم يقومون برسم أهدافهم واستراتيجياتهم التي تراعي ظروفهم المحلية وسياقات التفاعل معهم.
لذلك، يتم وضع حملات الحركة المختلفة بصورة غير مركزية. فبعض النشطاء يمكن أن يقرروا مقاطعة جميع الجامعات
الإسرائيلية، بينما يرى البعض الآخر مقاطعة الشركات المتورطة في الاستثمار بشكل غير قانوني في مستوطنات الضفة الغربية
والأراضي المحتلة عام 1967. لهذا السبب بالتحديد، يستهدف غالبية نشطاء الحركة في أوروبا -على سبيل المثال-
الاستثمارات في المستوطنات الإسرائيلية، والتي لا تشكِّل انتهاكًا للقانون الدولي فقط، بل أيضًا يمكن أن تشكِّل انتهاكًا لبعض
القوانين والإجراءات الأوروبية التي تحظر الاستثمار في المستوطنات.
ولإجبار الشركات على سحب استثماراتها من إسرائيل، يقوم ناشطو الحركة بحملات منظمة ومستدامة تستهدف مهاجمة الشركات
التي تستثمر في إسرائيل (وخاصة في مستوطنات الضفة الغربية) من خلال التهديد بمقاطعة منتجاتهم أو التحريض عليها، أي إن
الحركة تسعى إلى تعبئة المستهلكين للامتناع عن شراء منتجات الشركات أو خدماتها، وبالتالي تقليل الإيرادات وفرض تكاليف
إضافية في السوق عن طريق إحداث ردود فعل سلبية بين جمهور المستهلكين وتدمير سمعة هذه الشركات بين زبائنها؛ بهدف
زيادة الضغوط على هذه الشركات من خلال التركيز على صورتها وسمعتها.
ثانيًا، العمل داخليًّا: تقوم استراتيجية الحركة داخل الأراضي المحتلة عام 1967 على السعي لمقاطعة المنتجات والمؤسسات
الإسرائيلية ونشر التوعية بين الفلسطينيين حول أهمية المقاطعة. وتعتبر "اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل" و"اللجنة التنسيقية
للمقاطعة الشعبية" والتي تشكَّلت حديثًا إحدى أهم الأدوات التي يتم استخدامها للتعبئة الشعبية. كما تسعى الحركة إلى تشجيع
المنتج الوطني وتوفير البديل للمنتج الإسرائيلي من حيث الجودة والسعر.
وبالرغم من النجاحات المتتالية التي تحققها حركة "بي دي إس" على الصعيد الدولي، إلا أن تأثيرها لا يزال ضعيفًا على المستوى
المحلي؛ حيث تعتبر السوق الفلسطينية في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية من حيث تسويق المنتجات الإسرائيلية.
يرجع ذلك بشكل كبير إلى ضعف التنسيق ما بين الحركة والسلطة الفلسطينية؛ فالأخيرة لا تزال تعوِّل على إحياء عملية السلام
والمفاوضات الثنائية مع الجانب الإسرائيلي؛ حيث تتخوّف من ردّة فعله في حال أقدمت على تبنِّي المقاطعة الشاملة. وإذا أخذنا
بعين الاعتبار أن السلطة الفلسطينية محكومة باتفاقية باريس الاقتصادية التي تُضعف سيطرة السلطة على السوق الفلسطينية
الداخلية أو تحكمها في المعابر الخارجية، وهو ما يُسهِم أكثر في إضعاف المناعة الفلسطينية الداخلية أمام المقاطعة. كما أن
المقاطعة في قطاع غزة تعتبر صعبة للغاية، لاسيما بعد هدم الأنفاق الواصلة ما بين مصر وقطاع غزة، وإحكام إسرائيل لحصارها
الاقتصادي وتدمير العديد من المصانع في الحرب الأخيرة على القطاع.
تراكم الإنجازات
بالرغم من أن الحركة قد تأسست قبل عشر سنوات إلا أن إنجازاتها الفعليّة والقلق الإسرائيلي المتزايد بدآ يظهران خلال السنوات
الثلاث الماضية. ومع أن أي معطيات دقيقة حاليًا عن حجم تأثير المقاطعة على إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر،
غير متوفرة إلا أن ردَّات الفعل الإسرائيلية العنيفة على نشاطات الحركة وبعض المؤشرات الاقتصادية تدلِّل على أن نشاطات
الحركة بدأت تشكِّل مصدر إزعاج للقيادة الإسرائيلية.
فعلى صعيد المقاطعة الأكاديمية والثقافية، بدأت الحركة مؤخرًا حملة كبيرة في العالم تدعو إلى المقاطعة الأكاديمية للمؤسسات
الإسرائيلية، وهو ما أدى إلى اضطراب القيادة الإسرائيلية التي تخشى ليس من فقدان تأثيرها داخل الجامعات فقط، بل أيضًا من
خسارة "جيل المستقبل"؛ أي الجيل الذي يمكن أن يتبوأ مناصب قيادية عليا في بلادهم، وبالتالي التأثير في القرارات السياسية
والاقتصادية والثقافية. فنتيجة المجهودات المتتالية من قبل ناشطي الحركة انضمَّ -على سبيل المثال لا الحصر- اتحاد الطلبة في
بريطانيا والذي يضم حوالي سبعة ملايين عضو للمقاطعة، وكذلك اتحاد الطلبة في مقاطعة أونتاريو الكندية المهمة والذي يضم
حوالي ثلاثمائة ألف عضو. إضافة إلى مقاطعة بعض الجامعات للمؤسسات التعليمية الإسرائيلية، مثل جامعة "دي بول" الأمريكية
وجامعة "نورث ويسترن".
وفي خطوة تظهر الزخم الذي وصلت إليه الحركة، وتنبئ بمزيد من التراكمات انضمَّ بعض المشاهير للحملة أمثال المغني العالمي
روجر ووترز والكاتبة الكندية اليهودية ناعومي كلاين؛ مما أسهم في مزيدٍ من الاهتمام من قِبل وسائل الإعلام العالمية، وأبقى
التغطية الإعلامية للحركة ونشاطاتها مستمرة. كما نجحت الحركة في إجبار بعض المغنِّين على الالتزام بالمقاطعة الثقافية
لإسرائيل، وعدم إقامة أيٍّ من نشاطاتهم الفنية في إسرائيل، كما حصل -على سبيل المثال- مع المغني النرويجي مودي أو
المغنية الأميركية لورين هيل عندما ألغيا حفلاتهما في تل أبيب.
أما على صعيد المقاطعة الاقتصادية، وهي أكثر ما يُقلِق إسرائيل، يبدو أن "بي دي إس" أخذت في الاتساع والتراكم؛ فقد بدأت
القيادة الإسرائيلية تتخوَّف من أن تؤدي تراكمات الحركة النضالية في المستقبل إلى اضطراب الاقتصاد الإسرائيلي، وبالتالي خلخلة
وتراجع الاستثمارات الأجنبية وتوسعها؛ حيث تعتبر هذه الاستثمارات أحد أهم مصادر القوة لنمو اقتصاد الدولة العبرية.
كما أدت استراتيجية الحركة ونشاطها الفاعل في الساحة الأوروبية -على سبيل المثال- إلى خلخلة نسبية واضطراب في بعض
الشركات الإسرائيلية أو المستثمرة فيها؛ مما قلَّل من أرباحها وبالتالي قدرتها على الحفاظ على قيم سوقية عالية. ومع أننا لا نتوفر
على أي أرقام حقيقية عن الخسائر التي تكبّدها الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة حملة المقاطعة، فإنه -وبحسب المكتب المركزي
الإسرائيلي للإحصاء- قد خسر الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة حملة المقاطعة الأوروبية للمنتجات الزراعية من المستوطنات
الإسرائيلية ما يُقدّر ب 6 مليارات دولار في 2013 و2014، ومن المرشّح أن تصل الخسائر نتيجة المقاطعة إلى 9,5 مليارات
دولار مع نهاية هذا العام.
إضافة إلى ذلك، فقد أعلنت في الفترة الماضية، أعدادٌ متزايدة من الشركات الكبرى أو البنوك عن سحب استثماراتها، سواء من
إسرائيل أو شركات داعمة لها. فعلى سبيل المثال، أعلن صندوق بيل غيتس سحب استثمارات بقيمة 182 مليون دولار من شركة
G4S الأمنية التي تعدّ أكبر شركة أمنية في العالم، وتقدِّم خدماتها لإسرائيل في مجال حماية الحواجز العسكرية وخدمات مصلحة
السجون. كما خسرت الشركة مجموعة من العقود في بريطانيا، والنرويج، والاتحاد الأوروبي وجنوب إفريقيا. علاوة على ذلك،
انضمَّ إلى قائمة المقاطعين بعض صناديق التقاعد الضخمة وشركات وبنوك، مثل: صندوق التقاعد الهولندي (PGGM)،
وصندوق التقاعد الحكومي النرويجي اللذين سحبا استثمارات من شركات إسرائيلية متورطة في دعم الاحتلال والاستيطان
الإسرائيلي.
كما بدأت أيضًا بعض الشركات الإسرائيلية تخسر بعض عقودها في مجموعة من دول العالم؛ نتيجة نشاط حركة المقاطعة كما
حصل مع شركة "ميكوروت" الإسرائيلية للمياه التي خسرت عقدًا في الأرجنتين بقيمة تصل إلى 170 مليون دولار. وإضافة إلى
ذلك، خسرت الشركة عقديْن في كلٍّ من هولندا والبرتغال.
استراتيجية إسرائيل المضادة
أدى الاهتمام المتزايد من قِبل وسائل الإعلام العالمية والمقاطعة الفعليّة من قبل بعض الشركات أو التجمعات الأكاديمية الكبيرة للنشاطات الإسرائيلية إلى اضطراب القيادة الإسرائيلية، التي باتت تتخوّف من فقدان مكانتها في العالم. فقد اعتبرت الحكومة الإسرائيلية في يونيو/ 2013 حركة المقاطعة أنها باتت تشكِّل "تهديدًا استراتيجيًّا" للوجود الإسرائيلي. وظهر القلق الإسرائيلي من تنامي حركة المقاطعة على لسان العديد من المسؤولين الإسرائيليين؛ فقد صرَّح يائير لبيد، وزير المالية الإسرائيلية الأسبق، بأن "عدم الشعور بتأثير المقاطعة حاليًا سببه أنها عملية تدريجية، لكن الوضع الحالي خطير جدًّا؛ فنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا لم يتنبّه إلى بداية حملة المقاطعة التي تعرَّض لها". وكانت وزارة المالية الإسرائيلية قد أصدرت تقريرًا نصَّ على "أن المقاطعة هي أكبر خطر على الاقتصاد الإسرائيلي". ردّة فعل القادة الإسرائيليين الغاضبة أبرزت النجاحات المتتالية التي حققتها الحركة، وقدرتها على تغيير قواعد اللعبة. ولمواجهة الحركة وناشطيها تبنَّتْ إسرائيل استراتيجيتين مترابطتين: قمع الحركة داخليًّا، وتحفيز الحلفاء خارجيًّا.
فقد سنَّ الكنيست الإسرائيلي عام 2011 ما يُعرف ب"قانون المقاطعة"، والذي صادقت عليه المحكمة العليا الإسرائيلية في إبريل 2015 ضدّ كل من يُطالب بمقاطعة إسرائيل. ويتيح القانون الملاحقة القانونية وطلب تعويضات من كل شخص يحمل الهوية الإسرائيلية ويدعو للمقاطعة بأيّ شكل كان، كما يمنح القانون وزير المالية الحق في فرض عقوبات اقتصادية كبيرة على المؤسسات الإسرائيلية التي تدعو للمقاطعة، بينما تتلقى تمويلًا من الحكومة الإسرائيلية وهيئاتها. إضافة إلى ذلك، قامت إسرائيل بشنّ حملة قمع مستمرة بحق الناشطين الفاعلين في الحملة، وتصعيد العمل الاستخباري في ملاحقتهم.
أما على الصعيد الخارجي، فإسرائيل تدرك جيدًا أن معركتها ليست ضمن نطاق الأراضي المحتلة، بل هي معركة تُخاض في الأساس على الساحة الدولية وفي وسائل الإعلام ومراكز التأثير؛ لذلك قامت إسرائيل بتجنيد وتحفيز ماكينتها الإعلامية الضخمة التي خصَّصت لها مبلغ 100 مليون شيكل، إلى جانب استنفار سفاراتها على مستوى العالم لمواجهة تنامي الحركة محليًّا ودوليًّا. كما سعت للاستعانة بحلفائها في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وذلك للتحرك قانونيًّا ضد الحملات الداعية للمقاطعة وتشريع قوانين تجرِّم المقاطعة؛ وذلك من أجل التأثير ومن ثَمَّ ثني المجموعات المختلفة عن المقاطعة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، اقترح النائبان في الكونجرس عن ولاية إلينوي، بيتر روسكام ودان ليبينسكي، في مارس الماضي مشروع قانون ينصّ على وقف جميع مصادر التمويل الفيدرالي للمؤسسات الأكاديمية المشاركة في المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، وذلك ردًّا على مقاطعة جمعية الدراسات الأمريكية للمؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية. كما يتضمن أحد بنود المشروع مادة تحظر التمويل الحكومي لأي مؤسسة تعليمية أو جامعية تنشط فيها الحركات التي تنادي بالمقاطعة الأكاديمية لإسرائيل. إضافة إلى ذلك، يسعى حلفاء إسرائيل لإقرار قوانين تعتبر نشاطات المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل معاداة للسامية تجب المعاقبة عليها، كما حصل في ولاية إلينوي في مارس الماضي، أو اعتبار مقاطعة المنتجات الإسرائيلية جريمة "كراهية"، كما قررت إحدى المحاكم الفرنسية. إضافة إلى ذلك، يقوم حلفاء إسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية بحملات مستمرة للتأثير على الشركات والمؤسسات التي قرّرت مقاطعة إسرائيل ومواجهة الحملة دوليًّا. فعلى سبيل المثال، يسعى الملياردير الأميركي شيلدون أدلسون لوقف حملة المقاطعة في الولايات المتحدة من خلال التأثير على السلطة السياسية والمالية في واشنطن.
المصدر: د. محمود جرابعة - الجزيرة للدراسات


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.