الندوة التثقيفية ال43.. الرئيس السيسي يكرم عددا من أسر الشهداء ومصابي العمليات الحربية    نص كلمة الرئيس السيسي خلال الندوة التثقيفية ال43    ارتفاع سعر الجنيه الاسترلينى اليوم الإثنين 9/3/2026 مقابل الجنيه    تداول 73 ألف طن و953 شاحنة بضائع عامة ومتنوعة بموانئ البحر الأحمر    محافظ المنوفية يتفقد محطة معالجة إزالة حديد ومنجنيز أم خنان لخدمة 20 ألف نسمة    90 دقيقة بورصة، تراجع معظم المؤشرات خلال جلسة اليوم الاثنين    وزير النقل يتفقد محطة الملك الصالح بمشروع المرحلة الاولى للخط الرابع للمترو    البرلمان الإيراني يعلن دعمه للمرشد الجديد... ورشقة صاروخية تستهدف إسرائيل    وكالة الأنباء الفرنسية: برلمان لبنان يقرر تأجيل الانتخابات التشريعية لمدة عامين    رئيس كوريا الجنوبية يدعو لوضع سقف لأسعار الوقود بعد اقتراب النفط من 120 دولاراً    الجيش الإسرائيلى يعلن بدء موجة جديدة من الغارات الجوية على جنوب بيروت    صحيفة: الجيش الإسرائيلي يعلن اعتراض صاروخ باليستي إيراني شمالى البلاد    كرة اليد، موعد قرعة بطولة العالم وتصنيف منتخب مصر    حكام مبارايات الجولة ال21 لدوري الكرة النسائية    كهربا: لازلت عند وعدي بتواجد إنبي في مجموعة المنافسة على اللقب.. وهذا مصير مستقبلي    ضبط 111 ألف مخالفة مرورية و47 حالة تعاطي مخدرات بين السائقين    موعد إعلان جداول امتحانات الثانوية العامة 2026.. اعرف التفاصيل    ارتفاع 3 درجات.. الأرصاد تكشف تغيرات حالة الطقس بداية من الأربعاء    تأجيل محاكمة المتهم بقتل وتقطيع صديقه في عين شمس ل 4 مايو    الاسم المحذوف من تتر "هي كيميا"    رأس الأفعى يكشف سقوط محمد كمال.. نهاية مهندس الجناح المسلح للإخوان    لجنة الدراما بالأعلى للإعلام تشيد بمسلسل "صحاب الأرض" في توثيق أحداث غزة    انطلاق بروفات «كورال وأوركسترا مصر الوطني» بقصر ثقافة الأنفوشي    عادل إمام يسجل مذكراته المصورة.. وعمرو الليثي يكشف التفاصيل    متحدث الأوقاف يوضح أبرز ضوابط الاعتكاف والتهجد في العشر الأواخر من شهر رمضان    مدير مستشفى أبو الريش الياباني: نسعى لتطوير الخدمات الطبية والتشخيصية والعلاجية    7 نصائح لتقوية عضلة القلب فى رمضان    طريقة عمل المبكبكة باللحم، أكلة لذيذة وسريعة التحضير على الإفطار    أسعار اللحوم اليوم الاثنين 9 مارس 2026    طعنه بسبب هاتف محمول.. استمرار حبس متهم بقتل عامل فى مشاجرة بالبدرشين    حريق في منزل بالمنوفية بسبب شاحن موبايل    حمزة عبد الكريم يعلّق على ظهوره الأول مع برشلونة: فخور بتسجيل هدفي الأول    يوم الشهيد.. جامعة القاهرة: مصر لن تنسى أبناءها الذين سطروا بدمائهم صفحات مضيئة في تاريخ الوطن    سقوط طالب من نافذة الفصل ينهي حياته داخل مدرسة بالبدرشين    يوم الشهيد .. مواقف من حرص السيسي على تكريم الشهداء وأسرهم |صور    فريق "هندسة عين شمس" يحصد المركز الثاني بمسابقة اتحاد مصنعي الكابلات العرب    حازم إمام يكشف كواليس جلسة مجلس الزمالك مع ممدوح عباس    الجودة.. المعركة الحقيقية للإصلاح الصحى    بابكو إنرجيز البحرينية تعلن حالة القوة القاهرة على عملياتها المتأثرة بالاعتداءات الإيرانية    وفاة اثنين وإصابة آخر إثر اصطدام دراجتين غرب الأقصر    إحالة سيدة ونجلها لاتهامهما بقتل ابنتها وتقطيعها إلى أشلاء بالسلام للمحاكمة    موقف الونش من مواجهة إنبي يتحدد بعد اختبار طبي في الزمالك    نقيب الإعلاميين: معايير فيسبوك وتيك توك أحيانا تمنع حذف الشتائم لعدم مخالفة ضوابطها    البحرين: إصابة 32 مدنيا جراء هجوم بمسيرات إيرانية    محمد معيط: خبطة الحرب الإيرانية ستكون شديدة على اقتصادات الدول.. وصدمة ارتفاع أسعار الطاقة ستطول    عمرو عبدالجليل يعلن تقديم جزء ثانٍ من بودكاست «توأم رمضان»    السعودية: إيران لم تطبق تصريحات رئيسها على أرض الواقع    30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة - الإسكندرية».. الاثنين 9 مارس    أمين الفتوى بالإفتاء: يجوز إخراج زكاتي الفطر والمال خلال شهر رمضان    احتيال إلكترونى للنصب على سيدة مُسنة فى الحلقة الرابعة لمسلسل بيبو.. صور    محافظ الدقهلية يشهد حفل توزيع جوائز مسابقة لحفظة القرآن الكريم    في الليلة التاسعة عشرة من رمضان.. إقبال واسع على الجامع الأزهر ومشاركة لافتة للقراء الشباب في إحياء التراويح    نقابتا "الصحفيين" و"المهندسين" بالإسكندرية يبحثان آليات جديدة للتعاون    مواقيت الصلاة وعدد ساعات الصيام اليوم الإثنين 19 رمضان 2026    المحمودى: عقد رسمى لمعتمد جمال فى الزمالك لنهاية الموسم    مدرب سموحة: التأهل لمجموعة التتويج إنجاز كبير وهدفنا التواجد بالمربع الذهبي    أخبار × 24 ساعة.. وزارة الأوقاف تعلن ضوابط الاعتكاف والتهجد.. ممنوع التصوير    سوسن بدر: كنت أما لوالدتي في رحلة مرضها مع الزهايمر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"تميم البرغوثى" يكشف الأوهام الحميدة
نشر في الشعب يوم 15 - 07 - 2015

تحدث الشاعر والكاتب الفلسطينى تميم البرغوثى عن الأوهام التى تجتاح الوطن العربى ونسيانهم لأهم القضايا القومية والمحلية ايضًا كاشفها طرق التحالف الصهيو أمريكى فى زعزعه استقرار الوطن العربى داخلياً وجره للعنف وللامبالاه تجاه ما يحد مع الأشقاء.
شاهد المقال:.
تصنع الحقيقة الوهم أحيانا، فحين تتخيل حصانا بجناحي نسر، فإنك تؤلف وهما من حقيقتين، لكن في أحيان أخرى يصنع الوهم الحقيقة، وتصنع الأحلام التواريخ، ومن توهم إنسان بجناحين ظل يلح بوهمه على التاريخ حتى صار التاريخ يجلس بجانبه في الطائرة ويفاضل بين النافذة والممر.
فإن سألك سائل، في ظل كل هذا الموت، وحكم الجنرالات العاطفيين، الفلاسفة منهم والأطباء، وأمطار البراميل المتفجرة، وهرولة طائفتي الأمة للتحالف مع عدوها، كيف تتمسك بالأمل في ثورة وتحرير وتوحيد؟ قل له: إن كان لديك وقت، فاسمع هذه القصة من التاريخ:
دخل الصليبيون أنطاكية في عام 1098 بعد حصار طويل، كان أميرها مؤيد الدين ياغيسيان بن محمد السلجوقي، قد استنجد أمير دمشق، شمس الملوك أبا النصر دُقاق بن تتش بن ألب أرسلان، ثم أخاه أمير حلب فخر الملك أبا المظفر رضوان، فخذلاه.
كان الأخوان في حرب على الشام، فخاف الدمشقي أن يعرض ساقة جيشه للحلبيين إن هو قصد أنطاكية وخاف الحلبي أن يترك مدينته نُهبة لعسكر دمشق إن سار هو عنها، ولما رأى السلطان والخليفة في بغداد أن اميرَي الشام عاجزان عن صد الافرنج أَوكلا الأمرَ لأمير الموصل، الأتابك قوام الدين كربوقا بن عبد الله الجلالي، فهي أكبر المدن العراقية القريبة من الشام، وأميرها آمِنٌ من شرقه وجنوبه وشماله، فلو سار غرباً لنجدة أنطاكية لما كان عليه بأس.
إلا أن الوضع العسكري تغير، فقد تلكأ الأتابك في الوصول إلى أنطاكية، وكان أحد القادة الصليبين، المدعو بلدوين البولوني، والذي سيصبح فيما بعد بلدوين الأول ملك القدس، قد انفصل عن جيشهم الرئيسي بفرقته واحتل الرُّها، الواقعة إلى الشمال من الطريق التي تربط الموصل بحلب ثم بأنطاكية. لذلك فقد قرر أمير الموصل أن يسير لاسترجاع الرها أولاً، خوفا من أن يعرض جانب جيشه الأيمن لهجوم صليبي.
لم يكن قرار كربوقا موفقا، فالصليبيون الذين أخذوا الرها قليلون وعددهم لا يكفي لمهاجمة جيشه الضخم، إلا أنهم كانوا قادرين على التحصن في المدينة ومنعها منه. فما كان من قراره إلا أن ضيع ثلاثة أسابيع محاصراً الرها فاشلا في دخولها، واضطر بعدها أن يكمل المسير إلى أنطاكية، ولم يصلها إلا بعد أيام من سقوطها واستيلاء الصليبيين عليها.
ويروي المؤرخون العرب والإفرنج على حد سواء أن الخيل كانت تزلق في شوارع المدينة المرصوف بعضها بالحصى والحجر لكثرة الدم، ولم يترك الفرنجة بيتاً إلا انتهبوه. غير أن قلعة المدينة لم تسقط في أيديهم حيث تحصن فيها شمس الدين بن ياغيسيان وأفلح في صد هجومهم المتكرر عليها إلى أن ظهرت طلائع جيش الموصل. فأصبح الوضع العسكري كما يلي: شمس الدين وصحبه في القلعة يحاصرهم الفرنج الذين يسيطرون على المدينة. والمدينة محاطة بسور عال يجعلها كلها قلعة كبرى. وخارج السور يحاصر المدينة عسكر الموصل.
لا أكتب هذا المقال لمحض السرد التاريخي، ولكن للمقارنة بين المشهدين التاليين:
المشهد الأول: في معسكر الموصل. كان وضع كربوقا رغم ضخامة جيشه حرجا، فملكا حلب ودمشق عليه لا معه، وهو في أراضيهما . فقد كان كل منهما يعلم أن كربوقا إذا انتصر فإنه سيستثمر انتصاره بأن يفرض وصايته على بر الشام كله، وأنهما سيصبحان من تبعه، بل ربما خلعهما السلطان لتخاذلهما وولاه بلديهما.
وقد كان الملكان يريان في الصليبيين حلفاء محتملين، كل منهما يريد أن يخطب ودهم ضد أخيه. فدقاق ملك دمشق لا يضيره أن يرى أخاه الحلبي مهددا بكيان إفرنجي على حدوده الغربية والشمالية في أنطاكية، فينشغل عن دمشق وحمص في الجنوب والشرق، ورضوان ملك حلب أخبره جواسيسه أن هؤلاء الفرنج ما ينفكون يعلنون عن نيتهم الوصول إلى بيت المقدس، وأن هذا يعني أنهم سيستقرون إلى الجنوب من أخيه في دمشق، فيشغله جنوبه عن شماله، ويلتفت للجولان وحوران بدلا من التطلع إلى حماة وحلب. فأضمرا الشر لكربوقا، ودبرا لخذلانه.
أما كربوقا، فكان شديد الثقة في عدد جيشه، حتى أن الامر حين اشتد على الفرنج، طلبوا منه الأمان ليخرجوا، فقال لا يخرجون إلا بالسيف، وحين بدأوا يخرجوا من السور في مجموعات صغيرة رفض مهاجمتهم إلا بعد أن يكتمل عددهم.
المشهد الثاني: في معسكر الإفرنج، المعنويات ليست على ما يرام. المقاتلون على بعد آلاف الأميال من ديارهم، ولقد أدى بهم الجوع إلى أكل خيلهم، وفي بعض الأحيان إلى أكل أولاد المسلمين، وتفشى بينهم المرض والهرب من الجيش، وبينما هم كذلك يفاجأون براهب، يدعى بطرس بَرْثُلُومْيُو، يقول لهم إنه رأى في المنام القديس أندراوس يخبره أن الحربة التي طعن بها السيد المسيح وهو على الصليب مدفونة في كنيسة أنطاكية.
المؤرخون المسلمون يصرون أن برثلوميو كان قد دفن حربة في الكنيسة في اليوم السابق، والمؤرخون الفرنج مختلفون، منهم من أقر بالمعجزة، لأن الجنود وجدوا حربة مدفونة في الكنيسة فعلاً، وبعضهم تبنى رواية المسلمين، حتى أن مبعوث البابا أديمار لُبُوي، عبر عن شكه فيه، لعلمه حربة أخرى محفوظة في القسطنطينية كان يعتقد أنها هي الحربة المقصودة. وحين مات أديمار زعم برثلوميو أنه أتاه في المنام معتذرا من شكه هذا.
وقد استمر برثلوميو في الزعم أن رسائل كانت تصله من القديس أندراوس ومن السيد المسيح حتى انزعج منه رفاقه وأمراؤه، فتحداه بعضهم أن يختبر صدقه بالمشي في النار. وهو كان اختباراً شائعاً في اوروبا العصور الوسطى، فقبل برثلوميو وسار في النار، وزعم أنها لم تصبه بسوء وأن ما لحق به من جروح كان جراء تجمهر الناس حوله، إلا أنه مات بعدها باثني عشر يوماً، واعتبره من تحدوه كاذبا.
لكن زعم برثلوميو أكسب الفرنج الحرب. توحدوا، ولو على وهم، فانتصروا، واختلف الموصليون والحلبيون، على مصالحهم الحقيقية، فخسروها.، وقد كانت هزيمة جيش كربوقا وحلفائه أمام أنطاكية أكبر معركة في بر الشام إبان الحملة الصليبية الأولى، ولم يواجه الصليبيون بعدها تحدياً عسكرياً كبيراً مثلها حتى دخلوا القدس في العام التالي.
أقول إن الحلم الجامع، ربما يكون أنجع أثرا من الحقيقة المفرقة. إن الحلم ربما يدفع بالناس إلى نسيان مؤقت، وحميد، للحقائق، إلى ارتكاب جنون ما يكون هو في ذاته مغيرا للحقيقة.
لقد كان جيش الموصل أكبر بما لا يقاس من جيوش الفرنج مجتمعة، ولكن إيمانهم بفكرة توحدهم، حتى وإن لم تكن حقيقيةً أدى بهم لارتكاب الجنون الحميد، فقرروا مواجهة الجيش الكبير على قلتهم. أما عقلانية عسكر الموصل وحلب ودمشق وحساباتهم الدقيقة، وخوف كل طرف منهما أن يخونه الآخر، وسبقه لأخيه بالخيانة احتياطا، فقد أدت بهم جميعاً للهزيمة، وإلى قرنين من الزمان تسلط فيهما الغزاة على بر الشام.
أقول دعنا نتوهم أن النصر ممكن، فيصبح ممكنا، وقديما قال نجار جليلي وديع: بقدر إيمانك، يكون لك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.