في كل شوارع المدن الجديدة في مصر. وفي العديد من أحياء القاهرة مثل مدينة نصر والمعادي ومصر الجديدة فإن الناس اعتادت رؤية عمال اليومية الذين يفترشون الحدائق في انتظار وصول أي مقاول للأنفار وأعمال البناء يسند إليهم عملا..! وكان ممكنا أن يعملوا وأن تتوافر فرص العمل في العديد من مشروعات البناء بالمدن السكنية الفاخرة حول الطريق الدائري وفي التجمعات الجديدة وأن يشجع توافر فرص العمل علي قدوم آخرين من المحافظات. ولكن الحال تبدلت بعض الثورة وحيث توقف العمل في العديد من المشروعات الإسكانية لحين اتضاح حركة التعاملات في السوق. ووجد هؤلاء العمال ان جلوسهم في الحدائق قد طال وأن البطون الخاوية قد بدأت تئن من الجوع. ولم يكن هناك مفر من البحث عن بديل آخر في ظروف وأوقات غاب فيها الأمن وأصبح في مقدور كل مواطن أن يفعل ما يحلو له! وانطلق هؤلاء العمال ليتحولوا إلي باعة جائلين غزوا كل شوارع مصر ومدنها واحتلوا الأرصفة ومداخل العمارات ومواقف السيارات أيضا. ولم يكن ممكنا في عام الثورة الأول التصدي لهم أو التعامل معهم. فالناس التي أساءت فهم معني الثورة ومفاهيم الحرية والحقوق أصبحت تجد من المبررات والحجج ما يحقق لها مصالحها دون اكتراث بمصالح المجتمع. ولم يكن الأمر قاصرا علي عمال التراحيل أو عمال اليومية وحدهم. إذ أن العديد من البلطجية وجدوها فرصة ملائمة لإقامة مقاه وكافتيريات في الطريق العام وبدون تراخيص وبكهرباء تم سرقتها علنا من أعمدة الكهرباء في الشارع. واستيقظت مصر لتجد أن شوارعها قد تم احتلالها من الباعة الجائلين والبلطجية الذين اتحدوا وشكلوا حائطا للصد أمام أي احتجاج أو شكوي للمواطنين. وتحركت الشرطة بعد ان اصبح لمصر رئيس بعد الثورة وأرادت ان تعيد الأوضاع الي سابق عهدها وأن تخلي الشوارع من الباعة الجائلين لكي تنتظم حركة المرور ويعود الأمن والامان الي الشارع. وكانت الشرطة تعتقد أنه بمجرد ظهور سياراتها وتحرك أعداد كبيرة من جنود الامن المركزي لملاحقة هؤلاء الباعة فإنهم سيبادرون الي مغادرة الشوارع والعودة من حيث أتوا..! ولكن هذا التصور كان من خيالات الماضي أيضا. فمعارك الكر والفر كانت هي السائدة في الأيام الأولي للعملات الأمنية. حيث يفر الباعة مع تواجد الأمن ليعودوا في اليوم الثاني بكثافة أكبر. إلي أن أصبحوا لايهتمون بوجود الأمن ولايفرون ونظموا صفوفهم أيضا للدخول معه في معارك ومواجهات. وفي ميدان الجيزة الذي احتلوه والذي يهددون فيه أي مواطن بالسنج والمطاوي ان حاول الاحتجاج فإنهم لم يكتفوا أيضا بالمواجهات مع الشرطة بل قاموا بنصب كمين لهم واحتجزوا ثلاثة من رجال الشرطة واستولوا علي سلاحهم وكادوا أن يقتلوهم لولا تدخل بقية رجال الشرطة وفك أسر زملائهم..! ولم تعد القضية بذلك أمنية فقط. إذ أن الباعة الجائلين نجحوا في أن يكون لهم صوت أيضا بعد أن أصبح معهم السيف. وبدءوا يتحدثون عن حقوق "التوطين" في أماكنهم وإيجاد أسواق لهم باعتبار أن ما يقومون به يمثل مصدر الرزق الوحيد لهم والا تحولوا الي بلطجية وعاطلين وقطاع طرق..! ونجحوا بذلك في فرض قضيتهم ووجودهم. وسارعت العديد من المحافظات إلي محاولة إقامة أسواق مؤقتة لهم وتقنين أوضاعهم. ولكن بقية المحافظات فشلت في ايجاد الحلول.. ولم تحاول الحل إلا من خلال الحملات الأمنية كعادة كل أجهزة الدولة في إلقاء العبء علي الأمن لمواجهة الاحتجاجات والاعتراضات. ولا حل إلا بأفكار جديدة تسمح بأن تكون هناك أسواق ليلية للباعة الجائلين يتم استثناؤها من ساعات اغلاق المحلات في العاشرة مساء. فوجود هذه الأسواق وعملها في هذا الوقت سيكون بديلا عن صمت القاهرة بعد العاشرة مساء ووسيلة للترويج لهؤلاء الباعة تضمن الإقبال عليهم وتدفعهم للبقاء في هذه الأسواق. ان انتشار الباعة الجائلين علي هذا النحو في كل شوارع مصر يمثل ظاهرة لها انعكاساتها الأمنية السلبية. وتمثل تهديدا لأمن المواطن في كل مكان. فهي ليست قضية بحث عن الرزق فقط بقدر ماهي قضية أمن مجتمع. ** ملحوظة أخيرة .. رحل أحمد عبدالقادر في صمت.. رحل المحرر العسكري القدير للجمهورية وفقدنا بطلا آخر من أبطال أكتوبر. يرحمك الله أيها الزميل العزيز