تكريم 43 من حفظة القرآن الكريم المعلمين ببني سويف.. صور    مستشفيات جامعة عين شمس تحذر العاملين بها من هذا الأمر (مستند)    فتح باب التظلم على نتيجة مسابقة وظيفة عامل مسجد بالأوقاف عبر بوابة الوظائف الحكومية    رئيس جامعة القاهرة: دورنا لا يقتصر على التعليم بل يمتد لتنمية وعي الطلاب    إحالة 3 من مديري المدارس وموجه ومعلمين للتحقيق لعدم الانضباط في قنا    سيد رجب يكتشف الحقيقة ويحاول إصلاح مشاكل الماضي في "بيبو"    أخبار × 24 ساعة.. إجازة عيد الفطر 2026 من الخميس 19 مارس حتى الاثنين 23 مارس    رئيس برلمانية حماة الوطن: ندرك حجم التحديات ونتابع تداعيات زيادة أسعار المحروقات    تموين سوهاج: توزيع 66867 أسطوانة بوتاجاز بجميع المراكز خلال أسبوع    نائب محافظ الفيوم يتفقد مجمع مواقف أبشواي    وزير التموين: الدولة تؤمّن السلع الأساسية وتكثف الرقابة لمنع الاستغلال    سقوط طائرتين مسيرتين في حقل مجنون النفطي جنوبي العراق    لبنان.. سماع إطلاق نار وانفجارات محدودة في محيط الضاحية الجنوبية لبيروت    مجلس الأمن يرفض مشروع قرار روسي بشأن وقف التصعيد في الشرق الأوسط    إيران: دمرنا جزءا كبيرا من قدرات الرادار الإسرائيلية والأمريكية    مستشار الأمن الوطنى البحرينى ينقل تعازى الملك إلى أسرة ضحية العدوان الإيرانى    ترامب: دمرنا سلاح الجو الإيراني بالكامل ولن نغادر إيران حتى يتم إنجاز المهمة    سبورتينج لشبونة يسقط أمام بودو جليمت بثلاثية في دوري أبطال أوروبا    بعد ختام المرحلة الأولى، موعد قرعة نهائيات الدوري الممتاز بمشاركة 7 فرق    معتمد جمال: سنغلق ملف الدوري بعد الخسارة من إنبي ونركز على الكونفدرالية    ريال مدريد يدك شباك السيتي بثلاثية.. وفالفيردي يواصل ما بدأه ميسي ورونالدو    رغم التأخر بهدف.. هتافات حماسية من جماهير الزمالك أمام إنبي.. شاهد    محمود صابر يحصل على جائزة رجل مباراة زد ومودرن سبورت    فريق قناة الحياة يتوج ببطولة المتحدة الرمضانية عقب الفوز على سينرجي 6-1    الشريعي ل في الجول: تصريحاتي قبل مباراة الزمالك كانت لرفع الضغط عن اللاعبين    الشريعي: إنبي حقق هدفه أمام الزمالك بالتأهل لمجموعة البطولة    ضبط 4 أشخاص لاقتحامهم محل بقالة والتعدي على مالكه بسلاح أبيض في الشرقية    ننشر المسارات البديلة.. غلق كلي مؤقت لشارع 26 يوليو بالجيزة لتنفيذ أعمال مشروع المونوريل    محافظ الدقهلية: لن نسمح بعودة الإشغالات والقانون يطبق بحسم (صور)    الداخلية تكشف التفاصيل الكاملة ل«بوست» يدعي تعذيب «كلب» بالسويس| صور    ياسمين عبد العزيز.. وحملات التشويه    صبري عبدالله يكتب: صرخة الخواجه جي بي تي    نصائح لمن هم فى خريف العمر !!    د. هدي محمد عبد الرحمن تكتب: الفلسفة كفن للحياة "خطوات بسيطة لعيش حياة هادئة وسعيدة"    مسلسل على قد الحب حلقة22K مها نصار تخطط لخطف ابنة نيللي كريم    الحلقة 22 من وننسى اللي كان، كريم فهمي يبدأ التحكم في حياة ياسمين عبد العزيز    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء الليلة الثانية والعشرين من رمضان    في ذكرى فتح مكة.. أعظم 3 رسائل أقرها النبي صلى الله عليه وسلم في العفو والصفح والتسامح    وزارة الصحة توضح أفضل مواعيد تناول أدوية الغدة الدرقية خلال شهر رمضان    أسباب الفتق الإربي عند الأطفال وأعراضه    استعدادا لعيد الفطر، طريقة عمل السابلية أحلى وأوفر من الجاهز    بعد معركة قانونية طويلة.. أحكام نهائية لصالح شركة للإنتاج الفني ضد شيرين عبد الوهاب    وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره البحريني مستجدات التصعيد العسكري بالمنطقة    محافظ شمال سيناء ومدير الأوقاف يكرمان حفظة القرآن الكريم    موعد إجازة عيد الفطر المبارك 2026    "صحة دمياط": 1.3 مليون جنيه لدعم المستشفيات    زكاة الفطر.. الإفتاء: يجوز إخراجها عن الصديق أو الجار وعن أولاده وزوجته    وكيل صحة الدقهلية يجري مرورًا مسائيًا على مستشفى ميت غمر لمتابعة مستوى الخدمات    رزان جمال ل رامز جلال: " أنا عاوزة أتجوز وموافقة أتجوزك"    مجلس جامعة الدلتا التكنولوجية يقر إنشاء مجلس استشاري للصناعة    الأرصاد تحذر من تقلبات جوية وأمطار الجمعة والسبت    المؤبد ل5 متهمين في قضية خطف وسرقة بمركز مغاغة في المنيا    وزير الأوقاف يجتمع بمديري المديريات الإقليمية    طلب إحاطة للحكومة بسبب نقص السلع التموينية الأساسية على البطاقات التموينية بمدينة رأس غارب    اعتماد الخطة التنفيذية لاستراتيجية الذكاء الاصطناعي والمؤشرات الفرعية    وزيرة التنمية المحلية تتابع الموقف التنفيذي لمنظومتي التذاكر الإلكترونية للمحميات    مصرع وإصابة 4 أشخاص في انقلاب سيارة بالشرقية    صندوق «قادرون باختلاف» يشيد بمسلسل اللون الأزرق: دراما إنسانية ترفع الوعي بطيف التوحد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في موكب النور.. بين أحمد والمسيح
نشر في المصريون يوم 31 - 12 - 2015

في هذه اللحظات النورانية المحيطة التي شهدت مولد البشير أحمد وأخيه المسيح، عليهما السلام، تعاودنا الذكرى العام بعد العام، تعاودنا ذكرى من النور الهادي والمسرات المفعمة بالحب والأمل .. بيد أنها تعالج فينا قلوبا كالحجارة صلدا وكبرا، وتقتحم نفوسا عصية كالجياد جموحا وحمقا.. ولا زال موكب النور يسير في مضماره ويلقي بهدايته للعالمين .. والبشرية من حولنا تفارق الإنسانية التي بعثها المسيح والروح الإنسانية فينا تخاصم الروح التي أحياها أحمد .. والحق أقول: إن إنسان النبوة يموت من حولنا في كل المواطن .. ونحن في تيه عنه تفرقت بنا السبل وتقطعت بنا الذرائع.. فلا عجب أن نرجع القهقرى حضارة وثقافة وإنسانية...
نتساءل.. لماذا يعاني العالم اليوم ويلات الحروب؟ لماذا تنفق الدول ميزانيتها على سوق التسلح؟ أي شيطان يرسم خارطة الأولويات في حياة الإنسان المعاصر؟ لماذا تشتعل نيران التطرف ومحارق الطائفية الدينية والمذهبية؟ ألم تتضاعف موارد الأرض عشرات المرات؟ ألا يوجد ما يكفي من الماء والطعام والرفاهية للبشر جميعا؟ ألا يوجد في الأرض من السكن الجميل والحدائق الغناء ما تستظل به الإنسانية جمعاء؟
نعم... إجابة قاطعة.. يعلمها صناع القرار وسدنة معابد الحروب وتجار الدماء وعشاق التسلط؛ فلو قرر الساسة صناعة السلام بدلا من الحرب، وصناعة الرفاهية بدلا من السلاح، وصناعة الحب بدلا من الكراهية، وصناعة الحرية بدلا من التبعية، وصناعة الأخوة بدلا من العنصرية.. لتغيرت حياة الإنسانية جمعاء... هنا نلفت انتباه الأمم المتحدة وقادة الدول .. نلفت انتباه الرؤساء والزعماء وصناع القرار .. هذه رسالة المسيح ورسالة نبي الرحمة... فهلا تابعتموهم حقا..
جاء المسيح إلى مجتمع تسوده الوثنية ويقوده المنافقون.. وولد محمد في عاصمة الوثنية القديمة حيث الأصنام تحاصر الكعبة من كل ناحية.. ومن حولهما مجتمع يقوده أصحاب المال والمصالح .. ولكن إلى أين؟ لا أحد يدري.. فلنستمر ولو كانت الدفة تسير إلى الهاوية.. ولو لكانت الحرب على الإنسان.. ولو كانت الغاية غاية دنية تستلذ عذابات الإنسانية واستعباد البشرية والتلاعب بمصائر الناس...
على هامش هذا المجتمع القديم الحديث —وهو هامش عريض شمل أغلبية الإنسانية حينئذ— يئن المساكين، ويقضي الجوعي، وتموت الأحلام .. وعلى ضفافه البائسة تزدهر الأشواك .. تنعدم الرحمة.. يستشري النفاق والكبر.. تنتشر الوثنيات المختلفة.. يتكاثر الطواغيت.. تتقد نيران الكراهية.. تضمحل جداول الحب... تنتحر الإنسانية!!!
حينئذ عزّى المسيحُ المساكين والمحرومين والمهضومين والعبيد .. فعادت دمعات المقهوين ضحكا، وعاد يأس البائيسين أملا.. بينما جمع محمدُ أهل الضعف والمسكنة والحاجة والمسغبة إلى نفسه ”اللهم أحييني مسكينًا وأمِتني مسكينًا واحشرني مع المساكين“ (الترمذي) ”أحبوا الفقراء وجالسوهم“ (الحاكم) ونسبهم إلى بيته: ”سلمان منا آل البيت“ (الطبراني والحاكم) فأنزلهم منزلة الأهل والخلصاء وأخرج أعظم ما فيهم من قيم الخير والبر والسمو فصنع منهم قادة الإنسانية ورواد الحرية وأنصار المساواة والعدالة الإنسانية... ثم رحل وتركهم يقودون سفينة السلام والحب والرفاهية، وهل خير من محروم يعطي من غنى بعد حرمان!! ومن ودود يرحم من نفس زللتها لحظات القسوة والهوان!!
من قديم .. نادي المسيح بجلالة الإنسان وأعاد الحياة إلى أهل المسكنة والحزن والفقر: ”طوبى للمساكين بالروح؛ لأن لهم ملكوت السموات.. طوبى للحزانى لأنهم يتعزون.. طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يُشبعون.. طوبى للرحماء لأنهم يُرحمون.. طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله .. طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات..“ (متى، السفر الخامس) ..
ومن بوارق إشارات النور النابضة بحكمة الوحي جاء الحبيب محمد فأكدها ونفخ بسناها الرقراق الروح الإنسانية وعاد بالحياة إلى سنتها الأولى.. كان الناس إنما يحترمون أهل الجاه والقوة ففتح أمام الضعفة والفقراء دروب الأمل وأبواب الحرية ثم وعدهم الجنة تعزية عما فاتهم من هالك الدنيا: ”اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء“ (البخاري ومسلم)، وسرهم بما لهم من بقاء فأغناهم عما فاتهم من الفناء: ”تَجْتَمِعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَالُ:أَيْنَ فُقَرَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ وَمَسَاكِينُهَا؟ قَالَ: فَيَقُومُونَ ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا عَمِلْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا ابْتَلَيْتَنَا فَصَبَرْنَا ، وَآتَيْتَ الأَمْوَالَ وَالسُّلْطَانُ غَيْرَنَا ، فَيَقُولُ اللَّهُ: صَدَقْتُمْ ، قَالَ: فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّاسِ ، وَيَبْقَى شِدَّةُ الْحِسَابِ عَلَى ذَوِي الأَمْوَالِ وَالسُّلْطَانِ..“ (ابن حبان).
كانوا يأنفون صحبة الفقراء فقال لأصحابه: ”أحبوا الفقراء وجالسوهم“ (الحاكم).. كما أنفوا حبهم ومودتهم فأمرهم بحبهم كما رواه أَبو ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي بِسَبْعٍ: ”أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ..“ (أحمد)، ولما جاءوا إليه برجل قد هاب مجلسه فوجل وارتعد، قال له: ”هوّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد “ (الطبراني والبيهقي).
وكان الناس إنما يتناكحون ويتفاخرون على الأنساب حتى تكاثروا بالنابهين والسادة من الأموات ”ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر“ (القرآن، 102: 1-2 ) فجاءهم يعصف بمقاييس الدنيا ويثبت أصول الخير والبر والتقوى: ”إن أكرمكم عند الله أتقاكم“ (القرآن، 49: 13)... ”إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ“ (الترمذي)..
كان الناس إنما يصحب بعضهم بعضا على الدنيا، فأبدلهم بها الأخوة الكاملة وجعلها آية لحب الله ونيل رضوانه فقال مبلغا عن ربه: ”وجبت محبتي للمتحابين في، وللمتجالسين في، والمتباذلين في، والمتزاورين في“ (مالك في الموطأ). ”سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ .. َرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ, اجْتَمَعَا عَلَيْهِ, وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ“ (متفق عليه).
وكما حذر المسيح من أهل النفاق في الدين وعباد المصلحة في الفكر والثقافة فقال: ”احْذَرُوا مِنَ الْكَتَبَةِ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ الْمَشْيَ بِالطَّيَالِسَةِ، وَيُحِبُّونَ التَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، وَالْمُتَّكَآتِ الأُولَى فِي الْوَلاَئِم.. اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ، وَلِعِلَّةٍ يُطِيلُونَ الصَّلَوَاتِ. هؤُلاَءِ يَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ “ (لوقا، 20-47)، (مرقس، 12: 38).
نعم .. من هذه المشكاة النورانية ذاتها تدفقت كواشف الوحي تجلي صفاتهم؛ فتذكر تأنقهم في الحديث والصورة مع ظلمة القلوب وفساد الطوية: ”وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ.. “، (القرآن، 63: 7)، وتعري فساد عقيدتهم وأمانيهم الباطلة الراغبة في إفساد الناس: ”وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً“ (القرآن، 89).. وعرف النبي بدقيق خاصلهم فقال: ”إِنَّ لِلْمُنَافِقِينَ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا: تَحِيَّتُهُمْ لَعْنَةٌ ، وَطَعَامُهُمْ نُهْبَةٌ ، وَغَنِيمَتُهُمْ غُلُولٌ ، وَلَا يَقْرَبُونَ الْمَسَاجِدَ إِلَّا هَجْرًا ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا دَبْرًا ، مُسْتَكْبِرِينَ ، لَا يَأْلَفُونَ وَلَا يُؤْلَفُونَ ، خُشُبٌ بِاللَّيْلِ ، صُخُبٌ بِالنَّهَار“ (أحمد).
كان أهل الزمان يمتدحون الشدة والفتك ويعيشون للثأر والانتقام ويلهجون بالحروب والدماء.. يقتل بعضهم بعضا لعبا ولهوا وصراعا وشغبا، فقال لهم المسيح: ”طوبى لصانعي السلام. لأنهم أبناء الله يدعون ...“ (متى، السفر الخامس) وقال لهم: ”قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم.. وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم.. ومن قال: يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم.. فان قدمت قربانك الى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئا عليك.. فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك. وحينئذ تعال وقدم قربانك“ (متى، 5: 21-25)..
ومن بعده قام فيهم أحمد يذيع رسالة السلام فريضة لازمة لا ريبة فيها وينهى عن الدماء لأنها طريق الشيطان: ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ“، (القرآن، 2: 208)، حتى إذا استبدت الحياة بمعاركها واستبدت الشياطين بنفوس الناس.. بث إليهم عوالج نفسه بوجوب اللجوء إلى الله أن يجنبهم القتال: ”لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية“ (البخاري). وهو بعدُ يتلو عليهم كلام الحي الذي وهب الحياة ووضع حرمتها وقدسيتها: ”مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا“ (القرآن، 5: 32)، ”وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ “ (القرآن، 6: 151).
كانت حياته لصناعة الجنة والجنة موقوفة على نشر المسامحة وكظم الغيظ وحفظ الحياة: ”وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.. الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ“ (القرآن، 3: 133-134). ”من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه ملأه الله أمنا وإيمانا“ (أبو داود).. وردع الناس عن التطاول والاستهزاء بإخوة الإنسانية ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ “ (القرآن، 49: 11)، وجعل هذه الوقاحات خلعا لستر الإيمان ونقضا لطهارته الزكية: ”المؤمن ليس باللعان ولا الطعان ولا الفاحش ولا البذيء “ (أحمد)..
جمع الله رسالة نبيه في”الرحمة“ فقال له: ”وما أرسلنالك إلا رحمة للعالمين“ (القرآن، 21: 107).. وأوجز النبي رسالته فيها فقال: ”إنما بعثت رحمة مهداة“ (الحاكم والطبراني) بل جمع النبي النجاة والجنة في الإيمان .. وجمع معاقد الإيمان في الحب .. وجعل سبيل الحب ”السلام“ فقال: ”لاَ تَدْخُلُوا الجَنَّة حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أدُلُّكُمْ عَلَى شَيءٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ“ ... ولم يزل يلهج بالإنسانية وحبها حتى أخذت مكانها في قلوب الأحرار والعبيد، حتى جمع عمار بن ياسر الإيمان في العدالة والسلام والسخاء فقال: ”ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإيْمَانَ: الإنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وبَذْلُ السَّلاَمِ للعَالَمِ، والإنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ“ (البخاري تعليقا)... وليس هناك من عجب فقد اهتدى عمار إلى لب اللباب وغاية الصواب، وكان رضي الله عنه عبدا فحرره الإسلام، مستضعفا فرفعه الإسلام، مؤخرا فقدمه الإسلام..
هذه أيها السادة رسالة إلى صناع السلام من أتباع المسيح وأحمد .. نداء القلب إلى القلب .. والعالم تفتك به الحروب والدماء.. ومشاهدة نشرات الأخبار كفيلة بزرع اليأس والبأس والقنوط في قلوب الناس.. وخلق بيئة مثالية للفكر المتطرف... لقد خاطب المسيح ومن بعده الحبيب محمد.. فيكم الصلاح والخير وذكرا بدوركم وريادتكم للبشرية، فقال المسيح عليه السلام:
- أنتم ملح الأرض ولكن إن فسد الملح بماذا يملح؟ ... أنتم نور العالم، لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل.. فليضي نوركم هكذا قدام الناس.. لكي يروا أعمالكم الحسنة... (متى، السفر الخامس)..
- أحبوا أعداءكم .. أحسنوا إلى مبغضيبكم.. باركوا لاعنيكم.. صلوا لأجل الذين يسئيون إليكم اغفروا يغفر لكم.. (لوقا، السفر السادس)
وفتح محمد أمامكم دروب النور وطريق الحياة وسبيل السعادة ...
- أفشوا السلام.. أطعموا الطعام.. صِلُوا الأرحام... (أحمد والترمذي)
- أحبوا المساكين .. قربوا الفقراء .. (أحمد والحاكم)
- ارحموا المحرومين.. اعطوا من حرمكم.. اعفوا عمن ظلمكم.. صلوا من قطعكم.. (أحمد)
- ابذلوا السلام للعالم...
دعونا نحلم ب”يوم الحياة“ يوم تعيش الأرض يوما قدسيا يمر علينا دون دماء ودون قتل ودون تفجير أو هدم أو تحقير لكرامة الإنسان...

جامعة الأزهر الشريف.. عضو المجلس الأعلى لشئون الإسلامية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.