قلوب مفعمة بالرجاء في صلاة اليوم الرابع من أسبوع وحدة المسيحيين بشبرا    أسعار الخضار اليوم "رمضانية" بامتياز.. زيادات كبيرة تضرب الأسواق    وزير الخارجية يجري اتصالين بنظيره الإيراني وستيف ويتكوف لبحث خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية    حزب العمال الكردستاني: أحداث سوريا انتكاسة لعملية السلام في تركيا ومؤامرة تهدف إلى عرقلتها    وكالة: واشنطن تشك في ولاء الرئيسة الفنزويلية المؤقتة    اتصالات لوزير الخارجية مع نظيره الإيراني والمبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط لبحث التطورات الإقليمية وخفض التصعيد    جولة ليلية لمحافظ الإسماعيلية ضد الإشغالات وسرقة الكهرباء | صور    تضرب نصف محافظات مصر، خريطة سقوط الأمطار الرعدية والمتوسطة والخفيفة اليوم    بن سلمان لبزشكيان: السعودية لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها ضد إيران    ارتفاع تاريخي للذهب.. الأوقية تتجاوز 5200 دولار وسط ضبابية اقتصادية    إخماد حريق داخل شقة سكنية فى مدينة بدر دون إصابات    لا يوجد له علاج أو لقاح، الصحة العالمية تتحدث عن عودة أخطر الفيروسات في العالم    طريقة عمل طاجن فاصوليا بيضاء صحي، وجبة شتوية متكاملة    ميلانيا ترامب تعلق على احتجاجات مينيسوتا.. "احتجوا بسلام"    بين هاجس ارتفاع الأسعار وطمأنة الحكومة.. إقبال كبير على شراء مستلزمات رمضان    منى عشماوي تكتب: ليس كل تحرك للأساطيل الأمريكية وراءه ضربة عسكرية!    جولة ميدانية شاملة بالأقصر| الأمين العام للآثار يتابع البعثات والاكتشافات ومشروعات الترميم الكبرى    فيروز أبو الخير تتأهل إلى نصف نهائي بطولة سبروت للأبطال 2026    عاجل ترامب يعلن قرب الكشف مرشحه لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي    الدوري المصري، محمود وفا حكما لمباراة الزمالك وبتروجيت ومعروف للمصري وسيراميكا    وكيله: توروب متمسك باستمرار ديانج مع الاهلي أمام عرض فالنسيا    أحمد هاشم يكتب: كلنا مسئولون    ممدوح الصغير يكتب: صناعة الوعي في زمن الصراعات    30 دقيقة تأخير في حركة القطارات على خط «القاهرة - الإسكندرية».. الأربعاء 28 يناير 2026    تحرير محضر ضد 8 من أسرة مدرب كاراتيه بعد مشاجرة أمام محكمة الفيوم    إصابة 8 أشخاص في انقلاب سيارة بالطريق الزراعي بالبحيرة    السيطرة على حريق بمحل بويات فى المنوفية    أمريكا تستعد لفتح سفارتها في فنزويلا بعد إغلاقها 6 سنوات    «طفولتي حتى الآن».. رواية تتحدث عن ذاكرة تكتب كل يوم    حفل كتاب الرسائل المصرية.. أنشودة فى حب مصر بحضور الرئيس اليمنى الأسبق على ناصر.. فيديو    صدور كتاب «التصوف والدولة الوطنية» في معرض القاهرة الدولي للكتاب    محمد علي السيد يكتب: تفليت.. قصة    ياميش رمضان 2026.. الغلاء يفرض «الميني» على موائد الأسر    سيناريو محدد ونفذناه، إكرامي يكشف عن مفاجأة الخطيب قبل جلسة رمضان صبحي بيومين (فيديو)    قالوا للحرامي احلف".. يوسف بطرس غالي ينفي الاستيلاء على أموال التأمينات ويمدح السيسى    «باركوا لأبو الولاد».. زينة تثير الجدل حول زواج أحمد عز    إجراء المقابلات الشخصية لراغبي القيد في الجدول العام للمحامين، غدا    رئيس قضايا الدولة: الهيئة تضطلع بدور عبر العمل على تحقيق العدالة الناجزة    الجنيه يبدأ ريمونتادا الإصلاح الاقتصادى ويهزم الدولار بسلاح الصرف الرباعى    كومو يقصي فيورنتينا من كأس إيطاليا ويفوز عليه بملعبه 3-1    موعد مباريات اليوم الأربعاء 28 يناير 2026.. إنفوجراف    حارة ودن القطة.. حين يصير العبث قانونا    دار الشروق تطرح رواية «حوض ريان» للروائي إبراهيم المطولي    الزراعة: لا زيادة فى رسوم تطهير المساقى دعما للمزارعين    وزير الشباب والرياضة يهنئ رئيس مجلس النواب ويبحثان سُبل التعاون المشترك    شريط لاصق على هاتف نتنياهو يثير جدلا واسعا حول الأمن السيبراني.. كيف تحمي بياناتك من التجسس؟    عضو التنسيقية تطالب بتوفير لقاحى الروتا والمكورات الرئوية مجانا للرضع    أمين الأعلى للشئون الإسلامية: الخطاب الديني الحقيقي هدفه الأخذ بيد الناس للطريق المستقيم    أبرزها المثلية، المفتي يحذر من دعوات تروج لانحرافات أخلاقية تحت ستار التقدم    مفتي الجمهورية: دار الإفتاء تنظر إلى الطلاق بوصفه أحد أسباب ضياع الأسر والمجتمعات    ضمور العصب البصرى و«تعفن الدماغ» وتدهور الوظائف المعرفية.. أبرز الأضرار    تجديد تكليف محمد مصطفى عبدالغفار رئييا ل"المستشفيات التعليمية"    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 27يناير 2026 بتوقيت المنيا    خالد الجندي: الصمت عبادة من أعظم العبادات المهجورة    وزارة الأوقاف: مفيش وقت محدد لصلاة التراويح.. والأمر متروك لظروف كل مسجد    للعام الثالث على التوالي.. طب عين شمس تحتفي بتخريج الطلاب الوافدين دفعة 2025 | صور    طلاب زراعة قناة السويس يشاركون في الدورة الأربعين مصريًا والأولى أفرو-عربيًا بجامعة القاهرة    الأهلي يواجه وادي دجلة في مباراة لا تقبل القسمة | بث مباشر الآن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السيد عبدالعزيز سالم.. عاشق التاريخ والآثار
نشر في المصريون يوم 14 - 08 - 2015

حديثنا اليوم عن علم من رواد تاريخ العصور الوسطى فى مصر والعالم العربى بما خلفه من آثار وأبحاث متخصصة فى هذا المجال، إنه الأستاذ الدكتور السيد عبدالعزيز سالم، أستاذ تاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية فى كلية الآداب جامعة الإسكندرية، التى اشتهرت بأعلامها فى مجال تاريخ الأندلس منهم الأستاذ عبدالحميد بك العبادى، والدكتور أحمد مختار العبادى، والدكتور سحر السيد عبدالعزيز، والدكتور حمدى عبدالمنعم، وغيرهم كثير..هو أحد الأعلام الذين جمعوا بين تخصص الآثار والتاريخ ومزج بينهما فى معظم مؤلفاته وبرع فى الأندلسيات وقدم لنا أبحاثا ومصنفات ومقالات سواء فى الدوريات المتخصصة أو العامة شهد بها القاصى والدانى فى مصر وخارجها..امتلك الدكتور سالم أدوات المؤرخ من حسن لاستخدام الوثيقة والمصدر وتعلم اللغات الأجنبية التى أعانته كثيرا فى أبحاثه..نتذكره بعد مرور اثنى عشر سنة على رحيله ..

ولد الدكتور السيد عبدالعزيز سالم فى مدينة طنطا 28 ديسمبر 1928، فى عائلة عريقة تمتد جذورها إلى مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية لأب كان يعمل موظفاً بوزارة العدل وكان له ابن عم يدعى "السيد محمود سالم" عين وزيرا فى أول وزارة بعد حركة 23يوليو1952 وزارة على ماهر باشا، تعلم فى مدارس طنطا، إلى أن حصل على البكالوريا ثم التحق بقسم الآثار فى كلية الآداب جامعة فاروق الأول (الإسكندرية) حتى حصل على الليسانس منها عام 1950، وكانت تعج بكوكبة من الأساتذة منهم: الأستاذ عبدالحميد بك العبادى، والدكتور جمال الدين الشيال، والدكتور عزيز سوريال عطية، وغيرهم..ثم يسافر إلى أسبانيا ويحصل هناك على دبلوم الآثار الإسلامية من مدرسة العمارة جامعة مدريد 1952 ومن أشهر أساتذته العالم الأثرى الكبير "توريس بلباس" الذى استفاد منه كثيراً بعد ذلك عندما ألف كتابه الفريد "تاريخ مدينة المرية الإسلامية" وخصوصاً بحثيه "جامع ألمرية" و"ألمرية الإسلامية"، ولما ألغى قسم الآثار وكانت أمنيته أن يعمل فى الحقل الأكاديمى فيه فعمل مفتشاً للآثار بالقاهرة، ولم يقف طموحه عند هذا الحد فصمم أن يواصل مشواره العلمى فقرر الذهاب إلى باريس ليحصل على "الدكتوراه" من جامعة السربون عام 1957، وعند عودته عين مدرساً للتاريخ الإسلامى فى كلية البنات جامعة عين شمس بين عامى 1958و1959، بدعم من الأستاذة الدكتور سيدة إسماعيل كاشف، انتقل بعدها إلى كلية الآداب جامعة الإسكندرية، التى ظل بها إلى نهاية حياته، ووقع فى غرام الإسكندرية مثل غيره من المؤرخين مثل الدكتور الشيال التى كتب عنها أكثر من مصنف (وقد فصلنا الحديث عن هذا الأمر فى مقالنا عن الدكتور الشيال) وقد تدرج فى المناصب فصار رئيسا لقسم التاريخ والآثار الإسلامية 1981، وأعير بعد ذلك إلى جامعة بيروت العربية، وعمل أستاذا زائراً بالعديد من الجامعات العربية والأجنبية..

وخلال رحلته العلمية الطويلة نال الدكتور السيد عبدالعزيز سالم العديد من مظاهر التكريم فى مصر وخارجها فنال جائزة الدولة التشجيعية في التاريخ والآثار عن كتابه "قرطبة حاضرة الخلافة الأموية بالأندلس" في عام 1974، ووسام العلوم والفنون المصري من الطبقة الأول عام 1975، ووسام ووشاح الملك "ألفونسو العاشر" العالم، منحته له وزارة التعليم الأسبانية تقديراً لجهوده في خدمة التراث الإسلامي الأندلسي في 1981، ونوط "مانويل دي فايا" أهداه كونسر فاتوار قادس بأسبانيا عام 1979، وجائزة التقدير العلمي لجامعة الإسكندرية عام 1987، كما كان عضوا بالعديد من الجمعيات والهيئات العلمية: شارك سيادته في العديد من العضويات بالجمعيات والهيئات والأكاديميات العلمية في مصر والخارج .

أثرى الدكتور السيد عبدالعزيز سالم المكتبة العربية بعشرات الكتب ومئات الأبحاث المتخصصة، فقد كان غزير الإنتاج واتقن العديد من اللغات الحية مثل العربية والأسبانية والانجليزية والفرنسية، وكان لرحلاته ودراسته فى أسبانيا ثم عمله مديراً لمعهد الدراسات الإسلامية فى مدريد لسنوات، جعله قريباً من المكتبات التى تحوى النفائس فساعده هذه فى كتبه وأبحاثه، كما زار أماكن الأحداث وعاينها، لذا جاءت دراساته فى الأندلسيات عميقة استفاد منها الباحثون فى مصر وخارجها، وقد تنوعت دراساته لتشمل عصورا عديدة من التاريخ الإسلامى تاريخ العرب قبل الإسلام وتاريخ الدولة العربية فى عصورها الأولى والتاريخ الأيوبى والمملوكى ومن كتبه:

فى تاريخ المغرب والأندلس:
"المساجد والقصور في الأندلس"، دار المعارف بمصر 1958، و"تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس"، دار المعارف لبنان 1962 ،"تاريخ مدينة المرية الإسلامية قاعدة أسطول الأندلس"، بيروت 1969، و"تاريخ البحرية الإسلامية في المغرب والأندلس"، بيروت 1969، و"قرطبة حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس"، بيروت 69/1971 (جزآين)، "المغرب الإسلامي" (في جزآين)، مكتب الشعب 1960.

كتب فى العصور الإسلامية المختلفة:
"المآذن المصرية: أصلها وتطورها حتى الفتح العثماني"، مصلحة الآثار المصرية القاهرة 1959،و"بيوت الله مساجد ومعاهد" دار الشعب 1959، و"تاريخ العرب قبل الإسلام" ، الإسكندرية 1967،و"تاريخ الدولة العربية"، بيروت 1969، و"طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي، الدار القومية بالإسكندرية 1967"،و"تاريخ البحرية الإسلامية في مصر والشام"، بيروت 1972، و"تاريخ الدولة العباسية(العصر العباسي الأول)" الإسكندرية 1980، و"دراسات في التاريخ والحضارة الإسلامية والآثار الإسلامية"، بيروت 1992 (في مجلدين).

كما عرف الدكتور سالم أهمية الترجمة فنقل عن اللغات الغربية كتابين مهمين أولهما عن الفرنسية "الإسلام في المغرب والأندلس" تأليف المستشرف الفرنسى الحجة فى التاريخ الأندلسى "ليفي بروفنسال" بالاشتراك مع الأستاذ محمد صلاح الدين حلمي، القاهرة 1958. وثانيهما "الفن الإسلامي في أسبانيا منذ الفتح الإسلامي حتى عصر المرابطين " تأليف المستشرق الأسبانى جومث مورينو بالاشتراك مع الدكتور لطفي عبد البديع، القاهرة 1959.
كما كتب الدكتور السيد عبدالعزيز سالم مئات المقالات في التاريخ الإسلامي في الأندلس وفي التراث الإسلامي بدائرة معارف الشعب تحت عنوان "الأندلس" أعداد 61،64،67 وتشتمل هذه الدراسات على:
1- قواعد الأندلس العظمى وأهم مدنها تاريخيا وأثرياً.
2. العمارة الإسلامية في الأندلس وتأثيرها علي العمارة المسيحية في أسبانيا وفرنسا علي العمارة الإسلامية في المغرب والجزائر وتونس ومصر .
3. الفنون الصناعية في الأندلس.
4. نظم الحكم والإدارة في الأندلس.
5. شخصيات أندلسية: طارق بن زياد موسي بن نصير عبد الرحمن الداخل هشام الرضا الحكم الربضي.
-عشرات المقالات بمجلة (المجلة) من سنة 1957:1961.
- بعض المصطلحات العربية للعمارة الأندلسية بحث منشور بمجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد 1957 .
- مسجد المسلمين بطليطلة بحث منشور بمجلة كلية الآداب جامعة الإسكندرية 1958.
- طرابلس: تاريخها وآثارها الإسلامية الموسم الثقافي لجمعية مكارم الأخلاق الإسلامية – لبنان 1963-1964.
- واقعة الأرك خاتمة الانتصارات الإسلامية في أسبانيا مجلة العلوم – بيروت – يوليو 1964.
-الآثار الإسلامية في دير سانت كاترين بطور سيناء مجلة العلوم – بيروت 1965 –
-التأثيرات العراقية في البناء الحضاري الأندلسي مقال في كتاب المؤتمر الدولي الأول للتاريخ في بغداد 1973.
- تطور العمارة في الأندلس مجلة عالم الفكر ، الكويت 1974.
- أضواء حول مشكلة تاريخ أشبيلية في العصر الإسلامي- مجلة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد 1977.
- البحرية المصرية في عهد الدولة الفاطمية . مع عدد كبير من الأبحاث بلغات أجنبية .

مؤرخ المدن الإسلامية:
جريا على منهج بعض المؤرخين القدامى تناول الدكتور السيد عبدالعزيز سالم دراسة تاريخ وحضارة بعض المدن والحواضر الإسلامية فى العصر الوسيط سواء فى مصر أو الأندلس أو بلاد الشام، وقد حظيت الإسكندرية بنصيب الأسد فى رأس اهتمامته، فهى المدينة التى تعلم فيها وظل يرتقى الوظائف والمناصب فى جامعتها حتى رحيله، بل تولى تدريس مادة تاريخ الإسكندرية التى استحدثت فى قسم التاريخ بكلية الآداب فى نهاية الخمسينيات من القرن الماضى، وقد تميزت بمكانة رفيعة قديماً وحديثاً، وقد زاها العديد من المؤرخين والمفكرين وبهرهم تخطيطها ونظام شوارعها، فامتدحوا مبانيها وعبروا عن إعجابهم بروائعها ووصفوا عمرانها الزاهر وآثارها العظيمة التى احتفظت بها الإسكندرية فى العصر الرومانى والعصور الوسطى، وكان ممن زارها ووصفها المؤرخ "بوليبيوس" فى العصر اليونانى، والجغرافى "سترابون" فى بداية العصر الرومانى. أما فى العصر الإسلامى فقد كانت مركزاً من مراكز الرحلة من عجائب وغرائب، فزارها فى هذا العصر جمهور من الرحالة المسلمين والمسيحيين على السواء، سحرهم بياض أبنيتها ونظافة شوارعها واستقامتها، وكثرة آثارها وسجلوا إعجابهم بهذه الاثار فى كل ما كتبوه من تواليف.

ثم يكتب كتابه "تاريخ مدينة ألمرية الإسلامية قاعدة أسطول الأندلس" الذى طبع لأول مرة فى بيروت عام 1969م وكان فى الأصل بحثا صغيرا نشر عام 1958، ثم عاد بعد إحدى عشر سنة ليصدر كتاباً عنها وألمرية مدينة إسلامية البناء محدثة، أنشأها الخليفة عبدالرحمن الناصر فى سنة 344ه ولم يأل جهداً فى تحسينها والاهتمام بشئونها، وقدر لهذه المدينة أن تلعب دوراً هاماً فى تاريخ الأندلس، فقد كانت أعظم قواعد الأسطول الأندلسى فى عصر الخلافة الأموية وعصر الطوائف، كما أنها كانت المركز الأول للتجارة البحرية مع أقطار البحر المتوسط الغربى والشرقى فى آن واحد، كذلك لعبت ألمرية دورا سياسياً فى عهد ملوك الطوائف وهو دور لا يقل بحال من الأحوال عن الدور الذى لعبته إشبيلية فى عهد الموحدين أو قرطبة فى عصر الخلافة وكانت المنفذ الوحيد لمدينة غرناطة، بعد أن تقلص ملك الإسلام فى الأندلس واصبح يقتصر على مملكة غرناطة فإليها كانت تصل الإمدادت من بلاد المغرب فى القرنين الثامن والتاسع الهجريين.وعليها كانت تعتمد غرناطة فى وصول المجاهدين المغاربة لذلك كان سقوط ألمرية فى أيدى القشتاليين سنة 895ه - 1490م نذيرا بسقوط غرناطة آخر معقل للإسلام فى الأندلس. وقد شحت الدراسات قبله عن هذا الثغر الأندلسى العريق اللهم من أبحاث ومقالات لا تشفى الغليل ولا تتناسب بأى حال من الأحوال مع الدور الحيوى التى لعبته ألمرية فى التاريخ الأندلسى لذلك حرص على دراسة تاريخ المرية دراسة شاملة ورسم صورة كاملة عن حضارتها فى العصر الإسلامى .

وجريا على هذا المنهج كتب مصنفه الكبير"قرطبة حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس"، فى جزاين هذا المدينة التى ضارعت بغداد زمن الخلافة الأموية فى الأندلس وتعرض للجوانب التاريخية والعمرانية من مدينة قرطبة واسهب عند الحديث مسجد قرطبة العظيم وبلغت صفحات هذا الجزء 140صفحة ، كما تعداها إلى قصور الزاهرة والعامرية وآثار قرطبة الأخرى كما تحدث عن الجوانب الفكرية والعلمية ...

وأثناء عمله فى جامعة بيروت العربية قرر أن يساهم بنصيب فى تعريف الباحثين بعبقرية مدينين من مدن الشام هما مدينة صيدا ومدينة طرابلس، فخص كل منهما بكتاب، وخصص لمرحلة الحروب الصليبية قسما مهما من هذه الدراستين ويلاحظ عدم اقتصاره على الجوانب السياسية والحربية بل اهتم بإبراز الأوضاع الحضارية تكملة للمشهد التاريخى العام .
ولم يقف عند هذا الحد بل حرر مواد الأندلس وطليطلة وإشبيلية وماردة وسرقسطة وغرناطة ومرسية وقرطبة فى دائرة معارف الشعب عدد16 سنة 1958.

مؤرخ الآثار وآثرى المؤرخين:
تخرج الدكتور السيد عبدالعزيز سالم قسم الآثار بتفوق وحصل على شهادة عليا من مدرسة الآثار فى جامعة مدريد، وعاد إلى مصر وكله أن أمل أن يلتحق بسلك التدريس فى قسم الآثار وكانت الصدمة أن ألغى القسم فعمل مفتشا للآثار ولكن الوظيفة لم ترو ظمأه ولم يتحقق من خلالها طموحاته وذلك بفعل الروتين القاتل الذى يسيطر على هيئات الآثار فى مصر، فيمم شطره نحو باريس - كما أسلفنا- ويعين مدرسا للتاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية فى جامعة عين شمس ثم فى جامعة الإسكندرية، ولم ينس الدكتور سالم تخصصه القديم فطعم مادته التاريخية بمعلومات أثرية تدل على خبرته الواسعة فى هذا المجال ولاحظناه فى كتبه ومقالاته العديدة مثل: "المساجد والقصور في الأندلس"، و"تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس"،"المآذن المصرية: أصلها وتطورها حتى الفتح العثماني"، وعند دراسته لتاريخ المدن الأندلسية أو الشامية خصص فصلا فى هذه الكتب عن أثرية هذه المدن مثل ،"تاريخ مدينة المرية الإسلامية قاعدة أسطول الأندلس"، و"قرطبة حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس"، وتاريخ مدينة صيدا، كما خص "دائرة معارف الشعب" التى كانت تصدر فى الخمسينيات والستينيات بمقالات عن تاريخ الأندلس ومدنه وحصارته وآثاره فى أسلوب سهل ممتنع يبتعد عن التعقيد فاستفاد منه المتخصص والقارىء العادى.

ولعل الدكتور السيد عبدالعزيز سالم من الأساتذة القلائل الذين جمعوا بين دراسة الآثار والتاريخ العام، ففى كتابه "المساجد والقصور فى الأندلس" الذى صدرت طبعته الأولى عن سلسلة أقرأ بدار المعارف 1958، ثم صدرت طبعته الثانية عن مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية 1986، يتحدث عن مسجد قرطبة معتمداً على منهج المعاينة فيصف المسجد وصفاً معمارياً دقيقاً مع الحديث عن مراحل بناء المسجد عبر العصور المختلفة وحديث المؤرخين والجغرافيين العرب ووصفهم لهذه التحفة المعمارية التى مازالت تتحدى الزمن، ثم يستخدم نفس المنهج فى حديثه عن المساجد الأخرى مثل المسجد الأموى الجامع بإشلبيية الذى بناه القاضى عمر بن عدبس سنة 214ه ، وقد رأى فى المتحف الأهلى للآثار بمدينة إشبيلية بدن عمود من الرخام الرمادى ارتفاعه 3.17م وقطره 0.42م فيه نقش كوفى قديم أشبه شىء بحز السكين نصه: "يرحم الله عبدالرحمن بن الحكم الأمير العدل المهتدى الآمر ببنيان هذا المسجد على يدى عمر بن عدبس قاضى إشبيلية فى سنة أربعة عشر ومائتين وكتب عبدالبر بن هارون". وقد قرأ هذا النص ابن صاحب الصلاة مؤرخ دولة الموحدين، مع تحريف بسيط فى مدونته عن إشبيلية فى عهد الموحدين، وذكر أنه "وجد فى السارية التى فى البلاط الثانى من جهة الشرق المقابل لمحراب جامع العدبس" ويعتبر هذا النص على حد قول توريس بلباس أقدم نقش عربى معروف فى أسبانيا ..ويعرج بنا الدكتور سالم فى ثنايا التاريخ وتطور بناء مسجد إشبيلية حتى عصر أبى يوسف يعقوب المنصور الذى أمر بترميمه وبناء المئذئة التى لم يوجد مثلها فى الكون فى هذا العصر، ويضيف الدكتور سالم "ولما سقطت إشبيلية على يد فرناندو الفونس تحول المسجد إلى كنيسة تحمل اسم سان سلفادور ثم أصيبت المئذنة فى 24 أغسطس 1356م ، ثم هدم المسجد بأكمله ماعدا المئذنة سنة 1671م ووضع حجر الأساس ودام بنائها عام 1712م ، وكل ما تبقى من المسجد لا يعدو الجزء الأدنى من البرج حتى ارتفاع 9.50م وطريقة بناء هذا الجزء تشبه بناء قصبة ماردة التى بناها الأمير عبدالرحمن الأوسط ".
وبعد رحلة علمية حافلة توفى الدكتور السيد عبدالعزيز سالم فى يوم الأربعاء العاشر من شهر رمضان الكريم 1424ه الموافق الخامس من نوفمبر 2003م وقد شيعه رفقائه وتلاميذه إلى مثواه الأخير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.