تكلمنا فى المقال السابق عن نظرية المؤامره واوضحنا انها –فعلا- موجوده على ارض الواقع لكن قدراتها ليست مطلقه، ونجاحها فى مخططاتها ليست محتمه، فمن الطبيعى ان تتواجد على الرقعه العالميه قوى كثر تتعارض مصالحها مع مصالحنا لكن ومع ذلك لا يمكن ان نلقى بمسؤلية ما يحدث لنا على غيرنا ونغسل ايدينا من المسؤليه ونكتفى بان نستلقى فى ثبات عميق مستريحى الضمير لاعنين التآمر علينا و لاعنين القوى الخارجيه المتآمره ومستسلمين لما يحدث لنا على سند من القول اننا اضعف من ان نواجه المتأمرين!ولقد سبق للمفكر الجزائرى "مالك بن نبى "ان طرح استفسارا فى صدد دراسة ظاهره الاستعمار ، مفاده:هل هناك دولا "قابله للاستعمار" ؟ونحن بدورنا نسال انفسنا فى صدد القول بسيادة نظريه المؤمره،هل هناك دولا "جاذبه للمؤمرات؟ واذا اردنا ان نواجه الحقيقه بصدق فان يجب ان نجيب بانفسنا عن عده اسئله اولها هل نحن فعلا ضحية مؤامره كبرى؟ ولماذا تنجح المؤمرات عندنا ولا تنجح عند غيرنا؟ وهل الدول الاخرى لديها مناعه ضد المؤمرات ونحن من عديمى او ناقصى المناعه من المؤمرات؟ وعلى سبيل تبيان الامور على وجهها الصحيح سوف نعرض لخمسه حالات او خمس دول فقط على الرغم من ان غيرها كثيروندرس كيف ناضلت –تلك الدول - لتحفر لنفسها منزله محترمه بين دول العالم ولشعوبها مكانا لائقا بين الشعوب الراقيه ، واحده فى قاره اوربا واخرى فى شرق اسيا ، والاثنان خاضا حربا عالميه ضروس ترتب عليها دمار دولتيهما وهما المانياواليابان ودولتان اخرتان فى قاره اسيا عانيا –فى السابق –لذل الحاجه وفقر الثروات وهما الصينوالهند ،واما الدوله الخامسه فهى فى افريقيا القاره السوداء التى يصفون دولها دائما بالتخلف وهى دولة جنوب افريقيا. المانيا لا يخفى على احد ان المانيا كانت الدوله الرئيسيه فى الحرب العالميه الثانيه التى حاربت كل دول الحلفاء وفيهم امريكا وقاست مرارة الهزيمه والتى ترتب على هزيمتها ان احتلتها دول الحلفاء وقسمتها الى دولتان واستولت على علمائها وحاكمت كثير من زعمائها ومنعتها من ان تقيم بعض الصناعات الحربيه ومع كل تلك الظروف انطلق الشعب الالمانى فى نهضه انتاجيه وصناعيه وعلميه جباره واستطاع ان يحفر لنفسه مكانه مرموقه بين الدول الصناعيه الكبرى واصبح داخل الدول الغنيه السبعه على مستوى العالم واصبح اقتصاده الاقتصاد الرابع عالميا. ولا تسمع عندهم عن الارهاب ولا تشاهد عندهم المحسوبيه اوالفساد او الرشوه اواتهام بعض المواطنين لبعضهم بالخيانه او العماله او..او ..الى أخر قائمه الاتهامات المشينه التى يلصقها البعض للاخرين من ابناء وطنهم . اليابان كانت اليابان الحليف الثانى لالمانيا ضمن دول المحور التى حاربت الحلفاء فى الحرب العالميه الثانيه وانهزمت معها وضربتها امريكا بالقنابل ا لذريه مرتين الاولى فى هيروشيما والثانيه فى ناجازاكى ومات فى تلك المدن عشرات الالاف واصيب من الاشعاعات النوويه عشرات الالاف على مر اكثر من جيل ودمرت جيوشها تماما واحتلتها امريكا وفرضت عليها حاكما عسكريا امريكيا ودستورا صنعته الايدى الامريكيه، لكن بعد عقدين من الزمان استعادت اليابان حيويتها واصبحت –وهى تحت الاحتلال الامريكى-ثانى اقوى اقتصاد على مستوى العالم بعد الاقتصاد الامريكى ،لقد انتشرت المنتجات اليابانيه فى كل دول العام ونجحت الصناعه والمنتجات اليابانيه فيما لم تنجح فيه القوات العسكريه اليابانيه فقد نجحت فى غزوالاراضى الامريكيه والانتشار فيها ونافست الصناعه والمنتجات الامريكيه فى عقر دارها وتفوقت عليها...ثم صار هناك تقاربا يابانيا امريكيا لا يستند الى لغه مشتركه او اديان واحده او لغه او تاريخ اوحتى جنس ، فلا مقاربه بين العرق الانجلوساكسونى الذى تنتمى اليه امريكا والعرق الاصفر اليابانى ،ولكنها المصالح التى تصالحت وقويت بين البلدين الذان كانا اعداء الامس واصبحا اصدقاء اليوم.فعلينا ان نسال انفسنا كيف استطاعت اليابان ان تمرق من مصيرها المظلم الذى فرضته كافه الظروف الدوليه وجميع الدول الغربيه الحلفاء وعلى راسهم امريكا؟انه العمل الدؤؤب والمضطرد مع التألف الشعبى والتلاحم المستمر لرفعة الاوطان، ولم نسمع هناك عن من يدعى بنظرية المؤامره او خلافها ..ولم نشاهد ابناء الوطن يتقاتلوا على مناصب او مراكز او حكم او غيره ولم نرصد اى حالات فساد او رشوه او محسوبيه او غيرها الهند وتاريخ الهند يشهد كثير من المآسى عندما كانت تحت الاحتلال الانجليزى لاكثر من ثلاثمائة سنه حيث كان يسود بين ابنائها الفقر والفاقه والعوز والجهل وانتشار الامراض والاوبئه ثم انفصال جزء من اراضيها عنها وتشكلت دوله اخرى معاديه لها وهى الباكستان ..ولكن فور تحررها من الاستعمار الانجليزى اتخذت خطا سياسيا غير منحاز وانضمت لحركة عدم الانحياز مع مصر ايام جمال عبد الناصر ولكنها ايضا اتخذت نهجا ديمقراطيا لم تتخل عنه فى مسيرتها الطويله والشاقه نحو اقتصاد واعد يشار اليه الان بالبنان وانضمت الى تكتل اقتصادى قوى ضمن مجموعة "البريكس"ويقول كثير من المحللين انه برغم ان الهند قد بدات مشوارها للتقدم الصناعى والاقتصادى من نفس نقطه البدايه التى كانت عندها مصر ايام عبد الناصر الا انها تخطتها بقفزات واسعه و كبيره جدا يصعب على مصر ان تلحقها او حتى تمشى على طريقها بعدما بعدت الشقه بينهما تماما الصين اما الصين فبرغم انها لم يتم تعرضها للاستعمار الاوربى المباشر لكنها تعرضت لمؤمرات اوربيه ضروس ومستمره قام بها الاوربيون لحماية مصالحهم وخصوصا عندما ارادت ان تمنع زراعه وتجارة الافيون، كما دخلت فى حرب اهليه طويله كما سيطرت عليها الشيوعيه الدوليه ردحا من الزمان وحكمها الحزب الشيوعى وتصارع مع الحزب الشيوعى السوفيتى فى نزاع عقائدى ثم تهددت حدودها مع الاتحاد السوفيتى بشده وكانت حدودها مع الهند مضطربه وغير مستقره ولكنها ثابرت وصبرت واستطاعت خلال الحرب البارده بين الولاياتالمتحدهالامريكيه والاتحاد السوفيتى ان تنفذ الى علاقات اقتصاديه مع امريكا تعطيها افضليه تجاريه معها حيث منحتها امريكا ميزه اقتصاديه معها باعتبار الصين " الدوله الاولى بالرعايه" وسارت الصين على طريق طويل وشاق ولكنه كان مشبعا بالجديه والعمل والامل الواعد حتى اصبحت الان ثانى اقوى اقتصاد على مستوى العالم بعد امريكا مباشره بل اصبحت اكبر دائن مقرض لامريكا بعد ان حقق ميزان المدفوعات الصينى فائضا كبيرا يقدر بترليونات الدولارات الامريكيه واصبحت الصين اكبر مستثمر اجنبى فى دعم خزانه الولاياتالمتحدهالامريكيه. ولا تجد عندهم من يسرق او يفسد لان سيف القانون هناك لم يتلوث بالفساد او المحسوبيه وعدم المساواه. جنوب افريقيا لا احد كان يتخيل ان دولة "جنوب افريقيا" معقل التمييز العنصرى والتفرقه الانسانيه على اراضيها بين الرجل الاوربى الابيض وبين الرجل الافريقى الاسود فى جميع الحقوق بل وايضا الواجبات ، لم يكن لاحد ان يتخيل ان تقوم لهذه الدوله قائمه ،حتى استطاع "نلسون ماندلا" بنضاله الدؤب الذى كتب له به النصر ..وخرج مانديلا من السجن الى رئاسه الدوله وهو لايغيب عن ناظره ان يقيم العدل وينشر التسامح ويشطب تاريخا اسودا ،و يستقبل حاضرا زاهرا ومستقبل واعد محملا بروح التحدى والجد والمثابره ليترك الرئاسه بعدما وضع دولته على طريق التفوق الصناعى والاقتصادى ولتصبح فيما بعد عضوا فاعلا فى المجتمع الدولى وقوه سياسيه واقتصاديه لايستهان بها ويتم ضمها ضمن التكتل الاقتصادى الواعد لمجموعه "البيركس" خاتمة استعرضنا من خلال مقالنا السابق وهذا المقال نقاشا يدور حول المؤامره بعنصريها او فئتيها ، الفئه الاولى من يطلقوها والفئه الثانيه من يتلقوها ووصلنا فى مقالنا الاول الى ان الفئه الاولى وهم المتآمرون ليسوا محصنيين من الفشل فى مخططاتهم داخل اوطاننا بل والهزيمه داخل اوطانهم و فى عقر دارهم وناقشنا فى هذا المقال الفئه الثانيه وهم من يتلقوها وقلنا انهم يقاوموها ويكافحوها باراده صلبه وعزيمه جباره وعمل دؤؤب وشاق ومستمر وينجحوا فى تفاديها او تجنب معظم اخطارها ،لانهم جادون فى استشراف المستقبل بايدى مغبره بتراب العمل والجهد والمشقه، ومن ثم يصبح الفهم الصائب لا يتجاهل التآمر اوو يمتنع عن التحسب له ، ولكن لا يتوانى عن ادراك النجاح. ويصبح موضوع المقال القادم اين نحن من فكره المؤمره التى تشغل بال الجميع فى مصر من مثقف اومسئول اورجل الشارع.