للوطن على المواطن حقوق يقتضي الذود عنها، ومفاهيم ينبغي الوقوف عندها، ومحظورات لا ينبغي تجاوزها. ولكن لكل محظورات ضرورات تبيحها، ولنقف إلى جانب المواطن العربي السني في العراق أمام الصورة التالية قبل المضي في الموضوع: احتلال أجنبي / حلف بين الاحتلال وطوابير طائفية محلية يستهدف ويهمش الكتلة السياسية الكبرى في المجتمع وهم العرب السنة (42% حسب الانتخابات الأولى، ومثلها في الانتخابات الأخيرة) / حرب أهلية غير متكافئة / هدم مدن بقوات مشتركة أمريكية وطائفية محلية / تطهير عرقي / تزوير انتخابات يزكم الأنوف يضمن الأغلبية في البرلمان / فدرالية لم تبقِ من السيادة إلا الأسم، وتمنع مناطق السنة مقومات الحياة / نهب ثروات البلاد ورهنه للشركات "المفضلة" / تصفية علماء السنة ونخبهم وعسكرييهم / مصادرة المساجد وخطف وقتل المصلين / فرق موت بإشراف وزارة الداخلية / اعتقال النساء وهتك الحرمات / حرب إعلامية وثقافية واقتصادية غير متكافئة بتمويل من إيران / إحكام إطلاعات (المخابرات الإيرانية) القبضة على مقاليد الأمور الأمنية / تحكم إيران بمفاصل الحوزة وبالشارع الشيعي / جالية كبيرة من المستوطنين الإيرانيين والهنود الشيعة تدعم زخماً شعوبياً معادٍ للعرب والعروبة / تشبث إيران بدور مستقبلي في إدارة العراق. السؤال الذي ربما يكون قد استعد إليه القارئ: ما ذا أبقت هذه الصورة من معاني الوطن والمواطنة شيء؟ والسؤال الذي يليه: ما الذي بمقدور سياسي فعله في مناخ كهذا؟ في حقيقة الأمر إن ما يطالب به العربي السني في العراق هو أقل بكثير من دلالات هذه المعاني؛ فهذه قد ذهبت مذ إعلان يوم سقوط بغداد في 9 أبريل عيداً وطنياً! ما يتشبث به العربي السني هو النجاة بنفسه ودينه وعرضه وهويته، في معركة أسمها معركة وجود. وهو ما تحاول التعبير عنه صرخات الاستغاثة التي تطلق بين حين وآخر. سألت أحد الأصدقاء، وهو كاتب ومحلل سياسي، عن سبب احتجاب كتاباته وتحليلاته، فرد بالقول: إنه زمان ينطق فيه القلم فترد الرصاصة، ومقارعة الحجة بالحجة فيه ليست وسيلة للنجاة. والشعوب عندما تشعر بأنها مهددة في وجودها فإنها تبحث من يحقق لها الأمان، ويتراجع فيه هذه الحقب الأداء الفكري لصالح "الأداء العضلي"، وهو ما يفسر بقاء الشعوب العربية حقباً طويلة تحت حكم المماليك ومن بعدهم العثمانيين التي توصف بأنها حقباً العسكرية. لم تكن "الحقب العسكرية" في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية حقب عطاء ثقافي، لكنها صانت الأنفس وحمت بيضة الدين أمام أعاصير ثقافية ومذهبية وشعوبية هبت من الشرق والغرب. وقد تكررت مشاهد الانتشال السياسي للعرب على أيدي الشعوب غير العربية في منظومة الحضارة العربية الإسلامية. أمر آخر يضاف إلى عناصر الصورة السابقة، وهو أن السنة في العراق لا يجدوا فيما حولهم من النظم السياسية لدول الطوق العربية رغبة في إلقاء أطواق نجاة، أو مصلحة في إعادة خلط الأوراق سياسية بما يؤثر على المسارالسياسي. يبدو أن البر التركي هو الشاطئ الأقرب والمنظور في الأفق بالعين المجردة من على متن سفينة السنة التي تتقاذفها الأمواج، ويتذكر العالم كيف رفض هذا الشاطئ في ذروة الإعداد للحرب ومن دون الجميع نزول الجيش الأمريكي على رماله، وأن يكون معبراً إلى غزو العراق، رغم المتاعب التي سيجلبها هذا القرار،كما كانت سماء ومياه إيران معبراً للطائرات والبوارج الأمريكية الذاهبة لإنزال الدمار فوق العراق (أبطحي:لولانا لما سقطت بغداد) الدنو من هذه الشواطئ والرسو في مياهها ربما بدا أسهل مما هو عليه في الواقع. لندع البحر قليلاً ونعود إلى اليابسة ونقول: إن ثمانية عقود من مؤسسات الدولة الحديثة والثقافة الوطنية كانت فاصلاً زمنياً طويلاً بين حقبتين رئيسيتين جرت وتجري فصولهما على أرض العراق بين نظامين سياسيين: النظام العثماني والإيراني الصفوي، امتدت الأولى حتى قيام الدولة الحديثة، لتستأنف بسقوطها في 9 أبريل 2003. ما يميز الحقبة الحاضرة عن سابقتها هو غياب الحضور العثماني وعامل الموازنة من العراق بأشكاله المختلفة، وخروج العراق والشعوب العربية الأخرى التي شاركت العثمانيين نظامهم السياسي أربعة قرون من اهتمامات الدولة التركية الوريثة، وتخلي هذه الدولة عن أدوار الدولة الإقليمية الكبرى في المنطقة، واكتفائها بشؤون التركمان. يضاف إلى ذلك ارتفاع جدار الفصل الثقافي الذي أنشأته على طول الحدود المشتركة أدبيات الدولة القومية، التي اعتبرت الحقبة العثمانية حقبة احتلال أجنبي، وحفرت خنادق بين أجيال اليوم وشريك الأمس. في المقابل، لم تكن على طول حدود العراق المواجهة لإيران موانع فكرية، ولا نقاط تفتيش ثقافية، لا بل استمر حضور الشريك الفارسي على الساحة العراقية بأشكاله المختلفة؛ الديموغرافية والفقهية والمالية والسياسية وغيرها، وظلت إيران على الدوام الرقم الحاضر الغائب في المعادلة الداخلية العراقية، والعمق الاستراتيجي والروحي للحوزة والمهيمن عليها حتى لحظة سقوط بغداد، وهو حضور يطور الخلاف السني الشيعي المحلي، ويقلل من فرص الوفاق. إن سلوك المليشيات الطائفية المتحالفة مع إيران واستقوائها على السنة بالقوات الأجنبية خروج بالخلافات من إطارها المحلي، وانسحاب من العقد الوطني، وترخيص رسمي للسنة لاستئناف استراتيجيتهم وروابطهم الثقافية، والبحث عن عمقهم التاريخي في الخريطة الجديدة للمنطقة، وهو الدور الذي تنازلوا عنه لحساب الثقافة والوحدة الوطنية لشعب متعدد المذاهب والأعراق. لقد تورطت هذه المليشيات في المستنقع الصفوي، وركنه الركين في استراتيجيته تجاه الجوار كما يصفه المفكر الإيراني الراحل الدكتور علي شريعتي، وهي الاستعانة بالجيوش الأجنبية على خصوم الجوار (إنتهى). وقد أظاف هذا التورط بعداً دولياً للتشيع العربي لعرب الذي أقرب إلى حالة التظلم والسخط المحلي الذي لا يستعصي على الحل. لقد كان التعلق بأهداب الماضي العثماني شأناً إسلامياً تجاوزه عصر الدولة القومية، لكن الانهيار الخطير في النظام العربي والتسيب السياسي أكسب القضية بعداً واقعياً إضافياً يشترك فيه القوميون العرب الذين فكّوا يوماً ما الوثاق التركي عن معاصم الشعوب العربية. في هذا السياق يقول المفكر العربي القومي محمد حسنين هيكل، أن تركيا وإسرائيل هما الدولتان الوحيدتان المرشحتان لوراثة المنطقة سياسياً، وبرفض المرشح الإسرائيلي تكون تركيا هي المؤهلة لتزعم المنطقة واستئناف أدوار تاريخية في حفظ التوازن السياسي الإقليمي. سيكون من السذاجة توقع استدارة تركية مفاجئة، جغرافية واستراتيجية، بمقدار 180 درجة باتجاه جوارها الجنوبي، ولكن في المقابل، فإن ال "لا" الأوربية الأخيرة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي هي في نظر الكثيرين مسألة وقت، ولن تكون تلك اللحظة لحظة الشروع بالبحث الجاد عن البدائل، وإنما لحظة اعتماد البدائل التي لابد وأن الدولة التركية منكبة عليها منذ الآن، وتهيئ لها الأوراق. كما أنه ليس من قبيل السباحة في الخيال توقع أن تضع الموازنات الاستراتيجية الدولية بين يدي تركيا ونسختها من "الإسلام السياسي" المعتدل أوراقاً وأدواراً هامة في ريادة العالم العربي والإسلامي ذو الغالبية الساحقة السنية، والذي تسبب فراغه السياسي في إزعاجات أمنية وسياسية للجارة الغربية أوربا. إن العرب بحاجة ماسة إلى المساهمة في تحديد مسارات المستقبل، والإستعداد لتطورات سياسية محتملة الوقوع. إن إعادة التكتل السياسي الإقليمي بحاجة إلى عمود فقري، كما كانت ألمانيا العمود الفقري لتكتل الاتحاد الأوربي، وليس في المنطقة كما يقول هيكل سوى مرشحين اثنين، إن تأخر أحدهما أو تعثر ظفر به الآخر. لكن مجريات قرن كامل من التجارب السياسية والتخندق الفكري والقومي لم تترك لشعوب المنطقة إرثاً ثقافياً يساعدها كثيراً على إعادة التكتل والتماسك، في عصر لا يعترف إلا بالكتل. لقد عقد أصحاب العقول في أوربا العزم على إقامة تكتل بين شعوبها الخارجة لتوها من الحرب، وصمموا على إخفاء الندب والبثور الثقافية والتاريخية التي تعلو وجه أوربا، واستبدل التاريخ بالاقتصاد لإيجاد مسوغات لتكتل قابل للحياة. إن المنطقة بحاجة إلى صيغة استقرار شاملة، والحديث عن إعادة مد الجسور الثقافية بين أوصال المنطقة ليس موجهاً للعرب فقط، فالأكراد لا تخدمهم الثقافة المؤسسة على الخصومة مع الجوار الغنية بمفردات الثأر تجاه أحداث مأساوية تتفهمها شعوب الجوار، وثقافة الشعب الكردي وتاريخه وأدبياته وطبيعة علاقاته مع شعوب الجوار، لا يمكن اختزالها في أحداث عقود من الزمن والتي هي ومظة في حياة الشعوب، فجسور الثقافة مع الجوار شرايين للحياة حتى وإن اختار الساسة الأكراد المعاصرون الانفلات من المدار الثقافي والحضاري لشعوب المنطقة في عصر تتشبث فيه الشعوب بأشباه عرى للالتحام بكتل سياسية كبيرة خشية التيه الحضاري. إن الاتجاه شمالاً في معركة الوجود هذه لم يعد من المحضورات، ولن يكون تفريطاً بالوطن أكثر مما فعلته فدرالية الدستور العراقي الجديد، التي منحت حكام الأقاليم حق تجاوز العاصمة وإقامة علاقات مباشرة مع جهات أجنبية وفتح القناصل والتنقيب عن النفط وغيرها مما يمس الأمن الاستراتيجي للدولة مساساً مباشراً. إن نظرة سريعة إلى السلم التاريخي للحضارة العربية الإسلامية، تظهر أن حدثاً بحجم الغزو الأمريكي للعراق وتداعياته يحتل مساحة كبيرة في هذا السلم، وإن الاعتقاد بوجود حلول سريعة لجراحه الغائرة خروج على سنن التاريخ، ولا ينفي هذا الحاجة إلى العلاجات التضميدية الموضعية في الطريق إلى الحلول النهائية. من غير المفترض أن يكون هذا المنحى مثار استهجان أو شجب "المنتصرين" في هذه الحرب، فقد كان لهم السبق في إيجاد "ضروراتهم" التاريخية والمذهبية، والتقت ضروراتهم في مطلع القرن الواحد والعشرين الميلادي مع ضرورات إمبراطورية مارقة أسمها أمريكا أوجدت لها ضرورات تجاوزت بها المحضورات العالمية وغزت دولة مستقلة. ليس هذا حلفاً يحيك خيوطه السنة ضد الشيعة، لاسيما وقد جرب الشيعة العرب إيران، واكتشفوا بأنفسهم ماذا يعني للفارسي أن يكون العربي شيعياً ما دام أنه عربي. المطلوب هو سيادة نظام سياسي يؤمن بالتعددية ويرفض الاستئصال، عمود فقري لتكتل سياسي يملأ الفراغ السياسي والأمني في هذا المكان المهم من العالم. [email protected]