العاملون يعتبرون الأطفال «أولاد حرام».. وهوس التبرعات يصل إلى «رسالة» أستاذ صحة نفسية: أغلب المؤسسات تحولت إلى «بيزنس العمل الخيرى».. والرقابة مسؤولية الدولة والمجتمع
إذا أخذتك قدميك لزيارة إحدى دور الأيتام أو مؤسسات أطفال الشوارع، فلا شك أن قلبك سيرق للنزلاء الصغار فى هذه الدور، وستظل تفكر لبضع دقائق كيف يمكنك مساعدتهم، لينتهي بك الحال لسؤال القائمين على المكان والذين لن يترددوا في إعطائك إجابة سريعة «تبرعات .. الأطفال محتاجين حاجات كتير أوي».. ولأن الرغبة في فعل الخير تسيطر عليك تخرج من جيبك «ما تيسر» وتقدمه لهم فى مقابل «إيصالا» مختوم بقيمة المبلغ، أو يقولون لك «دفتر الإيصالات مش موجود». تحول جمع التبرعات إلى «هوس» لدى بعض المؤسسات القائمة على رعاية الأطفال، وأصبح الأمر مجرد «سبوبة» للتربح من الأيتام، والكارثة أن هذه الدور لا تؤدى المهمة السامية لها، وهي تربية الأطفال وتأهيل نفسيا للتعايش مع المجتمع، بالعكس تتركهم يتعلمون الخصال والأفعال السيئة. وبعد أحداث 30 يونيو، زاد «هوس» دور الأيتام بجمع الأموال، خاصة مع التحفظ على أموال العديد من الجمعيات الخيرية بدعوى تبعيتها لجماعة الإخوان المسلمين، ولجأت بعض الجمعيات مثل «رسالة» إلى استفزاز المشتركين في نشاط «كفالة الايتام»، باتصالات هاتفية مثيرة للريبة ومتلاحقة للتأكيد على أن الجمعية ليست تابعة للإخوان، فضلا عن الإلحاح على الحصول على مبلغ الكفالة أيا كانت قيمته. واقع مرير.. وأحلام أسوأ زارت «المصريون» إحدى دور الأيتام، متوسطة الحال في «وراق العرب»، وكان يوجد بها نحو 30 طفلا من الذكور أعمارهم لا تزيد عن 10 سنوات، لنجد متبرعة تحمل في يدها أكثر من 50 فرخة مجمدة، وبعض الأطعمة الجاهزة، وطلبت من القائمة على الدار إطعام الأطفال من هذه الوجبات الجاهزة، وبمجرد انصراف السيدة، دخلنا غرفة الطعام، فكان «الغذاء» مكرونة فقط..ولا أحد يعلم أين ذهبت هذه الوجبات. .. بعد الغذاء، ذهب الأطفال للجلوس على «حصيرة»، لمشاهدة التلفاز،ووجدنا طفلا يصرخ وبسؤاله، قال: «الأبلة حرقتني بالمعلقة السخنة»، وكان الرد على تلك الواقعة من إعدى العاملات بالدار غريبا، حيث قالت: «أنا هوجع دماغي لية دول ولاد حرام ما نعرفش جم إزاي». لخص الرد السابق نظرة دور الأيتام للأطفال الذين ترعاهم، وإهمالها تربيتهم، وزرع الحقد وكراهية المجتمع بداخلهم، فكان نتيجة ذلك أن انتشر «الشذوذ» و«السرقة» بينهم، حتى أن أحد الأطفال قال ل«المصريون»: «عاوز أبقى بلطجى عشان يبقى معايا فلوس كتير»، أضف إلى ذلك شعورهم بالكراهية الشديدة للمجتمع، وانتشار «الشذوذ» فيما بينهم. الرقابة.. وبيزنس العمل الخيرى من جانبه، قال الدكتور حسام الدين عزب، أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس، إن مؤسسات رعاية الأيتام وأطفال الشوارع، قد تمثل كارثة إنسانية إذا لم يتم الاستعانة فيها ببرامج تأهيلية ورقابة قوية ونزيهة، مضيفا: «على أرض الواقع ومن خلال عملى لسنوات طويلة في هذا المجال وجدت أن قلة قليلة من هذه المؤسسات تعتمد على برامج سيكولوجية ناجحة، فمثلا جمع عدد من الأطفال في سرير واحد كما يحدث يمهد بل يشعل نار الرغبة المنحرفة بداخلهم فينتشر الشذوذ». وأشار «عزب» إلى أن أغلب المؤسسات تتمتع بقدرات تسويقية عالية جدا لجمع التبرعات والحصول على داعمين لها، إلا أنها تفتقد برامج تأهيلية وتدريبية جيدة تتيح إنتاج أطفال أسوياء، فيما يطلق عليه مصطلح «بيزنس العمل الخيري». وتساءل أستاذ الصحة النفسية: «ما المستقبل الذي أعددناه للطفل بعد أن يخرج من دار الأيتام حين يبلغ عمره 18سنة، ولماذا لا يتم تخصيص جزء من التبرعات وإيداعها في دفاتر توفير يبدأوا بها حياتهم عند خروجهم إلى الحياة وتعاملهم مع المجتمع وجها لوجه». وطالب «عزب» توفير رقابة قوية على هذه المؤسسات من قبل الأجهزة الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، فضلا عن المؤسسات الدينية في الدولة مثل الأزهر والكنيسة، وأن يتم ذلك بشكل مفاجئ، على أن يتم إرسال أشخاص مختلفين كل مرة حتى لا تقوم بعض الجمعيات بشراء ذممهم، لأن الخاسر الوحيد في هذه الحالة هو الطفل.