كم تعالت صيحات المصريين بضرورة التركيز علي إصلاح التعليم والعناية بالبحث العلمي ولكن لا حياة لمن تنادي، فتارة يقيس البعض انحطاط التعليم في بلادنا بالنسبة المخصصة له في موازنة الدولة، وتارة يكون المقياس هو الأمية التي أحاطت بخريجي الجامعات، والكل يلتقون عند انحداره وأن النهضة به هي المفتاح الحقيقي للخروج من أزمة البلاد الضاربة في كل الجذور، وأن البلاد لن تخرج من كبوتها إلا بعودة التعليم إلي سابق قوته. أركان التعليم في بلادنا مدمرة من حيث الموازنة الخاصة بها أو بالبحث العلمي، وأول الأركان المنهارة هي المناهج الارتجالية في أغلبها والتي لا ترتبط بالهدف القريب أو البعيد والاتكالية في محتواها، وأسلوب التعليم يقوم علي التلقي والتلقين ووصفات تذكرة داوود الطبية في وريقات المدرس الخصوصى للشفاء من مرض التعلم، وتقويم التلاميذ يرتبط بالواسطة والدرس الخصوصي وأبناء المحاسيب والهدايا في المناسبات الكثيرة كعيد العلم وعيد الأم وأي عيد، ومدرس يعاني بسبب ضيق الدخل من الانفصام بين تعليم قيمة أخلاقية هي أن اليد العليا خير من اليد السفلي ثم يستمر في مد يده لمن يعلمه فيبدو انفصامه وهوانه ، ويستغل الغلابة في دخلهم دون رحمة باسم الاضطرار ، ولا معيار عنده هنا بين الحلال والحرام، فيصل بنا الأمر إلي هذا المبهم المجهول من أمية المتعلمين . والجامعات تعاني من أزمة الطالب أو المنتج الذي يأتيها جاهلا حتى من القدرة علي القراءة والكتابة أحيانا، ومن التضييق علي أساتذة الجامعة فلا يجد أي كادر منهم ما يوفر له أدني عيشة كريمة إذا ما قيس بلاعب كرة من أندية الدرجات السفلي أو أجر راقصة في ليلة واحدة ، ويضطر هو الآخر للبحث عن وسيلة رزق في الجامعات الخاصة ، أو المغالاة في المذكرات فيفقد هيبته ، أو السفر إلي بلاد الخليج ليساومونه علي ولائه أحيانا وعلي كرامته أحيانا أخرى، ويبتعد عن ميدان البحث العلمي فيندر الإبداع والتجديد، ويخضع لشروط الجودة التي فرضتها معونة أمريكا ويتقاسمها مع جهلة النظام السياسي ويرضي بالتبعية للنظام وأمريكا والشيطان ويبدع في التنظير لهذه التبعية . والمناهج هزيلة فهي من مخزون الأساتذة أو من نتاج أبحاثهم التي تقدموا بها للترقي، فيصدم الطالب بما يفرض عليه من آخر ما ينتجه أستاذ لطالب بادئ يحتاج إلي التدرج المعرفي. وفي ظل شعور اليأس الذي يحيطه برغم كل هذا العذاب والبهدلة لأن الخريج مصيره إما واسطة أو رشوة لكي يجد مكانا في وظيفة هزيلة أو العمل في السيراميك والسباكة وقيادة الميكروباص حتى ولو كان من خريجي كليات ما يسمي بالقمة. والأدهى من كل هذا أن السلطة السياسية لا تفهم أبعاد التوازن في العملية التعليمية بين علوم التقنية وعلوم الهوية الحضارية، فترسخ تصورا يراه لنا الغرب في أن وظيفة التعليم تختذل في علوم التقنية والعلوم التجريبية فيما يسمى تخصص علمي فهو المجال الأوحد للنهوض بالبلاد والأنسب لسوق العمل، أما التعليم الأدبي للعلوم الإنسانية والفلسفة والتاريخ والأدب والشعر وأبعاد ما يغذي الوجدان والحس الفني والحضاري فانتهى زمانها وولي فهي ترف يدعيه كل مدعي حتى الجهلة من القوم، وهنا يكمن خطر الانغماس في علوم التبعية التي تفرضها العلوم التجريبية لسبق الغرب علينا ثم الارتباط بالعولمة التي هي الهيمنة الأمريكية وضياع الهوية والخصوصية الحضارية مقابل معونات الجودة . وتحول الحال تجاه التعليم علي يد سلطة غير واعية، فبدلا من أن يظل التعليم هو المعبر عن ضمائر الشعوب وتطلعاتها ويأخذ بيد الحكام إلي حيث رفعة الدول تواري دوره إلي التبعية للسلطة السياسية بأهله ومناهجه فاختفي الضمير وضاعت الحكمة. أما عن الاندماج بين رأس المال والتعليم في المدارس والجامعات الخاصة والتمثل بالدول الأخرى فلأن الأمر لم يدرس أو يخطط له بعناية، وبعد سطوة وسطو رأس المال علي السلطة السياسية زاد أمر التعليم هو الآخر فسادا، ولم يقلل من هذا الفساد التسميات التي تسمت بها دكاكين العلم ومكاتب السمسرة التعليمية، فتلك عالمية وهذه دولية وأخري المنارة وغير ذلك من مسميات فارغة من أي محتوى . والحقيقة أن هذه المباني هي بالفعل مكاتب سمسرة تحت مسمي التعليم، فهناك طلاب شهادات من أبناء القادرين يحتاجونها لاستكمال الديكور الاجتماعي طرف أول مشتري، وهناك أساتذة لديهم بضاعة في العلم وضاقت بهم سبل بيعها في مؤسسات الدولة طرف ثاني بائع، وهناك طرف ثالث سمسار يهيئ المجال والوقت للقاء البائع والمشتري لكنه لا يكتفي بنسبة السمسرة المقررة في القانون الخاص بالمحليات فيأخذ من المشتري ما يشاء ويساوم البائع علي البضاعة وفق سعرها المقرر في جامعات الحكومة ويأخذ الفارق لنفسه . ويلتقي البائع والمشتري في المكان المؤجر وكل يكره الآخر، فالأستاذ يحاول التظاهر بالتدقيق حفاظا علي الهيبة الضائعة، والمشتري يريد أن يفرض ما يراه بفلوسه، وإذا حدث صدام بين الأستاذ البائع والطالب المشتري ينتصر السمسار لمن يدفع وهنا لا قيمة للأستاذ، والسمسار يفكر في المزيد من خلال كافتيريات ورحلات ووسائل مواصلات وحفلات للرقص والعهر والفجر والانفلات لأنها تعجب الطرف المشتري وتزيد من الدخل، والمناهج غاية في الهزل، والمنتج النهائي عليه العوض ومنه العوض ، يا علم ويحك مت من الحقد *منحوا وسام الجهل للقرد . والأمر في ثورة التصحيح والتحرير يستوجب صرخة لوقف هذه المهزلة بعد أن دمرت واقع أمة عظيمة بكل تاريخها التي أعادته ثورتنا، لا بد أن نعيد النظر في المناهج والأساتذة والموازنة والفصل بين رأس المال وبين التعليم إلا بقدر ما يحقق من فائدة فعلية وليست ورقية . صرخة للتعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي الذي ما زال يمثل حقل تجارب للوزراء وغير المتخصصين، وإعادة النظر في إعداد كوادر التعليم، ومناهج التعليم، وإسهال الدراسات العليا الغير منظم في الجامعات بسبب ربطه بالدخل في الزمن البائد الأخير حتى أصبح مهزلة بكل أبعادها. صرخة في مؤسسات البحث العلمي وفتح الباب للمبدعين ممن حفظت أبحاثهم في الأدراج أو سرقت لصالح غيرهم، وإعانتهم علي تنفيذ الصالح منها ودعم سبل الإبداع العلمي وعدم قصره علي الإبداع الرقصي والكروي . الشيطان يكمن في الجهل، وآمل أن نخرج من دائرة الشيطان، وأولها أن نستعيذ بالله وبالعلم من كل شيطان رجيم. مؤرخ مصري