تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    يورجن شولتس سفير ألمانيا بالقاهرة: برلين خامس أكبر شريك تجاري لمصر| حوار    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    الداخلية تكشف حقيقة فيديو قيام أشخاص بأداء حركات استعراضية بالدراجات النارية    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    الجيش السوري يعلن بدء عملية عسكرية في حي الشيخ مقصود بحلب    وزير الخارجية الفرنسي: من حقنا أن نقول لا لواشنطن    باكستان تقترب من إتمام صفقة أسلحة وطائرات مع السودان بقيمة 1.5 مليار دولار    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    خبر في الجول - الاتحاد السكندري يرسل عرضا لضم طرخات    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    11 جثة و9 مصابين.. ننشر أسماء ضحايا حادث التصادم بصحراوي المنيا    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    إصابة 16 شخصاً بالاختناق في حريق المنوفية| تفاصيل    محاكمة 17 متهمًا في خلية العجوزة الثانية.. اليوم    فاروق حسني: أشعر الآن بالرضا ورد الاعتبار.. ولم أتمنَ إطلاقا أن أكون وزير ثقافة    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    كتاب جديد حول «المستقبل المشفّر بين الأزمات الدولية والعملات الرقمية»    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    سفير بكين بالقاهرة: أكثر من 4 آلاف طالب مصري يدرسون حاليا في الصين    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    بث مباشر مباراة الجزائر ونيجيريا الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    الهيئة الوطنية للانتخابات تعلن نتائج جولة الإعادة للمرحلة الأولى غدًا السبت    "الزراعة" تستعرض أنشطة معامل ومعاهد مركز البحوث خلال الأسبوع الأول من يناير    لماذا غادر النور وجه سيدنا عبد الله بن عبد المطلب بعد زواجه؟.. عالم بالأوقاف يكشف كواليس انتقال سر النبوة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    دعاء لتسهيل الامتحانات.. كلمات تطمئن القلب وتفتح أبواب التوفيق    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    الدولار يرتفع 0.8% أمام الجنيه المصري خلال أسبوع وفق بيانات «المركزي»    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أكثر من قاعدة .. تستحق الإدانة
نشر في المصريون يوم 09 - 01 - 2011

قبل أن تفيق الأجهزة الأمنية من سكرة "الانتصار" الساحق الذي حققته فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وقع حادث كنيسة الإسكندرية. الانفجار المروع أجبر الأجهزة النشوى على أن تفيق على عجل، لتجد نفسها في موقف حرج؛ فهي ملزمة أمام الوطن المصدوم بأن تقدم تفسيرًا لما وقع، وأن تضبط الجناة، إن لم يكن تحقيقًا للعدالة، فمن أجل تنفيذ تعليمات الرئيس بسرعة ضبط الجناة.
وقبل أن تجف دماء ضحايا الحادث، وقبل أن تبدأ النيابة تحقيقاتها كانت الاتهامات تلاحق المسلمين.. في مجملهم، بدليل أن الخارجين من الكنيسة التي وقع أمامها الانفجار بادروا على الفور إلى مهاجمة مسجد مجاور، رغم أن هذا المسجد لا يخص تنظيم "القاعدة" في العراق، التي قيل إنها هددت بمهاجمة كنائس في مصر، ولا الناس "القاعدة" تدبر لتحيل مصر إلى برميل بارود متفجر. وقد بادرت كل الجهات الإسلامية؛ مشيخة الأزهر، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف، وجماعة الإخوان المسلمين، وجماعات أخرى، وشيوخ بارزون؛ بادروا جميعًا إلى شجب الحادث وإدانته. لماذا؟ لأسباب عدة، منها أنه قد وقر في أذهان الجميع أن الحادث سينُسب إلى "مسلم" أيًا كان انتماؤه. أصبحت تلك هي "القاعدة" الراسخة؛ كلما وقع حادث مُدبر أو حتى عَرضي في أي مكان من العالم. ولنتذكر أنه بعد هجمات 11 سبتمبر2001 في نيويورك سارع الأمريكان إلى اتهام تنظيم "القاعدة"، وزادوا على ذلك بأن بدأوا استعدادات غزو أفغانستان قبل صدور أي تقرير من جهة قضائية.
وبدلا من النظر إلى ضحايا الإسكندرية باعتبارهم مواطنين مصريين؛ فيهم مسلمون وأكثرهم مسيحيون، تتولى الدولة أمرهم، اتجهت كل الأنظار إلى الكاتدرائية. ف"القاعدة" أن المسيحي هو ابن الكنيسة وواحد من "شعبها" و"رعاياها"، والأنبا شنودة هو المسئول الأول عنهم، وهو الذي يسعى لاستخلاص حقوقهم أحياءًا وأمواتًا. قال ذلك بمناسبة من قتلوا في أحداث كنيسة العمرانية، وأكدت ذلك وتؤكده المواقف المتكررة، بما في ذلك الجنازة الجماعية والقبر الجماعي للضحايا.
وبدلا من أن تكون جنازة الضحايا – وكل جنازة- مناسبة للحزن والإطراق في خشوع، والتأمل في مصير الإنسان ونهايته، كانت مراسم الجنازة التي جرت في دير مار مينا في مريوط، غرب الإسكندرية، مناسبة للتظاهر، رُددت فيها الهتافتات من قبيل" بالروح والدم نفديك يا صليب"، والتصفيق والصفير، ومناسبةً للحشد الطائفي. وكنت أود أن أقرأ تسجيلا لكلمات القس الذي تولى صلاة الجنازة لأن صوته لم يكن واضحًا في شريط الفيديو الذي رأيته، لكن الواضح أنه قال كلامًا أشعل به حماس الحاضرين الذين ارتفعت عقائرهم بالهتاف والتصفيق. وقد أصبحت تلك "قاعدة" أيضًا للحشد الجماهيري العاطفي.
مثل هذا الحدث الكبير لا يحتاج إلى تحقيق قضائي، وتحريات أمنية، وبضع بيانات فحسب، كما هي "القاعدة"، لكنا بحاجة إلى لجنة وطنية مستقلة.. تكسر "قاعدة" احتكار الأجهزة الأمنية للتعاطي مع الملف المسيحي، مثلما تحتكر التعاطي مع الملف الإسلامي. لجنة يشارك فيها علماء دين وتاريخ واجتماع وسياسة واقتصاد وعلاقات دولية وخبراء أمن ومخابرات ممن يتمتعون بحس وطني صادق، واحترام لانتماء الشعب .. لا تنظر إلى الحادث وحده، ولكن إلى السياقات التاريخية والمآلات المستقبلية، والمخاطر المحيطة.. تحدد بصراحة ووضوح مسئوليات الجميع؛ وبخاصة رجال الكنيسة وأجهزة الدولة. لجنة يمكن أن يستمر عملها لأشهر لكن تضع خطة عمل لسنوات.
سبق أن كتبت مقالا في "المصريون" في شهر نوفمبر الماضي عن بعض التصرفات المستفزة وتساءلت: "هل يريدون فعلا أن تنفلت الأعصاب، وأن يتصرف البعض خارج نطاق العقل؟ هل هي مسألة جر شكل؟"
وللأسف .. فقد حدث ما يكرهه الجميع إلا قليلا منهم.
[email protected]
قراءة ما وراء الانفجار (1)
علي عبد الجليل علي
بعد تبدد السحب التي كانت تحجب الرؤى وذلك الغبار الذي أثاره انفجار كنيسة القديسين الأخير علينا أن نطرح التساؤلات التي ربما يراوغ البعض في الإجابة عليها ، وأهم تساؤل يجب أن يطرح في مرحلة ما بعد الانفجار هو ( لماذا ) وذلك في تصوري أهم من التساؤل عن ( كيف ) حدث الانفجار ؟ فإجابة السؤال الأخير ربما تملك جهات الأمن والتحقيق الإجابة عنه ، وسواء ثبت تورط القاعدة أو غير القاعدة في تدبير هذا الانفجار ، فإن ما يجب أن نبحث عنه هو رصد أسباب ومقدمات الاحتقان ( المسلمسيحي ) .
فمن المؤكد أن الكثير من الأزمات لا يمكنها أن تطفو على السطح هكذا دون مقدمات تتسبب في حدوثها وإرهاصات تشير إليها ، فثمة عوامل كامنة دائماً لابد من البحث عنها ورصد تاريخها القريب والبعيد ، وهذا ما يحدث عند تشخيص مرض ما ، حيث يقوم الطبيب قبل تشخيص الداء ووصف الدواء بسؤال المريض عن تاريخه مع المرض في محاولة للفهم والتشخيص والعلاج .
وإذا نظرنا إلى ملف الاحتقان المسلمسيحي لوجدناه لا يختلف كثيراً عن باقي تلك الظواهر ، فليس من المعقول القول بأن الأزمة ظهرت هكذا بين ليلة وضحاها ، فالمؤكد أن ثمة أسباب وعوامل ، إنها بالأحرى تراكمات ظلت في التتابع حتى أوصلتنا إلى تلك المرحلة .
ومن الطبيعي أن نفكر في افتراضات أو سيناريوهات ما بعد الانفجار ، وهي في تصوري لا تخرج عن واحد من الاثنين ، أما الافتراض الأول فهو أن الأزمة مرشحة للتنامي وأن هذا لن يكون الانفجار الأخير ، ونحن لا نتمنى حدوث هذا الافتراض أو ذلك السيناريو ، أما الافتراض الثاني فهو انحسار الأزمة في شكلها العنيف الذي ظهرت به واعتبار أن ما حدث هو مجرد ذكرى مؤلمة وهذا الافتراض هو ما نرجوه ، لكن لكي يحدث ذلك لابد من التحرك على المستوي الثقافي والاجتماعي وليس على المستوى الأمني بطبيعة الحال ، فلن يكفي أن نكثف الحضور الأمني أمام الكنائس أو أمام بعض التجمعات هنا وهناك ، فذلك لن يحل المشكلة بل إنه سيرسخ الإحساس الدائم بوجود المشكلة ، تماماً مثل المريض الذي أصيب بكسر في أحد أطرافه ، فمهما شعر بالتحس وأحس بالتعافي إلا أنه سيظل يرواده الإحساس بالكسر طالما رأى الجبيرة ( الجبس ) موجوداً في أحد أطرافه .
ولعل صدمة الانفجار تمنحنا فرصة الوقوف أمام الذات التي اختبأت وراء المشاهدة والتتبع لأحداث تدور ولا نملك أن نوقفها أو حتى نتفهم خلفياتها ، فقراءة الحدث وفهمه تستدعي قراءة ما قبله أي أسبابه والتعرف على ما بعده أي نتائجه ، ومع هذه القراءة فإننا نحتاج إلى المكاشفة ومواجهة الذات عندما نواجه أخطائنا بل وخطايانا ، ولا يمكن أن نسعى لوجود حلول أو علاج لمثل هذا الاحتقان إلا بالاعتراف بخطأ البعض منا في التعامل مع الآخر .
والملفت أن النظر إلى الذات ومواجهتها قبل التطرق إلى أخطاء الآخر هو منهج أصيل في كل من الفكر الإسلامي والمسيحي على السواء ، ففي الإسلام نحن نطالب كمسلمين بالتثبت وتحري الدقة قبل إصابة الآخرين بجهالة يقول تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) سورة الحجرات آية 6 ، وقد ورد على لسان يسوع المسيح كما في العهد الجديد أنه قال ( لا تدينوا لئلا تدانوا ، فإنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون ، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم ، لماذ تلاحظ القشة في عين أخيك ولكنك لا تنتبه إلى الخشبة الكبيرة في عينك ؟ ) متى 7 : 1-3 لذا سنحاول هنا أن نلاحظ الخشبة الكبيرة في عيوننا حتى نستطيع أن ننزعها قبل أن ننظر إلى تلك القشة في عيون الآخرين .
*** الخطابات المضادة ومزيد من الاحتقان :
ولعل أول ما نلاحظه من إفرازات حالة الاحتقان والتوتر بين الطرفين المسلم والمسيحي ، هو تبني كل طرف لخطاب يستخدمه ويستحضره للتعبير عن أفكاره أو مشاعره تجاه الطرف الآخر ، وعلينا التأكيد قبل تفكيك هذه الخطابات وتحليلها على أن هذه الخطابات ليست عامة عند كل الأفراد ولكنها موجودة وكان لابد من رصدها والحديث عنها لكي يتم إلغائها واستبدالها بخطابات أخرى أقل استفزازاً واستنفاراً ، أما أحد هذه الخطابات لدى الجانب المسلم فهو خطاب استعلائي أحياناً ، ويقابله في الجانب المسيحي خطاب استقوائي محاط بعقدة الاضطهاد .
فمن دواعي الموضوعية أن نقر ونعترف بأن هناك خطابا متعاليا بل عنصري أحياناً تجده شائعاً لدى بعض المسلمين تجاه المسيحيين ، فربما يقول لك قائل ( لا تسلم على فلان أو لا تتعامل معه لأنه مسيحي ) وربما يذهب إلى أكثر من ذلك فيقول ( لا تأكل من عنده أو لا تشرب ما يقدمه لك ) وربما تحس بتذمر بعضهم إذا كان يرؤسه في عمله شخص مسيحي أو غير ذلك مما قد يطرح في بعض المجالس ، وأما أسباب وجود هذا الخطاب المتعالي ، فمنها ما يعود لقراءة خاطئة ومن ثم لفهم خاطئ لأحكام الشريعة الإسلامية الخاصة بأهل الكتاب والمسيحيين على وجه الخصوص ، وقد يعود لأسباب اجتماعية تخص الجماعات الإنسانية عامة في تعامل بعضها مع البعض الآخر .
لكن المتأمل لمثل هذا الخطاب المتعالي الذي يكرس الأفضلية والتفوق سيندهش عندما يجده موجوداً بيننا كعرب ، فبعض أبناء الدول العربية يستخدم هذا الخطاب ويتباهى به ، انظر إلى ما يطرحه البعض من سخرية وتقليل وللأسف عندما تذكر السودان أو الصومال أو اليمن – مع كامل احترامي وتقديري لكل هذه الدول – وانظر إلى ما يطرحه البعض من أبناء الدول العربية عن إخوانهم في دول الخليج العربي من الحديث عن الجهل والبداوة والتخلف ، وبالمقابل انظر إلى ما يطرحه بعض أبناء الخليج عن إخوانهم في بقية الدول العربية من الحديث عن الفقر والنصب والاحتيال وحاجة غيرهم من العرب إلى أموال النفط ، وانظر ما يقوله بعض أبناء المشرق العربي عن إخوانهم في المغرب العربي والعكس أيضاً ... إلى آخر ما يطرحه هؤلاء وأولئك في مجالسهم خفية وسراً في حين يجاهرون بعكسه نهاراً !!
وربما ينتج عن مثل هذا الخطاب المتعالي ما نراه في تلك المواقف التي يحتك فيها العرب مع بعضهم خاصة في حالات المنافسة ، ولعل أبرز مثال على ذلك ما نراه في مباريات كرة القدم بين بعض الفرق العربية من استفحال لمثل هذا الخطاب بل وترجمته إلى أفعال صاخبة ومواقف عنيفة !!
ولعلك لاحظت أنني استخدمت بكثرة كلمة ( بعض ) وكان ذلك ضرورياً حتى لا نرى المشهد قاتماً ونعمم الأحكام ، فالعقلاء من أمتنا العربية وعالمنا الإسلامي ما زالوا يتعالون على هذا الخطاب المتعالي بل ويقفون ضد أنصاره والمؤمنين به ، وربما نكون قد خرجنا من دائرة علاقة المسلمين بالمسيحيين في مصر عندما ربطناها بدوائر أخرى أوسع ، وكان القصد من ذلك هو التأكيد على أن الخطاب المتعالي الذي يطرحه بعض المسلمين تجاه المسيحيين هو جزء من خطاب عربي عام ، وربما يتردد البعض من المسلمين في الإقرار بوجود هذا الخطاب أو يحاول تبريره وشرعنته ، لكن ذلك مردود عليه فالله تعالى يقول ( يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ولعلك تلاحظ نداء الآية للناس وليس تخصيص النداء للمسلمين فقط ، وأن الحكمة وراء ذلك هو التعايش وليس الاستعلاء أو الاستئصال ، لذلك فمن المؤكد أن خطاب الاستعلاء ليس خطاباً إسلامياً أصيلاً بل هو خطاب دخيل أفرزته عقود بل وقرون من التمزقات والفتن وأغلال الاستعمار وآثاره .
وفي مقابل هذا الخطاب يوجد لدى الشارع المسيحي العربي والمصري بالتحديد خطاب آخر موجود على الساحة الآن ، وهو خطاب حديث أو جديد ربما ظهر في السنوات العشر الأخيرة وأعني به ( خطاب الاستقواء ) وقد تنامى هذا الخطاب بقوة نتيجة عدة متغيرات طرأت على المنطقة العربية بصفة عامة ومصر بصفة خاصة ونستطيع أن نختزل هذه المتغيرات في نقاط منها ( أحداث المنطقة العربية والعالم الإسلامي وما مر بهما من هوان وانكسارات ، ثم قوة وسائل الإعلام المصرية خاصة المستقلة وما أتيح للقضايا المسيحية من ظهور في كثير من الصحف أو كثير من الفضائيات بل وتخصيص عدد منها لطرح القضايا المسيحية ، ثم قوة الإنترنت كوسيلة فعالة للتعبير الحر والمباشر ، ثم ظهور ما سمي بأقباط المهجر ودورهم في تقوية الخطاب المسيحي خاصة وأن أكثرهم يرتكز على مؤسسات غربية قوية ونافذة )
هذه هي أكثر الأسباب والعوامل التي منحت الخطاب المسيحي الراهن عنفاً ولا أقول قوة ، وجعلت عباراته تمتلأ بمفردات صاخبة تكيل الاتهامات الواضحة والمباشرة وسوف نضرب على ذلك مثالاً واحداً من كتابات تمثل هذا الخطاب ، وهو مقال لكاتب مصري من الذين يطلق عليهم نشطاء أقباط المهجر ، فقد كتب تحت عنوان ( من هو الطائفي ومن هو الوطني ؟ ) في جريدة الدستور بتاريخ 23 سبتمبر 2009 العدد 236 ، وبعيداً عن مضمون المقال وما احتواه من تعريفات للطائفي وغير الطائفي من وجهة نظر كاتبه المعروف بمواقفه ومرجعيته ، فإن أهم ما لفت نظرنا هو بداية هذا المقال الذي طفح بالكراهية الفجة والمكشوفة للمجتمعات العربية وللتاريخ الإسلامي يقول الكاتب بصيغة الجزم والتأكيد ( تتفشى في المجتمعات التي تطلق على نفسها دولاً إسلامية ظاهرة قمع واضطهاد الأقليات غير المسلمة فيها ، وفي الوقت نفسه تحاول الأقليات المسلمة خاصة في الغرب فرض ثقافتها وقيمها على مجتمعات الأغلبية التي تعيش فيها ولا تتورع عن التمرد وتهديد كيان الدولة ذاتها حينما يتوفر لها ذلك ، حتى أن بعض المحللين قالوا إن المسلمين لا يستطيعون التعايش بسلام مع غير المسلمين وفي أحيان كثيرة الواقع يقول ولا حتى مع أنفسهم )
فالكاتب هنا يسوق الكثير من الاتهامات التي لا مواربة فيها ، بل ويسوقها على أنها حقائق لا ترقى للشك والتكذيب ، وهي اتهامات للمسلمين بالقمع والاضطهاد ليس في بلادهم فحسب بل في أي بلد يحلون فيه حسبما يزعم الكاتب وهو نوع مبطن من الاستعداء وتقليب الغرب على المسلمين ثم يسوق الكاتب – كما يزعم - دلائله وبراهينه وحججه على تلك الاتهامات والمزاعم وأهمها أن ( حجم الحروب الأهلية في الدول التي تسمى إسلامية هو الأعلى في العالم كله .. فالعنف الموجه للآخر أو للذات هو سمة مميزة للدول الإسلامية ، ولهذا أطلق هنتنجتون على هذه الظاهرة عصر حروب المسلمين .. وتاريخ الدول الدينية هو تاريخ من الحروب والصراعات والمنازعات ، فالدول الإسلامية تعيش حالياً مرحلة العصور الوسطى الأوربية ) !!!
وسوف نرد لاحقاً في هذه القراءة على بعض ما طرحه هذا الكاتب ، لكن ما أردنا التأكيد عليه هنا هو اختلاف مفردات هذا الخطاب المسيحي عما كان يطرح قبل عشر سنوات تقريباً فلعلك لاحظت هنا تلك العبارات المباشرة والاتهامات القوية والفجة ، ولاحظت أيضاً أن المقال مكتوب في جريدة ناطقة باللغة العربية وصادرة في دولة عربية إسلامية وليس في دولة أوربية أو أمريكية ، وهو ما يدفعنا للقول بأن ( خطاب الاستقواء ) المعاصر لدى بعض المسيحيين قد أصبح لافتاً وواضحاً لا في مقالات تكتب وحسب بل في مؤسسات تدار وتدفع بهذا الخطاب إلى مدى بعيد ، وهي مؤسسات ترعاها جهات غربية أو حتى عربية تستظل بمظلة المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان ، وما يجعلك تدرك ذلك هو حجم القضايا والدعاوى المنظورة أمام القضاء من جانب بعض المسيحيين ضد كاتب أو مؤلف ما طرح وجهة نظره في قضية تخص الدين أو الفكر المسيحي ، ولعلك تستغرب أن هذا لم يكن موجوداً قبل أكثر من عشر سنوات بهذا الكم والزخم الواضح ، ثم انظر إلى عدد مرات الاحتجاج أو الاعتصام أو التظاهر من جانب بعض المسيحيين عند حدوث مشكلة ما تخصهم .
لكن من الإنصاف أن نقول بأن وسائل مؤسسات المجتمع المدني ورفع القضايا والدعاوى لنيل الحقوق ، والتظاهر والاعتصامات والاحتجاجات .. كلها متغيرات أو مستجدات طرأت على المجتمع المصري كله وأن الكثير من أبنائه – مسلمين ومسيحيين – قد استخدموا هذا الوسائل في العشر أو الخمس عشرة سنة الأخيرة ، لكن ما نلحظه هو استفادة الخطاب المسيحي الراهن من هذه المستجدات واستثمارها بشكل يخص قضايا المسيحيين وحدهم حتى بدا هذا الخطاب أكثر قوة وربما عنفاً مما كان عليه في السابق .
ومن الضروري أن نلفت الانتباه إلى أن خطاب الاستقواء المسيحي قد ترافق معه وجود إحساس بعقدة الاضطهاد ، وهي عقدة أصبحت تتضخم لدى بعض المسيحيين حتى تحولت من ( عقدة ) إلى ( عقيدة ) ، وقد تلقف هذه العقدة وأشعل فيها نار الفتنة عوامل كثيرة منها وجود مشاكل حقيقية لدى المسيحيين في مصر ، ومنها قدرة بعض أقباط المهجر على تضخيم هذه المشاكل ، ومنها تعدد وتنوع وسائل الاتصال والإعلام ورغبة هذه الوسائل في ملأ مساحات ورقية أو ملأ الهواء كما يقال بلغة الإعلاميين ، خاصة وأن قضايا الأقباط الآن أصبحت من مستلزمات برامج التوك شو وبعض الصحف المستقلة والكثير من مواقع الإنترنت ..
وبالعودة إلى ما قلناه من وجود مشاكل يعيشها الأقباط ، فإن هذه واحدة من النقاط التي يجب مناقشتها هنا ، فهل يوجد فعلاً مشاكل يعيشها المسيحيون في مصر ؟ ولا نملك وقد تحرينا الموضوعية والمكاشفة إلا أن نؤكد على وجود مشاكل وعقبات بل وعراقيل أمام بعض المسيحيين ، لكن التساؤل الأهم الذي فات كثير من المسيحيين خاصة من أقباط المهجر ، هل هذه المشاكل جزيرة منعزلة عن باقي جزر المشاكل التي يعيشها الوطن ، بل وهل هناك وطن بلا إشكاليات ؟!
إن إشكاليات المسيحيين في مصر هي جزء من النسيج العام لإشكاليات المواطن المصري عامة – مسلم ومسيحي – فعندما يتكلمون عن مشكلة أو عقبة بناء الكنائس فتلك تعد مشكلة مسيحية معضلة عند البعض ، في حين أن المساجد تعاني هي الأخرى من إشكاليات حتى وصفها البعض بأنها أصبحت تدار من قبل الجهات الأمنية أكثر من إدارتها من قبل الأوقاف ! وانظر إلى ما تعاني منه بعض الجماعات الإسلامية ومنهم الإخوان – بغض النظر عن تأييدنا أو رفضنا لمنهجهم – بل وانظر إلى ما تفعله بعض مؤسسات الدولة تجاه الحجاب والمحجبات !! أليست هذه مشاكل تواجه المسلمين وحدهم إذا رحنا نصنف المشاكل تصنيفاً طائفياً ؟
وحتى ما يقال من وجود تمييز ضد المسيحي في الوظائف والمناصب ، أليس مثل هذا التمييز يحدث لبعض المسلمين ، انظر إلى ما قد يتمايز به أهل المدن عن أمثالهم في الريف المصري ، ثم انظر إلى ما قد يتمايز به أهل الوجه البحري عن أهل الصعيد أو أهل الأطراف من خدمات ومرافق ، وانظر كذلك إلى ما يتمايز به أصحاب الثراء وأبناء المسؤولين في مقابل أبناء الفقراء والمهمشين .. إنها سلسلة ومنظومة من التمايزات التي أصبحت جزءاً أصيلنا من ثقافتنا وسلوكنا اليومي .
وحتى هذا الانفجار الأخير الذي حدث في كنيسة القديسين لم يكن هو الوحيد الذي اكتوت بناره مصر في العقود الثلاثة الأخيرة ، فنحن نذكر تلك الحوادث المؤسفة من عمليات عنف طالت الكثير من المصريين وكانوا في أغلبهم من المسلمين ..
وعلينا أيضاً أن نلاحظ ارتباط الإحساس بعقدة الاضطهاد لدى بعض المسيحيين بكونهم أقلية ، فهل المسيحيون فعلاً أقلية ؟! إن ذلك يستلزم تحديد مفهوم الأقلية لنرى إذا كانت تنطبق على الحالة المسيحية في مصر تحديداً ، وهذا ما سنتناوله في المرة القادمة إن شاء الله .
باحث وإعلامي
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.