الإدارية العليا تعدل عن قرارها بإعادة المرافعة في 187 طعنا على انتخابات النواب وتحجزهم للحكم    «الإدارية العليا» تحجز 187 طعنا على نتيجة المرحلة الأولى لانتخابات «النواب» لآخر جلسة اليوم    تعمل بتكنولوجيا الترشيح الفائق بالأغشية.. ماذا نعرف عن محطة مياه شرب دقميرة في كفر الشيخ؟    محافظ الغربية: تزيين عروس الدلتا من خلال حملات نظافة وتشجير على مدار الساعة    محافظ كفرالشيخ عن محطة مياه الشرب بدقميرة: أنهت معاناة قرى من ضعف الخدمة لسنوات    انقطاع الكهرباء 3 ساعات ونصف يوميًا بعدد من قرى كفر شكر ضمن خطة صيانة دورية    خروقات إسرائيل بغزة عرض مستمر.. شهيدان بنيران الاحتلال وغارات وقصف بمناطق عدة بالقطاع    بنتايج وآدم كايد على مقاعد بدلاء الزمالك أمام كايزر تشيفز واستبعاد عواد    الداخلية تضبط 329 كيلو مخدرات و147 قطعة سلاح ناري خلال 24 ساعة    هام من الأرصاد بشأن طقس الساعات المقبلة: فرص أمطار على هذه المناطق    استدعاء معلمة للتحقيق بتهمة التسبب في فقدان بصر تلميذ داخل مدرسة بقنا    انطلاق أسبوع الفيلم الصيني في مصر ب «The Lychee Road»    الاثنين.. الأوقاف تعلن تفاصيل النسخة ال32 من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    موعد أذان العصر.... مواقيت الصلاه اليوم السبت 29 نوفمبر 2025 فى محافظة المنيا    بعد 3 سنوات من الألم، مستشفى أحمد ماهر ينهي نزيف طفلة بعملية دقيقة بالمنظار    التصريح بدفن جثة شاب والاستعلام عن حالة صديقه ضحايا حادث الهرم    إحياء القاهرة التاريخية.. رئيس الوزراء يتفقد مشروع الفسطاط فيو المطل على حدائق تلال الفسطاط على مساحة 30 فدانا.. روضة ساحرة كانت سابقا منطقة غير آمنة وتسمى بطن البقرة.. وتعويض جميع السكان بوحدات بديلة بالأسمرات    إغلاق المتحف المصري بالتحرير وتحويله إلى فندق| رد رسمي يوضح الحقيقة    مازن الغرباوى يكشف رحلة تأسيس مهرجان شرم الشيخ: 10 من الإيمان والتحدى    رئيس وزراء باكستان يؤكد وقوف بلاده الثابت مع فلسطين    إحباط ترويج 750طربه حشيش بالعاشر من رمضان    شيخ الأزهر يوجه بيت الزكاة بسرعة تسليم مساعدات الدفعة الأولى من شاحنات القافلة الإغاثية ال12 لغزة    تنكر في هيئة امرأة وقتل عروسة قبل الزفاف.. كواليس جريمة هزت المراغة بسوهاج    الأردن يوسع التعليم المهني والتقني لمواجهة تحديات التوظيف وربط الطلاب بسوق العمل    الأنبا إبراهيم إسحق يصل بيروت للمشاركة في الزيارة الرسولية لبابا الفاتيكان    عمر رضوان: تتويج بيراميدز بالبطولات "متوقع".. ونظام الدوري الاستثنائي "صعب"    رئيس الوزراء يتفقد مشروعات إعادة إحياء القاهرة التاريخية    مصر تحيى اليوم العالمى للتضامن مع الشعب الفلسطينى    مد فترة سداد رسوم حج الجمعيات الأهلية.. إنفوجراف    قرارات عاجلة لوزير التعليم بعد قليل بشأن التطاول على معلمة الإسكندرية    بفستان جرئ.. أيتن عامر تثير الجدل في أحدث ظهور.. شاهد    الصحة: تقديم خدمات مبادرة العناية بصحة الأم والجنين لأكثر من 3.6 مليون سيدة    صحة أسيوط تتابع أعمال تطوير وحدة طب الأسرة في عرب الأطاولة    سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم السبت 29 نوفمبر 2025    أحمد دياب: سنلتزم بتنفيذ الحكم النهائي في قضية مباراة القمة أيا كان    أم كلثوم خارج الحدود المصرية.. حكاية فيلم أمريكي عن الست    "دولة التلاوة" .. حلقة جديدة اليوم علي قنوات الحياة و سي بي سي والناس    مواعيد مباريات اليوم السبت 29 نوفمبر 2025 والقنوات الناقلة    دوري أبطال إفريقيا.. بيراميدز يتحدى باور ديناموز الزامبي من أجل صدارة المجموعة    تفاصيل أسئلة امتحان نصف العام للنقل والشهادة الإعدادية من المناهج    جولة تفقدية بعد قليل لرئيس الوزراء فى مشروعات إعادة إحياء القاهرة التاريخية    اضطرابات بحركة السفر عالميا بعد استدعاء إيرباص طائرات «A320» لهذا السبب    وزارة العمل: مهلة ل949 منشأة لتوفيق أوضاع عقود العمل.. وتحرير 514 محضر حد أدنى للأجور.. و611 محضرًا لمخالفات عمل الأجانب    الصحة: 66% من الإصابات التنفسية إنفلونزا.. ومبادرات رئاسية تفحص أكثر من 20 مليون مواطن    FDA تربط بين لقاح «كوفيد -19» ووفاة أطفال.. وتفرض شروط صارمة للقاحات    إصابة فلسطينيين اثنين في قصف إسرائيلي على قطاع غزة    مفتي الجمهورية: التضامن الصادق مع الشعب الفلسطيني لا يُقاس بالشعارات وحدها    الاستثمار الرياضي يواصل قفزاته بعوائد مليارية ومشروعات كبرى شاملة    مأساة ورد وشوكولاتة.. بين الحقيقة والخيال    مندوب سوريا في الأمم المتحدة يدين الهجوم الإسرائيلي على بيت جن    زعيم الطيور المهاجرة.. فلامنجو بورسعيد يرقص التانجو!    توروب: الحكم احتسب ركلة جزاء غير موجودة للجيش الملكي    خبير تربوي: الطبيعة الفسيولوجية للرجل لا تبرر السيطرة المفرطة    عالم الأزهر يكشف مخاطر الخوض في حياة المشاهير على السوشيال ميديا    استشارية تربية تكشف تأثير الذكورية المفرطة على العلاقات الزوجية والأسرية    الصباحى: ركلة جزاء الجيش الملكى غير صحيحة.. ورئيس الحكام يهتم برأى الاعلام    استقالة مدير مكتب زيلينسكى تربك المشهد السياسى فى أوكرانيا.. اعرف التفاصيل    النيابة العامة تُنظم حلقة نقاشية حول تحقيق التوازن بين سلامة المريض وبيئة عمل آمنة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مأساة كامليا ومأزق الكنيسة [2]
نشر في المصريون يوم 27 - 09 - 2010

(1) أوافق الأستاذ محمود سلطان على ما جاء فى نهاية مقاله كخلاصة مفيدة: أن قيادات الكنيسة بإظهار المسكنة والنعومة إنما تسعى إلى صرف الرأى العام عن القضية الحقيقية للسيدات: وفاء قسطنطين وكامليا شحاتة ومارى عبد الله، وأخواتهن اللاتى أسلمن ولكن قامت جهات فى السلطة بتسليمهن للكنيسة لتفعل بهن الأفاعيل.. أوافقه على أن لب القضية ليس كما يحاول بعض قادة الكنيسة تصويرها فى الإعلام بأنها مجرد إسلام امرأة كانت نصرانية أو تنصّر إمرأة كانت مسلمة، وما قد يترتب على ذلك من اضطرابات عادية أسرية أو اجتماعية .. المشكلة فى صميمها قانونية ودستورية وإنسانية وأخلاقية.. وفيها تجاوز واجتراء واضح على سلطة الدولة وقوانينها.. ما فعلته الكنيسة بهؤلاء الأسيرات المستضعفات جريمة لا يمكن تبريرها ولا الاستهانة بها.. ولا يمكن ولا يجب أن تمر بدون عقاب ووضع جميع المسئولين عنها أمام المحكمة للاقتصاص منهم، وإعادة حقوق الأسيرات فى الحرية والحياة الطبيعية .. فلا أحد يعرف مصيرهن فى هذه الحظة، وقد تتكشف الأوضاع عن جرائم قتل وعمليات تعذيب مروّعة لا يعلم مداها إلا الله ...!
(2) لقد بلور الدكتور محمد سليم العوّا (فى برنامج متلفز على قناة الجزيرة لبّ) القضية وكشف عن أبعادها القانونية والدستورية وآثارها الخطيرة على الأمن القومى لمصر.. وهو أستاذ القانون الخبير الذى يزن كل كلمة ينطقها بميزانها الصحيح، وقد أضاف إلى القضية جريمة تهريب أسلحة من إسرائيل إشارة إلى السفينة التى تم اكتشافها والقبض على صاحبها وهو إبن قسيس فى كنيسة.. مما يدعم الفكرة الشائعة منذ فترة من الزمن أن الكنائس ولأديرة تحولت إلى معاقل مدججة بالسلاح إستعدادا لحرب إبادة لاقتلاع المسلمين[ الضيوف] من مصر.. ولذلك طالب الدولة أن تنهض بمسئوليتها فى فتح الكنائس والأديرة للتحقّق من الأمر قبل فوات الأوان...
(3) سأفترض افتراضا أن كل مايقال عن تخزين الأسلحة وعن القتل والتعذيب الجارى على الأسيرات المسلمات كله غير صحيح.. فهل يكون الصحيح هو الموقف الكنسي المستعلى والمستخفّ كما تعبر عنه تصريحات البابا ومساعديه، وإنكار مطلق لأى حق للرأى العام أن يعرف مصير أناس احتجزتهم الكنيسة ومارست عليهم سلطات لا يصح أن تملكها أو تدّعى ملكيّتها...؟! ومما يعزز شكوك الرأى العام فى موقف الكنيسة ونواياها ذلك الرفض القاطع للبابا تنفيذ أحكام للمحكمة الإدارية العليا.. كأنه هو دولة أخرى غير مصر ، إضافة إلى التصريحات الجاهلة الغبية لبعض قادة الكنيسة الذين لا يخجلون من ترديد أن المسلمين ضيوف على النصارى أصحاب البلد.. ثم الخوض فى سلامة الآيات القرآنية والتشكيك فى التنزيل وكتابة المصحف.. حيث يتساءل الأنبا بيشوى مستنكرا: هل أضيفت آيات كذا وكذا فى عهد عثمان لم تكن موجودة فى القرآن عندما [ قاله ] محمد ...؟! وتأمّل بإمعان فى تعبيره بكلمة [قاله] بدلا من: قرأه أو ألقاه ... فى كلمة واحدة يكشف الرجل عن حقيقة ما يدور فى عقول هؤلاء الناس: إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنكار الإسلام كدين منزّل، وإنكار القرآن ككلام لله وإنما مجرد كلام اخترعه محمد، وحتى عثمان الخليفة الثالث فى نظر بيشوى لم يحترم كلام محمد فأضاف إليه من عنده آيات جديدة .. ثم يستغرب بعد ذلك كيف أن المسلمين يعتبرونه كافرا .. ألست كافرا بنبوة محمد وكافرا بالقرآن...؟! لقد حكمت على نفسك أنت بمنطوق عبارتك ، ولست فى حاجة إلى من يصمك بالكفر، فقد وصمت نفسك بنفسك .. وكذلك يصف النصارى المسلمين بأنهم كفار، وتلك مسألة يمكن فهمها والتعايش معها بسلام فى وطن واحد، [ لا أعبد ماتعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين].. أنا لاأومن بدينك ولكنى أحترمك ولا أسخر من دينك، وأنت لا تؤمن بدينى ولكنى أتوقع منك أن تحترمنى وألا تسخر من دينى وتفترى عليه، وألا تقل لى أنى مجرد ضيف عندك، ولست مواطنا مثلك.. بهذه المعادلة عاش المسلمون والنصارى فى مصر بسلام عبْر أربعة عشر قرن مضت من الزمن.
ولكن الذى يحدث الآن من جانب القيادات الكنسية المستعلية هو عملية استقواء وتخريب لهذه العلاقات الوطنية والإنسانية العميقة الجذور .. ويبدو أن قضية الوطنية والمشاركة فى المصير الواحد بين النصارى والمسلمين لم تعد قضية ذات اعتبار فى ظل الأيديولوجية الجديدة التى يراد فرضها قهرا على النصارى قبل المسلمين.. وأكاد أشم فيها رائحة حرب تطهير عرقى للمسلمين فى مصر، على غرار النموذج الذى شاهدناه فى البوسنة وكوسوفا خلال تسعينات القرن العشرين.. فالأفكار التى يروّج لها اليوم بعض قادة متطرّفين فى الكنيسة.. تشبه نفس الأفكار التى أشاعتها القيادات الدينية والسياسية الصربية المتطرفة فى يوغسلافيا ضد المسلمين فى ثمانينات القرن الماضى، وهى التى مهّدت لحرب الإبادة فى التسعينات، ومن ثم تمزقت يوغسلافيا واندسرت إلى الأبد...!
(4) الأمر برغم كل ما حصل لم يصل بعدُ إلى طريق اللاعودة، فلا يزال الحل ممكنا وواضحا .. وقد أشرت إليه فى خاتمة مقالتى السابقة: رؤية الواقع السكانيّ فى مصر على حقيقته وفى إطاره التاريخي الصحيح وليس كما يتبدى لبعض العقول فى أوهامها وهلوساتها المرضية.. أخرجوا السيدة كامليا، والسيدة مارى عبد الله، والسيدة وفاء قسطنطين إلى النور إن كانت لا تزال حية .. فإن كانت قد قتلت فعلا فيجب أن يقدّم المسئول عن جريمة القتل للمحاكمة .. وليكفّ القساوسة المتطرفون عن تصريحاتهم الغبية حول الإسلام والنبى والقرآن فهم لا يكشفون إلا عن جهلهم وعجزهم عن فهم التاريخ والحضارة الإنسانية التى بناها هذا الإسلام (بلا سابقة ولا لاحقة) على مبادئ الأخلاق والعدالة والمساواة بين جميع البشر الذين كرمهم الله فى قرآنه، وعاشت فى ظلها بحرية كل الأجناس والأعراق البشرية، والأديان كلها ما كان منها منسوبا إلى السماء إوإلى الأرض، لا فرق ولا تمييز ولا عبودية..
(5) سألنى بعض القراء ماهى حكاية محاكم التفتيش الكنسية الى ذكرتها فى مقالتك السابقة.. وأحاول أن أوضح المسألة قدر الاستطاعة فيما يلى:
كانت محاكم التفتيش هيئات أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية للقبض على الأشخاص المشتبه فى معارضتهم لتعاليم الكنيسة ومحاكمتهم. أقيمت هذه المحاكم في كثير من بلاد أوروبا، ولكن كان أكثرها شهر محكمة التفتيش الأسبانية التى أقيمت بعد انهيار دولة المسلمين فى الأندلس.. وبداية حكم الملك فرديناند الخامس وزوجته إيزابيللا وكان عمل المحكمة هو التجسس على أهل الأندلس المسلمين الذين تم تنصيرهم قسرا، والتنكيل الوحشى بهم..
ويجب أن نتذكر أن تعاليم الكنيسة منذ بدايتها فى أوربا ابتداءً من حكم الإمبراطور الروماني قسطنطين (306-337م)، كانت هى أساس القانون والنظام فى الإمبراطورية الرومانية، وكان الخروج عليها يعتبر جريمة ضد الدولة.. وفي عام 1231م أنشأ البابا جريجوري التاسع محكمة خاصة للتحقيق مع المتهمين وإجبار المهرطقين على تغيير معتقداتهم.. وبعد نحو قرنين من الزمن تولت لجنة الكرادلة التابعة للمكتب البابوي عمليات التحقيق.. وتكاثرت محاكم التفتيش في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا، وكان التعذيب وسيلة اعتيادية جدا فى تلك المحاكم، ومنه حرق المحكوم عليهم أحياءً.. إلا أن ما حدث للمسلمين فى الأندلس قد بلغ من بشاعته حدا يصعب وصفه بالكلام .. فقد امتد تعذيبهم قرونا لا أياما ولا سنوات .. وتلك حقيقة تاريخية صادمة .. الذين خضعوا لهذا التعذيب كان يطلق عليهم إسم (المورسكيون) وهى تسمية للمسلمين الذين أجبرتهم الكنيسة تحت إرهاب محاكم التفتيش على التنصر، ومع ذلك كانت تشك فى حقيقة تنصرهم وتعتقد أنهم يمارسون عبادتهم الإسلامية سرا .. ومن ثم لا يجب الوثوق فى تظاهرهم بالمسيحية.. وترتّب على ذلك توالى صدور أوامر من الدولة للحد من حرية المورسكيين وتقييد هم بمزيد من القيود: منها حظر التحدث بالعربية فى مجالسهم الخاصة وحظر الختان، وحظر الوقوف تجاه القبلة، وحظر الاستحمام والاغتسال، وحظر ارتداء الملابس العربية. ولما وجدت محكمة تفتيش غرناطة بعض المخالفات لهذه اللوائح عمدت إلى إثبات تهديدها بالفعل، وأحرقت اثنين من المخالفين أمام الجمهور...
وبعد مرور أربعة قرون على سقوط الأندلس أرسل نابليون حملته إلى أسبانيا وأصدر مرسوما سنة 1808 م بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الأسبانية.
(6) ولنستمع إلى هذه القصة التي يرويها لنا أحد ضباط الجيش الفرنسي الذي دخل إلى أسبانيا بعد الثورة الفرنسية هو الكولونيل ليموتسكي .. قال:
"كنت سنة 1809 ملحقا بالجيش الفرنسي الذي يقاتل في إسبانيا، وكانت فرقتي ضمن فرق الجيش الذي احتل مدريد ... وقد دأب الرهبان الكاثوليك أصحاب ديوان التفتيش على قتل كل فرنسي يقع في أيديهم انتقاما من القرار الصادر ضدهم . وبينما كنت أسير مرة في إحدى الليالي عابرا شارع من شوارع مدريد يقل المرور فيه إذ باثنين مسلحين يهجمان عليّ يريدان قتلي، فدافعت عن حياتي دفاعا شديدا، ولم ينجّني من القتل إلا قدوم سَرِيّة من جيشنا اعتادت أن تحمل المصابيح وتبيت الليل ساهرة على حفظ النظام.. فما إن شاهدها القاتلان حتى لاذا بالهرب. وتبين من ملابسهما أنهما من جنود ديوان التفتيش.. فأسرعت إلى المارشال سولت الحاكم العسكري لمدريد وقصصت عليه النبأ، ققال: لا بد من معاقبة هؤلاء الأشرار وتنفيذ قرار الإمبراطور بحل ديوانهم.. والآن خذ معك ألف جندي وأربع مدافع وهاجم دير الديوان واقبض على هؤلاء الرهبان الأبالسة".
ثم يتابع قائلا: "أصدرتُ الأمر لجنودي بالقبض على القساوسة جميعا وعلى الحراس من جنودهم توطئةً لتقديمهم إلى مجلس عسكري، ثم أخذنا نبحث فى غرف الدير بين كراسيّ هزازة وسجاجيد فارسية وصور ومكاتب كبيرة.. وقد لا حظنا أن أرض الغرف مصنوعة من الخشب المصقول المدهون بالشمع. وكان شذى العطر يعبق فى أرجائها فتبدو الساحة كلها أشبه بأبهاء القصور الفخمة التي لا يسكنها إلا ملوك قصروا حياتهم على الرفاهية واللهو...
وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب.. لقد فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها، فلم نجد شيئا يدل على وجود ديوان للتفتيش، فعزمنا على الخروج من المكان يائسين...
(7) كان الرهبان أثناء التفتيش يُقْسِمون ويؤكدون لنا أن ما شاع عن ديرهم ليس إلا تهما باطلة، [ وأنشأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس توشك عيناه أن تطفرا بالدموع]، فأصدرت أوامرى للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير.. لكن اللفتنانت دي لِيِلْ استمهلني قائلا: أيسمح لي الكولونيل أن أخبره أن مهمتنا لم تنتهِِ بعد ..؟! قلت له: فتشنا الدير كله، ولم نكتشف شيئا مريبا. فماذا تريد يا لفتنانت..؟ قال: إنني أرغب فى فحص أرضية هذه الغرف، فإن قلبي يحدثني بأن السر تحتها.. عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أن يرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، ثم أمرهم أن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة. وكنا نرقب الماء، فإذا بالأرض في إحدى الغرف قد ابتلعته.. فصفق الضابط دي ليل من شدة الفرح وهتف قائلا: ها هو الباب، انظروا.. فنظرنا فإذا بباب قد انكشف.. كان قطعة من أرض الغرفة، يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب أحد قوائم مكتب رئيس الدير.. أخذ الجنود يكسرون الباب بكعوب البنادق، فاصفرت وجوه الرهبان، وعلتها غبرة.. ثم فُتح الباب، فظهر لنا سلم يؤدي إلى باطن الأرض، فأسرعت إلى شمعة كبيرة كانت تضئ أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيش السابقين.. ولما هممت بالنزول وضع راهب يسوعى يده على كتفي متلطفا، وقال لي: يابني.. لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال..إنهاشمعة مقدسة...! فقلت له: يا هذا إنه لا يليق بيدي أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء.. وسنرى الآن من هو النّجس فينا، ومن القاتل السفاك...؟!
(8) هبطت على دَرَج السلم يتبعني سائر الضباط والجنود شاهرين سيوفهم حتى وصلنا إلى آخر الدرج، فإذا نحن في غرفة كبيرة مرعبة، يسمّونها قاعة المحكمة، في وسطها عمود من الرخام به حلقة حديدية ضخمة، رُبِطَتْ بها سلاسل مُعَدّة لتقييد المحاكمين بها.. وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لمحاكمة الأبرياء.. ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية التي امتدت على مسافات كبيرة تحت الأرض.. فرأيت فيها ما يستفز نفسي ويبعث فيّ القشعريرة والتقزز طوال حياتي. رأينا غرفا صغيرةً في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفا على رجليه مدة سجنه حتى يموت، ويبقى سجين الغرف الأفقية ممدا بها حتى الموت، وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، فتأكله الديدان... ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاء الخارجي.. وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها.. وكان السجناء رجالا ونساءً تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة والسبعين.. استطعنا إنقاذ عدد من السجناء الأحياء وتحطيم أغلالهم، وهم في الرمق الأخير من الحياة.. كان بعضهم قد أصابه الجنون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب. وكان السجناء جميعا عرايا حتى اضْطُرّ جنودنا إلى أن يخلعوا أرديتهم ويستروا بها بعضهم .. أخرجنا السجناء إلى النور تدريجيا حتى لا تذهب أبصارهم.. كانوا يبكون فرحا، وهم يقبّلون أيدي وأرجل الجنود الذين أنقذوهم من العذاب الرهيب وأعادوهم إلى الحياة.. كان مشهدا يبكي الصخور.
ثم انتقلنا إلى غرف أخرى فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان.. عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب منها آلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري. كانوا يبدأون بسحق عظام الأرجل ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا حتى يتهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة والدماء الممزوجة باللحم المفروم.. وهكذا كانوا يفعلون بالسجناء الأبرياء المساكين.. ثم عثرنا على صندوقٍ في حجم جسم رأس الإنسان تماما يوضع فيه رأس المحكوم عليه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال حتى لا يتمكن من الحركة.. وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، نقطة في كل دقيقة.. وقد جُنّ الكثيرون من هذا اللون من العذاب، ويبقى المُعَذَّبُ على حاله تلك حتى يموت.. وآلة أخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة.. كانوا يلقون الشاب المعذب في هذا التابوت، ثم يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره.. فإذا تمّ إغلاقه مزق جسم المعذب المسكين، وقطعه إِرْبًا.. كما تم العثور على آلات كالخطاطيف تغرز في لسان المعذب ثم تُشد ليخرج اللسان معها، فيتم قصّه قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنفٍ حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين.. وتم العثور على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبون وهم عراة حتى تتفتت عظامهم، وتتناثر لحومهم"... [إقرأ إن شئت المزيد عن هذه الأهوال كتاب محمد عبد الله عنان: نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصّرين...] لتعرف حقيقة محاكم التفتيش التى أشرت إليها فى مقال سابق ثم اسأل نفسك: هل نحن بعيدين عن محاكم التفتيش...؟! أم أنها تعمل بين ظهرانينا ونحن لا ندرى..؟! من ينكر هذا عليه أن يثبت بالعمل لا بالمكابرة والادعاء و إعلان التمرد على قوانين الدولة... فليفتح أبواب الأديرة للتفتيش.. وليثبت للدنيا كلها براءته.. ويثبت أن الأديرة خالية من الأسلحة وخالية من التعذيب وخالية من السجناء والمحتجزين .. وليطلق سراح المسلمات المحتجزات: وفاء قسطنطين وكامليا ومارى عبد الله وغيرهن...
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.