أواصل ما كتبته هنا بالأمس تحت عنوان " غباء إخواني، أم إدمان الانتحار السياسي"، لأقول إن سرد تاريخ جماعة الإخوان مرتبط بصدامات عنيفة مع كل الأنظمة التي حكمت مصر سواء في الملكية، أو الجمهورية : عبد الناصر، والسادات، ومبارك. وإذا قلنا إن السلطة كانت تستهدف الإخوان وتضطهدهم باعتبارهم المنافس الحقيقي والبديل لها ولذلك قال مبارك خلال ثورة 25 يناير إن رحيله سيعني وصول الإخوان للحكم، وهو ما تم بالفعل، كما حصل أيضا أن حلت الفوضى كما حذر، لكن اليوم وبعد أن زال نظام استبدادي كان يقمعهم على غرار ما سبقه من أنظمة حسب منطق الجماعة وخطابها القائم على المظلومية التاريخية الكربلائية فقد صاروا هم السلطة بقدها وقديدها وكانت فرصة ذهبية لهم لعقد مصالحات تاريخية مع الخصوم والمتشككين ومع أجهزة الدولة ومع المجتمع الذي منحهم شرعية أقوى من أي شرعية أخرى فهو الذي حملهم إلى البرلمان وإلى الرئاسة لكنهم خذلوا الجميع وخذلوا أنفسهم أيضا. لم أكن شاهدا على نكبة الملكية، ولا نكبتي 1954، و1965 فلم أكن ولدت بعد، والتضييق في عهد السادات كان خفيفا جدا، فهم عاشوا في كنفه بدون قمع وسجون، أما مبارك فقد اكتفى بسجن القيادات ومصادرة جانب من الأموال لكن مع ذلك فإن فترة ال 30 عاما أتاحت لهم بناء وتقوية الجماعة وتنظيمها الدولي والاستثمار في كافة مجالات المجتمع والتمدد في النقابات والجامعات وعاشت عصرا زاهيا مكنها من حصد 88 مقعدا في برلمان 2005 عندما كان هناك شيء من النزاهة، ثم بعد ثورة يناير تمكنوا من حصد كل الاستحقاقات الانتخابية والاستفتاءات لصالحهم وهذا لم يكن يتم إلا لو كانوا مستعدين وجاهزين، وهذا لم يكن ليحدث إلا إذا كانوا ينعمون بحرية الحركة والتنظيم والنشاط والعمل ولو في حدود معينة ووفق صفقات أو تفاهمات مع النظام . بالطبع أنا لا أشرعن القمع لأي قوة سياسية مهما كانت أفكارها وممارساتها في حقب سابقة، ولا أبرر الحجب عن الشرعية تحت أي زعم للاستمرار في الاستبداد، ولست مع استخدام أي تيار وتصديره باعتباره فزاعة للعصف بالحرية وتعطيل الديمقراطية كما جرى في مصر بعد 23 يوليو وحتى ثورة 25يناير. لم يضطهد أحد الإخوان بعد ثورة يناير، ولم يكن هناك من يظلمهم، فقد كان المجلس العسكري حنونا عليهم وكريما معهم، وأتاح لهم فرصة لا تعوض للعمل بحرية كاملة، وهذا مكنهم من بلوغ السلطة، لكنهم هم الذين اضطهدوا وظلموا شركاء الميدان يوم أن انسحبوا لحصد الغنائم والسيطرة عليها كلها وعدم إشراك الآخرين معهم وخصوصا شباب الثورة الذين أشعلوها وغيروا وجه الحياة في مصر، ولو كانوا حافظوا عليهم ولم يتخلوا عنهم لم يكونوا غادروا الحكم سريعا، بل كانوا وجدوا دعما وظهيرا ثوريا وشبابيا قويا وراءهم يحميهم من تلاعب أجهزة الدولة العميقة وجماعات مصالح النظام السابق بهم وبالثورة، كذلك جماعات المعارضة القديمة والجديدة نبذهم الإخوان واكتفوا فقط بترشيح بعضهم على قوائمهم في الانتخابات واعتبروا أن هذا يكفي، كان من الذكاء عقد شراكة وطنية في السلطة ومنح الأكفاء مواقع مؤثرة ليكونوا عونا للرئيس وجماعته والنجاح في النهاية سيكون لمصر وللثورة وللشعب وللإخوان . لماذا لم يكن محمد البرادعي في منصب كبير، وكذلك عمرو موسى، وحمدين صباحي، وعبد المنعم أبو الفتوح ،وخالد علي، وهشام البسطويسي، والسيد البدوي، ومحمد أبو الغار، ومحمد غنيم، ووائل غنيم، وغيرهم من رموز الثورة مع حفظ الألقاب لهم جميعا؟، تخيلوا نظاما يقوده مرسي يتضمن هؤلاء الأشخاص بحضورهم الدولي والعربي والمحلي هل كان يتعرض لنفس المآزق ويسقط مبكرا جدا؟!. هؤلاء أو غيرهم كانوا سيحملون مع مرسي الإرث الضخم من أزمات ومشاكل 60 عاما، وإذا حصل إخفاق أو فشل فإنه لم يكن يتحمله بمفرده، إنما سيوزع على كل شركائه في الحكم ، لكن لم يعد ذلك ينفع الآن، فحتى رئيس الحكومة اختاره ضعيفا وظل مصرا عليه حتى خرج الاثنان من السلطة بطريقة غير كريمة . أتصور أن الفريق أول عبد الفتاح السيسي كان يريد استمرار مرسي لكن بشرط أن يعالج كل الأزمات والسلبيات بشكل جاد وحقيقي لإنقاذ البلاد بدليل أنه في مداولاته عرض عليه مبادرات عديدة للحل لكنه رفضها وآخر مبادرة وأفضلها في الوقت الصعب والحاسم كانت إجراء استفتاء على بقاءه أم رحيله كبديل عن الانتخابات الرئاسية المبكرة، ولو كان استجاب وحاز الثقة الشعبية فإنه سيعود قويا ويبدأ من جديد مرحلة جديدة مع المصريين ومع الكيانات السياسية، ولو كان خرج فإن ذلك سيعتبر خروجا ديمقراطيا تاريخيا كريما يحافظ عليه كشخص وكرئيس سابق ويحافظ على جماعته وحزبه لكن التعنت والتصلب والتحجر وعدم إدراك أن الخصومات شملت كل مؤسسات الدولة التي هي من الأصل كانت متوجسة منه كما شملت كل القوى السياسية والشبابية والثورية وحتى في الصف الإسلامي فقد تخلى عنه حزب النور ونأى بنفسه بعيدا عنه. نعايش ونتابع النكبة الرابعة للإخوان في 2013 على أرض الواقع ، وبعد كل ما حصل فإنهم يتحملون المسؤولية عنها، ولا يلومون إلا أنفسهم، وعليهم المراجعة الضرورية هذه المرة وإلا سيخرجون من تاريخ السياسة في مصر إلى ما شاء الله. عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.