انتهاكات يوم الاستفتاء 25/5/25 ، التي تعرض لها متظاهرون إصلاحيون، أمام نقابة الصحافيين بالقاهرة، من بينهم ناشطات وصحفيات كن في طريقهن إلى النقابة، وتعرضهن لما يعتبره القانون المصري "هتك عرض"، على يد عناصر من الحزب الوطني وأجهزة الشرطة، نُقلت إلى العالم بالصوت والصورة، أحالت سؤال التحولات المتوقعة في مصر، من سؤال حول ما إذا كان النظام السياسي، قد رأى الوقت مناسبا للإصلاح، إلى سؤال آخر يختلف تماما لا يراهن -كما يوحي السؤال- على التغيير من داخل النظام، وإنما يثير تساؤلات وشكوكا حقيقية بشأن أهلية النظام السياسي المصري ذاته، وقدرته ولياقته وشفافيته واستقامة آلياته الداخلية، أو ما إذا كان حقا هو النظام المناسب لقيادة قاطرة الإصلاح، في هذا الظرف الدقيق وبالغ الحساسية، بالنسبة لدولة كبيرة ومهمة في حجم ووزن مصر في المنطقة. طريقة تعاطي النظام السياسي المصري، مع ملف المعارضة، وطريقة إدارته لأزمته مع الشارع والرأي العام وقوى المجتمع المدني، جاءت جميعها تقريبا في صالح شعارات حركة "كفاية"، التي ترى في النظام السياسي المصري، نظاما تخطى تاريخ صلاحيته السياسية، وبات وجوده "ضارا" ليس على مستقبل المصريين وإنما على أمنهم الاجتماعي وسلامته أيضا. لقد تعامل النظام مع "بلطجة" مؤسساته الرسمية، بطريقة مستفزة وغير مسئولة بالمرة، ففي وقت ظهرت فيه فتيات مصريات، وهن يتعرضن للاعتداء الجنسي، على شاشات الفضائيات، ومن قبل أعضاء من حزب الرئيس وشرطته السرية والعلنية، كان المتحدث باسم الرئاسة، يعلق على الموضوع مستخفا بهذه المشاهد، التي أثارت حنق الرأي العام الدولي قبل المصري، معلنا: أن حكومته لا تكترث بهذه "المبالغات"!!. ولم يكن من قبيل المفارقة فقط أن الذي طلب التحقيق في هذه الانتهاكات هو الرئيس الأمريكي جورج بوش، وليس الرئيس المصري حسني مبارك، وإنما أيضا كانت ذا دلالة على سوء تقدير النظام المصري، لخطورة التطورات الدولية، وحضورها القوي في توجيه الحراك السياسي، في الدول الواقعة على مرمى البصر الغربي، فيما يتعلق بالإصلاح. ففي حين ينتقد النظام القوى الاجتماعية التي يراها تستقوي بالغرب عليه لحمله على النزول عند مطالبها الإصلاحية، ويتهمها ب"الخيانة" وبتلقي التمويل من الخارج ل"إيذاء" مصر من الداخل، أو لتنفيذ "أجندات" خارجية لا علاقة لها بالهم المصري الداخلي، يذهب هو ذاته إلى ما يعتقد بأنه لا يخلو من شبهة "الاستقواء بالخارج" على المعارضة بالداخل، ولعل زيارة رئيس الوزراء أحمد نظيف لواشنطن الأخيرة، كانت مفصحة عن هذا الخيار الحكومي غير المسئول والذي وضع "السيادة الوطنية" موضع امتداد شاذ وغريب لسيد "البيت الأبيض"، نظير مساندة أمريكية "رخيصة" للنظام وإطلاق يده لدهس المعارضة بلا رحمة، وهو ما حدث فعلا قبيل وصول طائرة نظيف مطار القاهرة الدولي. كانت القوى السياسية المصرية المعارضة للرئيس مبارك، شديدة الحرص على تأكيد استقلالها المالي والسياسي، وترفض أي مساندة دولية، أيا كان شكلها، وتحدت الرئيس نفسه، إذا كان لديه دلائل على اتهاماته لها ب"الاستئجار" لحساب الخارج مرة أو اتصالهم به مرة أخرى. بل كانت تُقرن هتافاتها ضد النظام، بهتافات أخرى منددة بالولايات المتحدةالأمريكية، ورغم أن ثمة جدل جرى على استحياء داخلها، بشأن عدم المبالغة في الهجوم على أمريكا، من قبيل عدم استعدائها في مواجهتها للنظام، خاصة وأنه ليس ثمة خلاف داخل الجماعة السياسية المصرية، على أن تزامن الاحتجاجات المدنية المصرية وتصاعدها مع اهتمامات المجتمع الدولي بمسألة الإصلاح، هو تزامن ينبغي الحفاظ عليه لكف يد السلطة عن قمع المعارضة. إلا أن الأخيرة رفضت إبراق أية رسالة ودودة لا للاتحاد الأوربي ولا للإدارة الأمريكية، حرصا منها على أن تظل محتفظة ب"نقائها الداخلي" من جهة وتحصين نفسها من تحقيق أمنية النظام، الذي يتحين الفرص لتصيد مثل هذا المنحى لتصفيتها معنويا وسياسيا وربما قانونيا أيضا من جهة أخرى. لم يقدر النظام المصري هذه الحسنة، ويتيح للتيارات السياسية المشتبكة معه، مساحة ثقة يطمئن من خلالها لاستقامة واستقلالية مؤسساته الداخلية، خاصة تلك التي يحتكم إليها في خصوماته ومنازعاته مع النظام، سيما سلطات الضبط والتحقيق والفصل بين المتنازعين. وهي مساحة ضرورية لقطع الطريق على أية محاولة تستهدف التدخل الدولي سواء لمراقبة شفافية الأداء السياسي للنظام، أو القيام بدور المحقق والقاضي في حماية المعارضة من تعسف النظام وتغوله. لقد وضع النظام المصري نفسه، والدولة كلها أمام مأزق بالغ الخطورة، عندما أساء إدارة أزماته، مع "المفاصل" التي بيدها الفصل في شرعيته هو ذاته: "شرعيته العرفية" التي لا يستقيها إلا من استقلالية قوى المجتمع المدني و"شرعيته القانونية" التي يستقيها من استقلالية المؤسسة القضائية. ومن الغريب حقا أن يعاند النظام ويكابر في مسائل ليست موضع تسويف أو مماطلة أو مكابرة، مثل مسألة "استقلال القضاء" بكامل تجلياته بما فيها النيابة العامة. إذ لم يدع أحد من خارج القضاء، باعتداء السلطة التنفيذية على سلطة القضاة وإنما جاء الاعتراف من داخل المؤسسة ذاتها. وعندما كان يُصدر شيخ القضاة، والرئيس الشرفي "مدى الحياة" لنادي قضاة مصر، المناضل القضائي والحقوقي المستشار يحى الرفاعي، البيانات التي تنادي باستقلال القضاء، كان هناك من يشكك في موضوعيته وتقديره لهذه المسألة أو أنه يبالغ في مخاوفه، غير أن القضية الآن باتت شهادة صادرة من الجمعية العمومية للقضاة التي حضرها ما يقرب من خمسة آلاف قاضي، والتي علقت الإشراف القضائي على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة، إلى أن يستجيب النظام لطلبها بإقرار قانون السلطة القضائية الذي قدمه النادي منذ ما يقرب من 15 عاما. لقد أفصح فحوى القانون المقترح ومداولات القضاة في ناديهم، أنهم يناضلون منذ عام 1991 لنيل استقلالهم!!، ولم يحصلوا على هذا الاستقلال بعد، ويرفضون الآن أن يكونوا "شهداء زور" على انتخابات لا تقرر نتائجها صناديق الاقتراع وإنما أجهزة الأمن، وضباط الشرطة، و"بلطجية" الحزب الوطني. بعد مرور عشرة أيام من صدور هذه الشهادة التاريخية من القضاة المصريين، وقعت أحداث يوم الاستفتاء، وعلى بعد أمتار قليلة من المكان الذي عقد فيه القضاة جمعيتهم العمومية، فيما لاحظت القوى السياسية، توجه الحكومة نحو إجراء تحقيق صوري وشكلي، في وقت عمقت فيه شهادة نادي القضاة من مشاعر النخبة المصرية، بعدم الثقة في استقلالية "سلطات التحقيق" خاصة في المنازعات السياسية. أفرزت هذه الأجواء تحولات خطيرة، إزاء موقف بعض القوى الوطنية المصرية، من خيار الاستنجاد بالمؤسسات الدولية، والاحتكام إليها بديلا عن "المؤسسات الوطنية" المناظرة لها في مصر، إذ هددت حركة "كفاية" يوم أمس الخميس 2/5/25، بأنها ستضطر إلى مقاضاة المتورطين في انتهاكات يوم الاستفتاء أمام المحكمة الجنائية الدولية!!. وبقدر ما كان هذا "التهديد" صادما ومفاجئا للبعض، بقدر ما لاقى من قبولا وارتياحا عند البعض الآخر، الذي ما انفك يراهن على الخارج في حمل النظام على احترام الداخل، بل ويرى في الخارج العامل الأكثر حسما في حماية الداخل المصري من "حماقات النظام". وخلاصة القول هنا، إن رصد أداء السلطة السياسي، خاصة مع الاحتقانات السياسية الداخلية، تشير إلى أن أكُثر من خمسين عاما من القمع والمصادرة وحكم الفرد، لم يمارس النظام خلالها أية خبرة ديمقراطية، فيما كانت سياساته الداخلية، تبحث فقط عن رد فعل الخارج، من شأنه أن يفرز بالتراكم نظاما سياسيا لا يجيد لعبة الديمقراطية ولا يستسيغها ولا يقبلها بنفس القدر الذي لا يعنيه الداخل في شيء.