هذا المشهد من الصعب أن ينسى، فهو محفور بعمق في الذاكرة، قبل عامين وقف أستاذ جامعي يصرخ عبر فضائية «الجزيرة» طالباً النجدة والغوث من الدول العربية والأمم المتحدة، لإنقاذ مكتبات وتجهيزات ومنشآت الجامعة من النهب والإحراق على أيدي العامة الذين عاثوا في مدينة الموصل وجامعتها فساداً وتدميرا، بعد انهيار النظام الحاكم في العراق إثر الغزو الأميركي. بدا الأستاذ الجامعي آنذاك وحيداً مثل راعي الغنم الذي تكاثرت عليه الذئاب. ومن يتعمق في التفاصيل يجد ان تلك هي النتيجة الطبيعية للمثقف الذي انعزل عن مجتمعه الكبير، وكان هذا ولا يزال حال معظم النخبة العراقية طوعاً أوكرها في عهد صدام حسين ثم الاحتلال، وكذلك حال المثقف العربي. لقد ظل المثقف العربي يتأفف من اقتحام دائرة العمل الجماهيري المنظم، ترفعاً وتعالياً دوماً، وإيثاراً للسلامة في أغلب الأحيان، فهو سعيد في مكتبه ومكتبته وبيته، بينما المجتمع من حوله يغلي ظلماً وكمداً؛ إذ اكتفى المثقف بالتنظير دون ان يهتم بمن يقرأ له أو يبحث عنه. ودون أن يحرص على أن يصل صوت صرير قلمه إلى من يسمعه، واستمرأت أكثرية المثقفين هذه الحال، فلم يستطيعوا التأثير في الشارع، ولم يقدر الشارع بدوره على الصعود إليهم، خاصة وأن عسكر السلطة نجحوا في لعب دور قاطع الطريق على الطرفين. الآن تحدث صحوة في معظم المجتمعات العربية.. ومصر نموذجاً، فالمثقف المصري هو أول من دعا إلى العصيان المدني وتبعته الأحزاب، وأول من دعا إلى تعديل الدستور قبل ان تطالب به أميركا، وهو أيضاً من تصدى بجسده وعقله لمحاولات التلاعب بالاستفتاء على التعديل. وأصبح هو من يتقدم الشارع والأحزاب. ومن يدقق في تكوينات حركة «كفاية» يجد أن الآلاف من المثقفين المصريين منخرطين ضمن صفوفها. فقد كسرت الحركة عزلة المثقف عن مجتمعه وأمته، وإلى جانب «كفاية» هناك أيضاً القضاة وأساتذة الجامعات والأطباء والمحامون والصحافيون، وقطاعات من العمال. فالمثقف المصري أدرك ما جرى في العراق واستوعب ضرورة العمل من أجل التغيير.. لكن التحدي الأكبر لا يزال خارج السيطرة. هذا التحدي هو كيفية منع المجتمع من الانجرار إلى الفوضى الشاملة، تلك الفوضى التي قد تراها بعض قوى السلطة طوق النجاة لها من الضغوط الداخلية، ومن الضغوط الخارجية على وجه الخصوص، وهي أيضاً ما تخطط لها القوى الخارجية. ان حركة المثقف المصري أمام تحد هائل وهو كيفية الوصول إلى التغيير المنشود دون إطلاق العفريت من القمقم.والمراهنة على منع الفوضى هو رهان على المثقف والقوى السياسية بالدرجة الأولى، فاطمئنان الناس إلى قدرة النخبة المطالبة بالتغيير على ضبط الأمور عند اللزوم يهديء من مخاوفهم، ويسلب بعض قوى السلطة والخارج ورقة ضغط تلاعب بها المجتمع، وهي إما نحن أو الفوضى. ولذا فإن الدعوة إلى مؤتمر وطني يؤسس لمنهج عمل منظم من أجل التغيير، وإلى تأمين المجتمع من احتمالات الفوضى يجب ان يكون هدفاً لكل القوى، وليكن ذلك عبر الدعوة إلى مؤتمر وطني يضم الأحزاب والنقابات والجمعيات وكل القوى السياسية بلا استثناء، يتم خلاله الاتفاق على أسس وأهداف وآليات التغيير وكيفية حماية المجتمع من أي فراغ، خاصة وان الأحداث تتسارع، والطوفان قد يبتلع الجميع. --- صحيفة البيان الإماراتية في 21 -6 -2005