منذ أن أسفرت الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت في 12 مايو 2018 عن خريطة سياسية جديدة والقوى الخاسرة لا تريد أن تسلّم بنتائجها: مرة عن طريق الطعن فيها، ومرة عن طريق حرق صناديق الانتخابات ومرة عن طريق المطالبة بإعادة الفرز يدويا. لقد جاءت نتائج تلك الانتخابات لتنهي 15 عاما من سيطرة تحالف شيعي متشدد على مصير العراق، حيث مثلت حكما بالإعدام على نظام المحاصصة الذي أدخله الحاكم الأمريكي بريمر إلى العراق بعد سقوط بغداد 2003 لتفتتح حقبة عراقية جديدة بوجوه جديدة وقوائم وطنية وليبرالية وتحالفات غير مسبوقة في الساحة العراقية. والقضية ليست في مجرد أن هناك تيارا سياسيا خسر الانتخابات ومن ثم عليه أن يسلّم دفة إدارة البلاد للتيار الذي اختاره الشعب، إنما القضية أن هذا التيار الخاسر يمثل امتداد محلي لقوى إقليمية تريد أن يبقى ميزان القوى السياسي على الوجه الذي هو عليه منذ أن سلّمت الولاياتالمتحدةالعراق على طبق من ذهب للطرف الإيراني للدرجة التي جعلت عسكريين وساسة إيرانيين يصرحون أن أربع عواصم عربية سقطت في الميزان الاستراتيجي الإيراني أولها بغداد، وأنها أي تلك العواصم الأربع: (بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء) أصبحت تمثل منطقة نفوذ ومجال حيوي لإيران. البصرة أحد أكبر مدن الجنوب العراقي، وهي تسبح على بحار من النفط إنما خيرها لغيرها من الساسة الذين انتفخت أرصدتهم بالأموال الحرام، وهي تعاني ظروفا معيشية واقتصادية صعبة جراء البطالة وانعدام الخدمات العامة وهي ظروف يستحيل استمرارها إنما توقيت الانفجار والطريقة التي اشتعل بها وانتشر لبقية مدن الجنوب العراقي والمرجعية الدينية التي صرحت بحماية الاحتجاجات وأكدت أنه على القيادة السياسية أن تستجيب للمطالب كلها عوامل تجعل كثير من المراقبين يضعون كثير من علامات الاستفهام على تلك الاحتجاجات سواء من حيث منبع انفجارها أو خشية انحرافها لمسارات أخرى. وإذا كانت ظروف البصرة المعيشية الصعبة وغيرها الكثير من مدن العراق الغنية والتي يعيش أهلها عيش الفقراء جراء عمليات النهب المنظم لخيرات الدولة من قبل نخبة وطبقة سياسية وحزبية عاثت فسادا ونهبا في خيرات بلد من أغنى بلدان العالم فإنه لا يمكن فهم تلك التطورات المحلية إلا بوضعها في سياق إقليمي ودولي ابتداء من الصراع الأمريكي الإيراني الذي بلغ ذروته مع مجي ترامب وفريقه الاستراتيجي برؤيته السياسية التي ترى إيران هي الخطر الأكبر على المنطقة، ومن ثم كانت الخطوة الاستباقية بخروج الولاياتالمتحدة من الاتفاق النووي، وما سيترتب على ذلك من عودة العقوبات والحصار الاقتصادي لإيران وما سيسفر عنه ذلك الأمر من اختلال سوق النفط وتداعياته من ارتفاع الأسعار إذا خرج نفط إيرانوالعراق من السوق مهما ضخت الدول الخليجية أو رفعت من نسب استخراجه. كانت الانتخابات البرلمانية في 12 مايو 2018 تصويتا عقابيا ضد النخبة الحزبية الحاكمة التي سيطرت على البلاد منذ 2003، وكانت تصويتا ضد الفساد الذي سيطر على مجمل الحياة السياسية في العراق، لذلك نجح فيها التحالف السياسي (سائرون) الذي تزعمه مقتضى الصدر والذي رفع أشد الشعارات ضد الفساد وهاجم المفسدين وفضح رموزهم على رؤوس الأشهاد. لقد جاءت احتجاجات البصرة وغيرها من مدن الجنوب لتطرح مزيدا من الأسئلة الصعبة حول مستقبل الوضع في العراق من ناحية، ومن يزيد بؤر الاشتعال من ناحية أخرى ثم كيف تتفاعل تلك الصراعات لتتوجه إلى مزيد من صب نار الغضب العراقي على التدخل الإيراني السافر الذي أصبح يتعامل مع الوضع السياسي في العراق باعتباره حديقة خلفية للنفوذ الإقليمي الإيراني وليست مجرد منطقة مجال حيوي. (لا يمكن فهم حرق المتظاهرون الغاضبون لمقرات الأحزاب الموالية لإيران: حزب الدعوة وتيار الحكمة وقائمة الفتح ومكتب مليشيا عصائب الحق إلا بكونها أذرع النفوذ الإيرانيبالعراق). تدخل الاحتجاجات أسبوعها الثاني والأمور تزداد سوءا وقد تتوسع رقعة الاحتجاجات لتشمل مزيدا من المدن العراقية، ومن نجح في إشغال النار ربما يفشل في توجيه دفتها، وقد يكون هو أول الغارمين في دفع فواتير متراكمة منذ العام 2003، وهي فواتير باهظة الكلفة على مستقبل تلك المنطقة الحيوية من العالم الذي لم يعد بحاجة إلى إشعال مزيد من الحرائق.