ثورة يناير أو انتفاضة يناير أو المحاولة تحررية أو الهبّة الشعبية التي حدثت في يناير، سمها ما شئت، لكن لن يختلف أحد أنها أنبل ما حدث في مصر منذ أن حاولت أن تشرق رياح التغيير فيها في مثل هذه الأيام من عام 2011. صحيح أنها كانت حلما جميلا ظل يداعب خيال المصريين سنوات طويلة منذ أن نزلت الناس إلى الشوارع وكسرت حاجز الخوف والصمت، ونادت لا للتمديد لمبارك ولا للتوريث لابنه جمال في تحد واضح لمن ظن أنه يرسم مستقبل بلد بحجم مصر ويعيد تفصيلها على مقاسه الشخصي، إلا أن الهجمة الارتدادية عليها كانت وحشية، وحشية بقدر لا يتناسب مع رومانسية ثورة سلمية أو محاولة للثورة قام بها شباب في جملتهم غير منتمين لتنظيمات ولا لأفكار سياسية كل حلمهم التغيير، كانت أشبه بمحاولات زهور الياسمين البائسة في مواجهة شراسة السلاح وعنفه، وما أدراك ما عنف السلاح حينما يتم اللجوء إليه ليقرر هو لمن تكون الغلبة. ثورة يناير أو انتفاضة يناير أو الهبّة الشعبية التي قام المصريون بها في يناير 2011 كانت محاولة حقيقية للتحرر، لكنها لم تتجاوز حدّ المحاولة، وظلت مكانها تراوح: بلا رؤية شاملة ولا مستوعبة لعمق عملية التغيير المطلوبة. ولا قيادة واعية تسيطر سيطرة حقيقية على ميادين الصراع على الأرض. ولا حركة مدركة لشراسة المتشبثين الفاسدين الممسكين بزمام الأوضاع الفاسدة، والذين يرون فيها متنفسهم الوحيد، ولا يمكنهم تحمل تبعات أي عملية تغيير حقيقية. أضعف ما في ثورة يناير أنها لم تحمل "فكرا" وليست هناك ثورة حقيقية بلا فكر، يمكن أن نتجاوز في غياب القيادة أو حتى الحركة الشعبية الراعية للثورة، إنما ليست هناك ثورة بلا فكر ولا رؤية مهما كانت حجم الطموحات والأماني، والتغيير والثورات لا ينتصرون بمجرد الطموحات والأماني. ثورة يناير أو انتفاضة يناير أو الهبّة الشعبية التي قام المصريون بها في يناير 2011 كانت محاولة شريفة لأن تنتصر الفكرة على السيف، لكن منذ متى انتصرت الفكرة على السيف، في أمة ثقافتها السيف أصدق أنباء من الكتب، وعندما يصطرع الكتاب والسلطان تكون الغلبة للسلطان الذي يملك السيف ليقرر به ما يشاء، ويطيح بالكتاب وأهله. نحتاج إلى قدر هائل من الشجاعة الأدبية والاخلاقية والفكرية أن نعترف أن مصر هبّت عليها رياح التغيير في وقت لم يكن ظرفا مواتيا للتغيير فيها، لا على المستوى المحلي بتعقد تحالفات شبكة المصالح وشبكات الفساد، ولا على المستوى الدولي بمنظومة هيمنته، ولا على المستوى الإقليمي الذي يشهد ظرفا رافضا للتغيير حيث خشيت العروش على مسببات الكروش ونمط الرفاهية الذي تحققه نظم ريعية لا تأبه لحقوق إنسان ولا لطموحات شعوب في التحرر والانعتاق من أسر نظم سلبت الإنسان أبسط حقوقه وهو الحق في الحرية والحياة الكريمة وهي شعارات ثورة يناير المجيدة: العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. نحتاج إلى قدر هائل من الشجاعة الأدبية والأخلاقية والفكرية أن نعترف أن الدولة المصرية: نظاما سياسيا واقتصاديا، وحركات اجتماعية، وجماعات دينية لم تكن على مستوى لحظة التغيير، ولا على مستوى طموحات الشعب، تلك الطموحات التي أفسدتها الانتهازية الدينية والسياسية وفض بكارتها راكبو الموجه من أرزقية الشعارات، وإعلام الثورة المضادة، والأذرع التي رباها أباها الذي في الأجهزة والغرف المظلمة أو المضيئة لا فرق والذين يمسكون بالريموت كنترول. كانت ثورة يناير حلما حولته الثورة المضادة إلى كابوس، كانت لحظة تاريخية أينعت فيها عوامل التغيير في ظرف غير موات للتغير فقطفتها مناجل الثورة المضادة، ووأدت حلم التغيير لسنوات قد تطول أو تقصر حسب قدرة وتفاعل الأجيال القادمة مع فكرة التغيير ذاتها، واستفادتهم من دروس الفشل الذي منيت به تلك الثورة البيضاء أو محاولتها. ولا تزال ثورة يناير أو محاولة الثورة في يناير شرف تزهى به رؤوس من قاموا بها حتى ولو فشلوا، هكذا الثورات البيضاء النقية تمنح المشاركين فيها شرفا حتى ولو فشلت. يكفيهم فخرا أنهم حاولوا. رحم الله شهداء ثورة يناير، ورحم الله الشهداء الذين يموتون على أبواب حلم التغيير، ورحم الله الذين يموتون على أسوار مدينة يظنون أن بها الخلاص. ملحوظة: مقال سبق نشره في جريدة المصريون نحتاج للتذكير به.