السياسة في أظهر معانيها في الرؤية الإسلامية هي: "القيام على الشيء بما يصلحه"، وهذا المعنى قريب من مفهوم "الحكمة: التي تعني وضع الشيء في موضعه وكما يقول شاعر العربية الكبير المتنبي: وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلى، مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى. ومن ثم: فالمناسبة، واعتبار الواقع المتعين على الأرض، وموازين القوى بين الأطراف المتصارعة، وتقدير الأحوال والظروف، ومراعاة المآل والمستقبل، ومعرفة دوائر التحركات وحدودها من أهم معاني التدبير والتسيير، وهي المعاني الجامعة لمفاهيم السياسة في مدارس العلوم السياسية الحديثة. والأحوال لا تسير على وتيرة واحدة، وليست كل الظروف إقبال، بل هي إقبال وإدبار، والأحوال يسر وعسر، والظروف ضيق وسعة، والمعارك كرّ وفرّ، الحياة هكذا، والسياسة جزء معتبر ومهم من الحياة، والذي يفهم الحياة أو السياسة على معنى واحد فقد ضيق واسعا وأبعد النجعة، وضل طريقه بين الدروب، وربما خالفته المآلات التي لم يكن يتوقعها أو يتحسب لها فتكون عاقبة أمره خسرا. السياسة كرّ وفرّ، وهي لا تدوم على حال، والعاقل الذي يعرف متى يكرّ ومتى يفرّ، وما هي شروط الكرّ، وما هي مبررات الفرّ، ومن فرّ من اثنين فقد فرّ، ومن فرّ من ثلاثة فما فرّ. فهناك حدود للطاقة الإنسانية، ولم يكلف الله نفسها إلا ما تسع وما تتحمل وما تطيق، والأمر إذا ضاق أتسع وإذا اتسع ضاق، والمشقة تجلب التيسير، ولا تكليف إلا بمقدور، والعجز مسقط للتكاليف والواجبات، والقدرة شرط الوجوب. الواقع بما هو واقع وعلى أية حال كان واقعا وبصرف عن النظر عن الحكم القيمي والأخلاقي لهذا الواقع مقدّر ومحترم ومقبول كأساس للتعامل معه، وليس كل الأمور التي نتعامل معها ترضينا لكننا نتعامل معها على أية حال، وهناك فرق كبير بين التعامل المجرد، والتعامل المستند على الأحكام القيمية والتفضيلات الشخصية. السياسة علاقة تعاقدية مجردة، يحكمها الدستور والقوانين والإجراءات المنظمة لسير أي موقف أو عملية، وهي لا تخضع لاعتبارات التقييم الفردي أو الرضا الذاتي، هي أمر برّاني أو خارجي وينبغي التعامل معها على هذا الأساس، ونخفف قدر ما نستطيع من الأبعاد النظرية أو التصورات المثالية. السياسة علاقة مصلحية واضحة، وهي مبنية على مفاهيم القوة والنفوذ وشبكات العلاقات والمصالح والنفوذ، وشبكات التحالف والصراع، والتهديدات الواقعة والمحتملة. ولأن السياسة إقبال وإدبار، فهي كرّ وفرّ، وهجوم ودفاع، ومكاسب وخسائر، وفترات صعود ونفوذ وفترات خفوت وكمون، هي على الحالين تسير، وبين الضفتين تجري أحداثها وتقلباتها، واستصحاب هذه الأفكار يجعلنا لا نغلو مع حالة واحدة من الحالات التي تكون عليها السياسة ولا نعتبرها حالة دائمة ولا وضع دائم، فلا سرمدية في السياسة، ولا قول أوحد أو واحد، ولا قول فصل فيها، وليس فيها القول النهائي، هي اجتهاد يقوم على التقدير، والتقدير يقوم على المعلومات، والمعلومات تحتمل الصدق والكذب، وتخضع لعمليات تمحيص وفحص لفرز الغث من السمن فيها، وهي عملية مركبة. السياسة جلها متغيرات، وكم الثوابت فيها قليل، فالسياسة حالة دائمة من السيولة، والاستقرار فيها أمر عارض أو طارئ، هي حالة فوران وتدافع وتحكمها سنن ونواميس ضابطة ومنضبطة، فلا عشوائية فيها ومن ثم لا ينجح في العلم أو العمل السياسي الهواة والذين "يجربون" لأنهم يغامرون بمقدرات الأمم والشعوب. السياسة حالة من الصعود والهبوط، وللأمم والشعوب دورة حياة مكتملة كما الكائن الحي، والواقع حاكم وحدود الطاقة محترمة، وليس من الضرورة أن تكون كل معاركك انتصارات، ولا كل جولاتك فوز، ولا كل صفقاتك أرباح، ربما كانت الهزيمة، وربما كانت الخسارة لكن عليك أن تعرف حالك في أي وضع يكون من حيث الإقبال والإدبار، ومن حيث الكرّ والفرّ، ومن لا يحسن التعامل مع تداعيات الهزيمة والخسارة غالبا ما تسكره نشوة الفوز والمكسب، فلا يعرف كيفية الاستفادة القصوى منه.